الذنوب والمعاصي هي الداء الجامع الذي يؤثر على حياة الإنسان ودينه وأرزاقه وسعادته وطمأنينته؛ فضيق القلب والنكد والهموم المتواصلة لا تكون إلا بذنب أصابه الإنسان، وكثير من مظاهر ضعف الإيمان — كعدم التلذذ بذكر الله وعدم الإقبال على العلم — أساسها المعاصي التي أنهكت القلب.
من آثار الذنوب الدنيوية المحسوسة: ضيق الرزق، وسوء خلق الزوجة والولد، والأمراض الجسدية؛ فكثير من الناس يعاني من هذه المشكلات ولا يعلم أن أصلها معصيةٌ أراد الله بها تنبيهه. وإذا صعُب تذكير الغافل بالآثار الأخروية فلا أقل من تذكيره بهذه الآثار الدنيوية المشاهدة.
من توفيق الله للعبد أن يستحضر أن المعاصي بلاء وهلاك، ويسعى للخروج منها؛ فكم من إنسان مريض القلب وهو لا يعرف، وكم من إنسان حُرم الأنسَ بالله وهو لا يشعر. أما من يعلم أن قلبه بعيد ويحاول فهو في يقظة، والأصعب أن يكون القلب ميتًا وصاحبه لا يدري.
من موانع إجابة الدعاء رينُ الذنوب والمعاصي على القلب؛ فإذا صارت الذنوب طبقة سوداء على القلب ضعُف أثر الدعاء وتضعف الاستجابة. ولذلك ينبغي للمبتلى بالذنوب أن يبدأ بالاستغفار والتوبة قبل الدعاء، ثم يسأل الله الأماني التي يطلبها.
سبب تأليف الكتاب أن رجلًا ابتُلي بمعصية يعلم أنها إن استمرت أفسدت دينه ودنياه، فسأل ابن القيم عن طريق الخلاص. لم يكتفِ الإمام بصفحة أو صفحتين بل ألَّف كتابًا كاملًا بقي للأمة جيلًا بعد جيل؛ وهذا يدل على صدق العلماء السابقين في نصيحة الأمة وعلى بركة السؤال الصادق.
الشرط الثالث للانتفاع بالأدوية الشرعية هو الابتعاد عن موانع استجابة الدعاء، ومنها: الأكل الحرام، ورين الذنوب والمعاصي وما شابهها، فهذه الأمور قد تحرم الإنسان من بركة استشفائه بكتاب ربه.
بيّن ابن القيم أن من صرف عنايته إلى القرآن حفظاً وفهماً وتدبراً اكتفى به في التعرف على أسباب الخير والشر جميعاً. فالقرآن دستور حياة وليس مجرد كتاب بركة، وهو يُريك الخير والشر وأسبابهما حتى كأنك تعاين ذلك عياناً.
أكد ابن القيم أن الطاعة والتقرب إلى الله والبر والإحسان من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من المعاصي والفساد من أكبر الأسباب الجالبة للشر. وهذا متفق عليه عند كل العقلاء عبر التاريخ.
نبّه الشيخ على ضرورة ألا يغترّ المؤمن بما يراه من ضحك أهل الفساد ومرحهم، إذ الذي يستلذّ هو الجسد لا القلب، وقلوبهم ميتة موحشة لكنهم لا يُبوحون بذلك. فالضنك والضيق فيهم لا يُشاهَد في وسائل التواصل.
استقرأ ابن القيم القرآن الكريم فوجد أن ترتيب الجزاء على الأعمال خيراً وشراً وارد في أكثر من ألف آية، بأدوات متعددة: الشرط والجزاء، وفاء السببية، ولام التعليل، وأداة «كي»، وباء السببية، وأداة «لما»، مما يثبت قانون السببية ثبوتاً قاطعاً.
بيّن ابن القيم أن القرآن والسنة يُرسيان القواعد الكلية لأسباب الخير والشر، وأن التاريخ هو تفصيل لجزئيات هذه القواعد وتطبيقاتها. فالنظر في مآلات الصالحين والأشرار عبر التاريخ يُعمّق المعرفة بسنن الله.
بيّن ابن القيم أن الله رتّب الحياة الطيبة على العمل الصالح، فمن قال «مكتوب لي حياة طيبة» وترك العمل الصالح فهو يجري على غير ناموس الله. ومن أعرض عن ذكره فله معيشة ضنكاً في الدنيا قبل الآخرة.
﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾
حدّد ابن القيم الدواء الجامع لمعالجة الذنوب والمعاصي في ثلاثة أسلحة: القرآن والذكر والدعاء. والعلاقة عكسية تماماً: كلما زاد نصيب الإنسان منها قلّت المعاصي، وكلما قلّ نصيبه ازدادت. ولا ينبغي البحث عن طرق أخرى للعلاج لأن الدواء موضوع بين يديه.
لتحقق الأدوية الشرعية نجاعتها لا بد من ثلاثة شروط: أولها اليقين بأنها أدوية ناجعة، وثانيها قبول المحل باستعمال الأدعية والأذكار والآيات المناسبة للذنب المراد معالجته، وثالثها إزالة الموانع كأكل الحرام الذي يُشكّل طبقة صدأ على القلب تمنع انتفاعه بالكتاب والسنة.
من ثمرات الإيمان بقانون السببية أن يتعرف الإنسان على أسباب الخير فيباشرها لتأتيه بالخير، وعلى أسباب الشر فيجتنبها لأنها تثمر شراً. وأصل ذلك في القرآن والسنة جُملةً، وفي دراسة التاريخ تفصيلاً.
من أبرز صور مغالطة النفس في توظيف قانون السببية أن يتكل الإنسان على الاستغفار والأذكار الماحية للذنوب مع الاستمرار فيها دون مجاهدة. فالاستغفار سبب للمغفرة بشرطه الذي هو السعي إلى اجتناب الذنوب، وأما مع الاستمراء فإن السبب لن يولّد مسبَّبه، بل الاستمرار على الذنوب سبب في مقت الله وغضبه.
قرر ابن القيم أن حسن الظن بالله إنما يكون ويتحقق مع انعقاد أسباب النجاة بفعل الصالحات ومجاهدة النفس على ترك الذنوب، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن ولا يصح ادعاؤه، بل الواجب عليه أن ينتبه لنفسه قبل أن يأتيه غضب الله.
﴿ إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ﴾
قرر ابن القيم أن من اعتمد على عفو الله مع إصراره على الذنب فهو معاند لله؛ لأنه يعرف الذنب ويعرف مدخله إليه ومع ذلك يُصرّ على البقاء فيه. والله يمهل العاصي المعاند لكنه لا يُهمله، فعلى صاحب هذا الحال أن ينتبه لنفسه.
نبّه ابن القيم إلى خداع آخر للنفس وهو أن يرى الإنسان أن الله يزيده في العطاء كلما أذنب فيظن أنه على خير. وأصّل ذلك بحديث: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج»، وبقوله تعالى: {فلما نسوا ما ذُكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة}.
﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ﴾
خلص ابن القيم إلى أن جميع أسباب تخلف العمل وسقوط الإنسان في الذنوب تجتمع في قضيتين: ضعف البصيرة في الدين، وضعف الصبر على الشهوات والفتن. وعلاج ضعف البصيرة بالعلم وقراءة كلام العلماء والنظر في السيرة النبوية، وعلاج ضعف الصبر بالتصبر والتحلم والمجاهدة النفسية.
﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ﴾
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن محقرات الذنوب لأنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه، وضرب لها مثلاً بقوم يجمعون الحطب الصغير فيُشعلون ناراً كبيرة. فليس من الإيمان أن يستقل المسلم أي معصية يفعلها لأنها قد تكون فاتحة لباب شر لا يُغلق عليه.
«إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه»— المسند من حديث ابن مسعود
أورد الشيخ حديث الصحيحين: «إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة». وفيه تذكير يومي للعبد بمآله قبل البعث.
«إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة»— الصحيحان من حديث ابن عمر
أورد الشيخ حديث أن سعد بن معاذ رضي الله عنه مع جلالة قدره تضايق عليه قبره حتى فرج الله عنه. وفيه تحذير بالغ لكل مسلم: إذا كان الصالحون يُضغط عليهم في قبورهم فما الحال بمن هو كحالنا من المذنبين المقصرين؟
«لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه»— المسند من حديث جابر
اللحظة التي يصارع فيها الإنسان نفسه ويمنعها من الوقوع في الشهوة المحرّمة هي لحظة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى، وسيكافئه عليها مكافأةً جزيلةً من جنس عمله، لأنها تكون في وقت الرخاء حيث داعي المعصية أوفر والنفس مُقبِلة بكاملها على شهواتها.
في حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «احفظ الله يحفظك، تعرّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة». ومعنى حفظ الله في الرخاء: صون الجوارح واللسان والقلب عن الحرام في وقت تكون فيه النفس مُقبِلة على شهواتها، فمن فعل ذلك نال حفظ الله الشامل في الدنيا والآخرة في نفسه وماله وذريته وأهله.
«يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة»— حديث ابن عباس رضي الله عنه
لحديث «احفظ الله يحفظك» منطوق ومفهوم مخالفة: فمن أدمن على المعاصي ولم يحفظ الله تركه الله ونسيه، وليس نسياناً جهلياً بل هو نسيان التخلّي كما قال تعالى: {نسوا الله فنسيهم}. ومن تخلّى الله عنه بات يصارع الحياة وحيداً بلا رعاية ولا حفظ.
جعل الله الرجاء لأهل الأعمال الصالحة في قوله: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا أولئك يرجون رحمة الله}. ولما كان الخوف ركناً في الرجاء، فالخوف الحقيقي أيضاً لا يكون إلا لأهل الأعمال الصالحة. أما المدمن على المعاصي فادعاؤه الخوف دعوى لا حقيقة لها، لأن خوف القلب الحقيقي لا يجتمع مع الإدمان على المعصية.
﴿ إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ﴾
وصف الله أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن. فأهل السعادة خافوا في الدنيا فأمّنهم الله في الآخرة، وأهل المعاصي أمنوا في الدنيا فخوّفهم الله في الآخرة. فعلى المؤمن أن يختار: إما خوف الدنيا وأمن الآخرة، وإما أمن الدنيا وخوف الآخرة.
قرّر ابن القيم أن الذنوب والمعاصي تضرّ ولا بدّ، وأن ضررها على القلب كضرر السموم على الأبدان على اختلاف درجاتها، بل لا يوجد في الدنيا والآخرة شرٌّ وداءٌ إلا سببه الذنوب والمعاصي. فمن أراد أن يعافي قلبه وحياته فعليه بالتخفف من الذنوب.
المصيبة الأولى في التاريخ البشري وهي نزول الجنس البشري إلى الأرض كان سببها معصيةٌ واحدة وقع فيها آدم عليه السلام. ومعصية آدم أورثت الجنس البشري أجمع النزول إلى الأرض وبدء الاختبار والامتحان. فإذا كانت معصيةٌ واحدة من نبيٍّ فعلت كل هذا التغيير، فما بالك بما تفعله معاصيك في حياتك أنت.
إبليس كان من أعبد خلق الله حتى سُمّي طاووسَ الملائكة في العبادة، فرفضه لسجدة واحدة لآدم جعله ملعوناً مطروداً، مُسِخَ باطنه وظاهره، وبُدِّل بالقرب بُعداً وبالرحمة لعنةً. فإذا كانت معصيةٌ واحدة أهلكت أعبد الخلق هذا الهلاك المبين، فلا ينبغي للإنسان أن يستخفّ بالمعصية.
استعرض ابن القيم أن كل العقوبات الكبرى في تاريخ البشرية كانت بسبب الذنوب: إغراق قوم نوح، وريح عاد، وصيحة ثمود، وقلب قرى لوط، وإغراق فرعون، وخسف قارون. وقصص القرآن كلها أُريد بها أن نعتبر بعاقبة الذنوب والمعاصي، لا الكفر فحسب بل كل معصية لأمر الله.
في حديث أم سلمة قالت: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمّهم الله بعذاب من عنده». فسألت: أما فيهم يومئذٍ أناسٌ صالحون؟ قال: «بلى، يُصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان». فانتشار المعاصي في المجتمع يُطال العذابُ فيه أهلَ الصلاح أيضاً في الدنيا، وإن كانوا معذورين ومأجورين عند الله.
«إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمّهم الله بعذاب من عنده»— مسند أحمد، من حديث أم سلمة رضي الله عنها
في حديث ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل لَيُحرم الرزق بالذنب يصيبه». فمن أراد توسيع رزقه في الدنيا فعليه أولاً أن يترك المعاصي والذنوب، فإن الذنوب تُغلق أبواب الرزق وتُضيّق الأحوال.
﴿ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ﴾
في الحديث النبوي عن يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكَلَة على قصعتها، فسُئل: أمن قلّة نحن يومئذٍ؟ فقال: «أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تُنزع المهابة من قلوب عدوكم ويُجعل في قلوبكم الوهن». قيل: وما الوهن؟ قال: «حبّ الحياة وكراهة الموت». فالذنوب والمعاصي تُفضي إلى هذا الوهن الذي يُمكّن الأعداء.
«يوشك أن تتداعى عليكم الأمم... ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تُنزع المهابة من قلوب عدوكم ويُجعل في قلوبكم الوهن... حبّ الحياة وكراهة الموت»— مسند أحمد
روى النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا خفيت الخطيئة لم تضرّ إلا صاحبها، وإذا ظهرت فلم تُغيَّر ضرّت العامة». فالمعاصي التي تظهر في المجتمع وتُشاع يجب الإصرار على تغييرها أو على الأقل إخفائها، أما السكوت عنها فيجعل الضرر يشمل المجتمع كله.
«إذا خفيت الخطيئة لم تضرّ إلا صاحبها، وإذا ظهرت فلم تُغيَّر ضرّت العامة»— رواه الأوزاعي
قال السلف: المعاصي بريد الكفر، أي طريق يُوصل إليه. فالمعصية لا يقف أثرها عند لحظتها، بل قد تمتدّ حتى تُخرج الإنسان من دائرة الإسلام. كالقُبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزنا، والنظر بريد العشق. فعلى الإنسان ألّا يُمازح في هذا المفهوم ولا يستهين بالمعاصي الصغيرة.
حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من محقرات الذنوب، وضرب لها مثل القوم نزلوا أرضاً فلاةً وكلٌّ جاء بعود حتى أوقدوا ناراً عظيمة. كذلك معصيةٌ من هنا ونظرة من هناك تتجمع فتُهلك الإنسان يوم القيامة، حتى وإن ظنّها صغيرة أو نسيها.
«إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يُهلكنه»— مسند أحمد، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «إنكم لتعملون أعمالاً هي أدقّ في أعينكم من الشعر، وإن كنّا لنعدّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات». فكثير مما نستهين به اليوم من الذنوب كان الصحابة يعدّونه من أكبر الكبائر، مما يدلّ على شدة الاستهانة بشعائر الله في عصرنا.
«إنكم لتعملون أعمالاً هي أدقّ في أعينكم من الشعر، وإن كنّا لنعدّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات»— صحيح البخاري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه
قال ابن عباس رضي الله عنه: يا صاحب الذنب لا تأمن سوء عاقبته، وأن ما يتبع الذنب قد يكون أعظم من الذنب ذاته، كضحكك بعد المعصية كأنّك لم تفعل شيئاً، وفرحك بالذنب إذا ظفرتَ به، وحزنك إذا فاتك، وخوفك من الريح أن تكشف سِتر بابك ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك. هذه كلها أعظم من الذنب نفسه.
من آثار الذنوب القبيحة حرمان العلم، لأن العلم نورٌ يقذفه الله في القلب، والمعصية تُطفئ هذا النور. فكلما كان الإنسان أكثر إقبالاً على الطاعة كان أوفر حظّاً من نور العلم، وكلما تمادى في المعاصي زادت الحجب على قلبه وأُغلقت عنه أبواب الفهم والحكمة.
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: ليحذر امرؤٌ أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، ثم بيّن: إن العبد يخلو بمعاصي الله فيُلقي الله بُغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر. فالمعاصي السرية وإن خفيت على الناس إلا أن الله يُلقي بغض صاحبها في القلوب دون أن يعلم السبب.
في الحديث النبوي: «إن المؤمن إذا أذنب ذنباً نُكتت في قلبه نُكتةٌ سوداء، فإذا تاب ونزع واستغفر صُقِل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الرانُ الذي ذكره الله تعالى». فالذنوب المتراكمة تُغلّف القلب بطبقة من الظلمة تحجبه عن نور الهداية.
نبّه ابن القيم على خطر أن الناس لا يرون تأثير الذنب في الحال، فيُقنعهم الشيطان بأنها «مشت» ومرّت دون عقوبة. لكن الحقيقة أن عقوبة الذنب قد تتأخر سنوات أو عقوداً ثم تحل في الذرية أو الصحة أو المال. وكم أهلكت هذه الطريقة في التفكير من العلماء والفضلاء.
قال الفضيل بن عياض: «بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله». لأن الذنب حين يصغر في عين صاحبه جمع بين المعصية والاستهانة بالله، فعظم جرمه. أما حين يعظم الذنب في عين صاحبه فيجلد نفسه ويبكي، فإنه أتى بالمعصية دون الاستهانة بالله فصغر ذنبه.
قال الأوزاعي: «لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت». فالمؤمن لا يزن المعصية بحجمها بل بعظمة ربّه الذي عصاه، وهذا من أعظم ما يُعين على ترك المعصية. وكلما تجذّر تعظيم الله في القلب كلما عَظُم أثر المعصية في النفس فيتركها.
من أبرز ما يُعين الإنسان على ترك الذنوب والمعاصي أن يخلق في نفسه دوافع قوية من خلال معرفة ما وعد الله به من الحفظ والرعاية لمن حفظ حدوده. فالإنسان العاقل إذا عرف أن تركه للمعصية سيُورثه حفظ الله الكامل الشامل في الدنيا والآخرة، وأن الإدمان عليها سيُورثه الخذلان والنسيان الإلهي، أقدم على الترك وإن كان صعباً.
يُبيّن ابن القيم من خلال النصوص الواردة أن كل العقوبات المذكورة ليست فقط لمن فعل المعصية، بل كثير منها لمن تركَ الإنكار عليها. فإذا كان تارك الإنكار يستحق هذا الوعيد الشديد، فما بالك بمن يرتكب المعصية نفسها. وهذا يُؤكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقدر المستطاع.
في الأثر المروي: «قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة. فلا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك، ولكن توبوا إليَّ أَعطفهم عليكم». فالسلطان الظالم هو عقوبة من الله على ذنوب الرعية، ومن أراد رفع الظلم فعليه بالتوبة وإصلاح نفسه قبل الانشغال بالتحليل السياسي.
ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه حين زُلزلت المدينة قال: «يا أيها الناس، ما هذه الزلزلة إلا عن شيء أحدثتموه». وقال كعب: «إنما زُلزلت الأرض إذا عُمل فيها بالمعاصي، فترعد فَرَقاً من الرب جل جلاله». وهذا يُفسّر طبيعة المصائب الطبيعية من زلازل ومحن بأنها في الحقيقة من تدبير الله جزاءً على الذنوب.
من أشد ما يُقلق العاقل أن الذنوب لا ينساها الله سبحانه وتعالى، وقد تُفتح ملفاتها بعد ثلاثين أو أربعين سنة ما لم يتب العبد توبةً صادقة. فمن ظن أن سكوت العقوبة في الحال يعني أن الله تجاوز عنه فقد وقع في الغفلة الكبرى.
المؤمن العاقل لا يشعر بالأمان التام من ذنوبه، بل يحسن الظن بالله فيُحسن العمل رجاءً أن إحسانه يكون سببًا لإغلاق ملفات ذنوبه، وفي الوقت ذاته لا يأمن مكر الله، لأن الله وصف من أمن مكره بالخسران.
﴿ أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ﴾
العلم نورٌ يقذفه الله في القلب، والمعاصي تطفئ ذلك النور وتُحرم صاحبها من البركة في الحفظ والفهم. ولهذا كان نصح مالك للشافعي: 'يا بني إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعصية'.
كثرة الذنوب والمعاصي من أهم أسباب التضييق في الرزق وعدم بركته. وقد ورد في مسند الإمام أحمد أن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه. فمن أراد استجلاب الرزق فعليه أولًا بالتوبة والإنابة، ولا يقدم طرق أبواب البشر قبل طرق باب الله.
﴿ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ﴾
كما أن التقوى مجلبة للرزق فترك التقوى مجلبة للفقر. وهذه قاعدة محكمة: ما استُجلب رزق بمثل ترك المعاصي. فمن أراد الحياة السعيدة والرزق الواسع فأوّل مفتاح له هو ترك الذنوب والمعاصي.
من أشد آثار المعاصي الأثرُ النفسي الوجداني وهو الوحشة بين العبد وربه؛ فيشعر بانقطاع القلب عن الله وبفراغ داخلي لا يملأه إلا صحيح العلاقة بالخالق. وهذه الوحشة وحدها كافية لترك الذنوب لمن تأمّلها.
من آثار الذنوب أن الله يُلقي بُغض العاصي في قلوب من يلقاه، فيستوحش منه الناس ولا سيما أهل الخير والصالحون. وكلما قويت هذه الوحشة بعُد العاصي عن مجالس الخير وحُرم بركة الانتفاع بأهله.
كان بعض السلف يقول: 'إني لأعرف أثر معصيتي في خلق زوجتي'، وهذا يبيّن أن كثيرًا من المشاكل الأسرية وسوء المعاشرة سببها الأكبر الذنوب والمعاصي، فإذا تركها العبد وأصلح عمله عاد الوئام إلى بيته.
من آثار الذنوب أن يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة ومغلقة في وجهه، وما يتوجه إليه يجده متعثرًا. فكما أن التقوى مجلبة لليسر، فترك التقوى مجلبة للعسر. وعلى من ضاقت عليه الأبواب أن يُحدث لله توبة يُحدث الله له فرجًا.
الطاعة نور والمعصية ظلمة، وظلمة المعصية تبدأ في القلب ثم تسري إلى الوجه حتى يُرى عليه. وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرة العبد حتى يقع في البدع والضلالات. والشاهد الحسي على ذلك ما يشعر به المرء من الضيق في اليوم الذي تفوته فيه صلاة الفجر.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: 'إن للحسنة ضياءً في الوجه ونورًا في القلب وسعةً في الرزق وقوةً في البدن ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه وظلمةً في القلب ووهنًا في البدن ونقصًا في الرزق وبُغضةً في قلوب الخلق'. وهذا الأثر جامع شامل للفوارق بين أهل الطاعة وأهل المعصية.
المعاصي تُضعف القلب والبدن معًا؛ فالوهن النفسي الذي يشعر به كثيرون اليوم سببه الأكبر الذنوب. وقد يصل هذا الوهن إلى إزالة الحياة بالكلية في حالات الاكتئاب الحاد والانتحار الشائعة في المجتمعات الغارقة في المعاصي.
قوة المؤمن الحقيقية من قلبه، وكلما قوي قلبه قوي بدنه. والدليل التاريخي هو انتصار الصحابة على جيوش فارس والروم رغم تفوق هذه الجيوش جسديًا وعسكريًا، لأن الله ألقى الرعب في قلوب الأعداء.
كل ساعة يقضيها العبد في معصية هي بعينها ساعة حُرم فيها من طاعة، لأن الوقتين لا يجتمعان. وكمثل من أكل وجبةً مضرة فأصابه مرض حرمه من الطعام الجيد أسابيعَ، كذلك شهوة المعصية العاجلة قد تُحدث انقطاعًا عن الطاعة يمتد طوال العمر.
ثمة خلاف بين أهل العلم هل نقصان عمر العاصي حقيقي أم هو نقصان في البركة. غير أن الراجح أن المعاصي تُضيع على العبد ساعات حياته الحقيقية التي هي الإقبال على الله والتنعم بذكره، فلا عمر له في الحقيقة إلا ما عاشه في طاعة الله.
المعصية تُولِّد معصيةً بعدها، وهذه تُولِّد ثالثة، حتى تصير الذنوب هيئةً راسخة وملكةً ثابتة في النفس ويعزّ على العبد الخروج منها. كمن أدمن النظر الحرام حتى صارت معصيته برنامج حياة ومنهجًا يوميًا.
كما أن السيئة بعد السيئة تُراكم الفجور حتى يصبح منهج حياة، فكذلك الحسنة تدعو إلى الحسنة، وطالب العلم الذي يبدأ يومه بصلاة الفجر يجد نفسه منجذبًا إلى القراءة والاستغفار وصلاة الجماعة تلقائيًا. فبناءُ منهج الخير مِن أوجب الواجبات.
تأمُّل أن كل معصية إنما هي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله يزيد النفور منها؛ فالشذوذ ميراث قوم لوط، والغش في البيع والشراء ميراث قوم شعيب، والتكبر ميراث قوم فرعون. والمتشبه بقوم فهو منهم.
«ومن تشبه بقوم فهو منهم»— مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر
المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه؛ فإذا هان العبد على الله لم يُكرمه أحد. قال الحسن البصري: 'هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم'. وهذا الهوان قد يُخفيه التعظيم الظاهري من الناس لكنه ثابت في قلوبهم.
﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ﴾
المؤمن يرى ذنوبه كأنها جبل يخشى أن يقع عليه، بينما الفاجر يراها كذباب وقع على أنفه فأطاره. وكلما استهان العبد بالذنب وصغر في عينه عظم عند الله، وكان ذلك علامة على هلاك القلب.
«إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار»— صحيح البخاري عن ابن مسعود
من آثار الذنوب أن شؤمها يتجاوز العاصي إلى ما حوله من دواب وبيئة ومجتمع. قال أبو هريرة: 'إن الحُبَارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم'. وقد أخبر القرآن بأن الفساد الظاهر في البر والبحر إنما سببه ذنوب بني آدم.
﴿ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ﴾
العزة كلها في طاعة الله ولا تُطلب من غيره. والمعاصي تُورث الذل لا محالة حتى ولو تبدّى صاحبها بالثروة والجاه. قال الحسن البصري: إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم وإن ركبوا أفخر المراكب. وقال ابن المبارك: 'رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها'.
﴿ من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور ﴾
للعقل نور والمعصية تطفئه؛ فيفقد العبد الحكمة والبصيرة في الحكم على الأمور، ويبدأ يدافع عن الباطل وينكر الحق. وكثير من التشوه الفكري والانحراف في المواقف الشرعية سببه فساد العقل بالذنوب.
قال بعض السلف: ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله؛ لأنه لو حضره عقله وعلم أنه في قبضة الرب وتحت قهره وهو مطلع عليه لما استطاع المعصية. فكل من ارتكب معصية إنما فعلها في حالة غيبة وجدانية عن الله.
على المسلم أن يستعدّ لساعات ضعفه الإيماني في وقت إقباله وقوته؛ فيحفظ آيةً مؤثرة أو حديثاً نبوياً أو كلاماً لأحد السلف يجعله حاجزاً بينه وبين المعصية. فهذه المجالس العلمية وقراءة القرآن وكلام السلف مخزون معرفي إيماني يُستحضر في ساعة الغفلة.
من حذائر إبليس مع من يسلك طريق الاستقامة بعد سنوات من الضياع: أن يتركه أولاً يمارس الطاعة ويرتفع في مستوياتها، ثم يستغل لحظة ضعفٍ ليُوقعه في معاصٍ أشدّ مما كان عليه قبل الالتزام، ليشعره باليأس من نفسه وأنه إنسان مؤوس منه لا يصلح.
من آثار الذنوب أنها تُدخل العبد تحت لعنة رسول الله ﷺ؛ فقد لعن النبي ﷺ على معاصٍ كثيرة، وما لم يثبت لعنه عليه من المعاصي الأشد يدخل فاعلها تحت اللعنة من باب القياس. واللعن معناه الطرد من رحمة الله، وهو وحده كافٍ لأن يدفع العاقل عن ارتكابها.
من الفقه الشرعي أن اللعن يبقى على عمومه في الأوصاف كـ«لعن الله الراشي والمرتشي»، ولا يجوز توجيه اللعن لشخص بعينه لأنه قد يكون معذوراً أو جاهلاً، والتعيين يُترك لله. فيقال: لعن الله الربا والمرابين، ولا يُقال لشخص معيّن: لعنك الله.
من آثار الذنوب حرمان العبد من دعاء رسول الله ﷺ ودعاء الملائكة؛ فالله أمر نبيه باستغفاره للمؤمنين والمؤمنات، والملائكة تدعو للذين تابوا واتبعوا سبيل الله، فالعاصي المصرّ على ذنبه يخرج من قوله تعالى (اتبعوا سبيلك) فيُحرم من استغفار الملائكة.
﴿ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ﴾
في رؤيا النبي ﷺ الواردة في صحيح البخاري أن الرجل الذي يُسلغ رأسه بالصخرة هو من كان يرفض القرآن أي لا يعمل به ولا يتعهده، وينام عن الصلاة المكتوبة في وقتها. وهذا دليل على شدة عقوبة الإعراض عن القرآن وتضييع الصلوات المفروضة.
«حديث سمرة بن جندب في رؤيا النبي ﷺ، أخرجه البخاري في صحيحه»— صحيح البخاري
في رؤيا النبي ﷺ أن الرجل الذي يُشرشر خدّه إلى قفاه ومنخره وعينه هو من يغدو فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق؛ أي ينشر إشاعةً كاذبة تصل إلى أقاصي الأرض. وهذا تحذير شديد من الكذب الذي يتجاوز صاحبه إلى إضرار الآخرين.
«حديث سمرة بن جندب في رؤيا النبي ﷺ، أخرجه البخاري في صحيحه»— صحيح البخاري
أخبرت رؤيا النبي ﷺ أن الرجال والنساء في التنور المشتعل هم الزناة والزواني، وأن الذي يسبح في النهر ويُلقَم الحجارة هو آكل الربا؛ جزاءً وفاقاً على ما اكتسب في الدنيا.
«حديث سمرة بن جندب في رؤيا النبي ﷺ، أخرجه البخاري في صحيحه»— صحيح البخاري
من آثار الذنوب في الحياة الدنيا أنها تُحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن. وقال بعض المفسرين إن الفساد في الآية هو نفس الذنوب، وقال آخرون هو آثار الذنوب ونتائجها على الوجود.
﴿ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ﴾
اختلف المفسرون في معنى «البحر» في قوله تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر): فبعضهم فسّره بالبحر المتعارف عليه، وفسّره عكرمة ومجاهد بالقرى لأن القرى تُسمى في اللغة العربية «بحاراً»؛ فيشمل المعنى البرّ وسكان القرى والريف.
﴿ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ﴾
من الأدلة التاريخية على أثر الذنوب في البركة: ما روي أنه وُجد في خزائن بني أمية حنطة حبّتها بقدر نواة التمر مكتوب عليها أنها كانت تنبت في زمن العدل. وكلما كثرت الذنوب والظلم تصغّرت الحبوب وتضاءلت الثمار وكثرت الآفات.
«حديث مروي في مسند الإمام أحمد عن حنطة بقدر نواة التمر في زمن العدل»— مسند أحمد
قاعدة ابن القيم: إن الله وضع في الأرض عقوبات كحبس المطر وقلة البركة وضعف الثمار، وهذه العقوبات تطلب ما يشاكلها من الذنوب؛ فكلما ظهرت الذنوب جاءت العقوبات، وكلما قلّت الذنوب وأقبل الناس على الطاعة خفّ ظهور هذه العقوبات.
الشيطان أينما استولى على إنسان نُزعت البركة من عمره وعمله وقوله ورزقه؛ ولهذا يجد من استولى الشيطان عليه أنه لا بركة في حياته مهما كان راتبه كبيراً. والطاعة هي التي تجلب البركة في القليل وتُوسّعه، والمعصية تنزع البركة من الكثير وتُضيّقه.
من عقوبات الذنوب أنها تُطفئ من القلب نار الغيرة التي هي مادة حياته وصلاحه كالحرارة الغريزية للبدن. فالغيرة كالمنفاخ تطرد الخبث والأوصاف المذمومة من القلب، وإذا ذهبت غدا القلب مستنقعاً للأوساخ والقاذورات.
الله سبحانه أشد غيرةً من أن تُنتهك محارمه، كما ثبت في الصحيح (ما أحدٌ أغير من الله)، لكن غيرته لا تجعله يستعجل بالعقوبة؛ بل يُحب أن يعتذر إليه عبده ويُرسل الرسل ويُنزل الكتب إعذاراً وإنذاراً، وهذا غاية المجد والإحسان.
«ما أحدٌ أغيرُ من الله، يا أمة محمد ما أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته»— الصحيحان
الغيرة الحقيقية الممدوحة تجمع بين أمرين: الغيرة على محارم الله والحكمة في معالجة المنكر؛ فمن اشتدت غيرته ودفعته إلى الإيقاع السريع بدون إعذار فهذا مذموم، ومن توسّع في المعاذير حتى ميّع الثوابت فهذا مذموم أيضاً. والكمال الجمع بين الخصلتين.
«إن من الغيرة ما يحبها الله ومنها ما يبغضها الله، فأما التي يبغضها فالغيرة من غير ريبة»
كلما اشتدت ملابسة الإنسان للذنوب والمعاصي خرجت من قلبه الغيرة؛ أولاً على نفسه فيصير لا يكترث أن يراه الناس في المعصية، ثم على أهله وزوجته وبناته، حتى يصل إلى مرحلة يُحسّن فيها الفواحش لغيره ويزيّنها ويدعو إليها. وهذا ما عُرف بالديًاثة.
من عقوبات الذنوب ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب وأصل كل خير. فالحياء مشتقٌ من الحياة كما يُسمى الغيث حياءً لأن به حياة الأرض، فمن لا حياء فيه فهو ميت في الدنيا شقي في الآخرة.
«الحياء خير كله»— صحيح مسلم
«إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»— صحيح البخاري
ضبط ابن القيم مراحل تطور المعصية في النفس: الخاطرة ← إذا استُرسل معها صارت وسوسةً متكررة ← ثم صارت إرادة ← ثم عزيمة ← ثم فعلاً ← ثم صفةً لازمة وهيئةً راسخة (الإدمان). فالعاقل يعالج نفسه من الخاطرة الأولى بدفعها والاستعاذة والانشغال بغيرها قبل أن تتحول إلى فعل يصعب الخروج منه.
من عقوبات الذنوب أنها تُخرج العبد من دائرة الإحسان وتمنعه من ثواب المحسنين؛ لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، ومن يفعل الذنوب لا يشعر بمراقبة الله ولا يرى الله، فيخرج من دائرة الإحسان إلى دائرة الإيمان، فإن استمر خرج إلى دائرة الإسلام فحسب.
«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»— الصحيحان
من أعظم آثار الذنوب أنها تُضمحل من القلب تعظيمَ الله وتعظيمَ حرماته، حتى تهون على صاحبها أوامره ونواهيه. والمؤمن إنما يعيش بتعظيمه لله؛ فإذا فقد هذا التعظيم لم يجد ما يحدث بينه وبين المعصية من حاجز.
قاعدة ربانية: على قدر محبة العبد لله يُحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق، وعلى قدر تعظيمه لله وحرماته يُعظّمه الناس. فمن استهان بشرع الله رفع الله مهابته من قلوب الخلق. ومن يهن الله فما له من مكرم.
﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ﴾
من أشد عقوبات الذنوب أنها تستدعي نسيانَ الله للعبد وتركَه وتخليتَه بينه وبين نفسه وشيطانه، وعند ذلك يكون الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة. ولهذا كان من أعظم أدعية السلف: «اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين».
﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ﴾
قال ابن القيم: إنساء الله العبدَ نفسَه معناه إنساؤه مصالحَ نفسه وما يُنجيها من عذابه وما يوجب له الحياة الأبدية. فيصير العاصي لا يعرف ما الذي ينبغي أن يعيش من أجله، ويعيش فقط لشهواته وملذاته، غافلاً عن المصلحة العظمى وهي النجاة من عذاب الله.
﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ﴾
الإحسان أعلى مراتب الدين، وهو أن تعبد الله كأنك تراه. والعاصي لا يمكن أن يكون في هذه الدائرة لأن من وصل إليها لا يفكر في المعصية فضلًا عن أن يواقعها. فالمعاصي تحرم صاحبها من القرب من الله ومن ثواب المحسنين.
«أن تعبد الله كأنك تراه»— حديث جبريل في تفسير الإحسان
الإنسان الذي يُكثر من صغائر الذنوب ينزل من مرتبة الإحسان إلى مرتبة الإيمان، والذي يرتكب الكبائر ينزل من مرتبة الإيمان إلى مرتبة الإسلام. وأهل السنة لا يكفّرون بالذنوب والكبائر، لكن العاصي ينحط في مرتبته الإيمانية.
«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»— متفق عليه
الله سبحانه رتّب في كتابه نحو مئة خصلة من الخير والجوائز والعطايا لمن هو في مرتبة الإيمان، من بينها: الأجر العظيم، والدفع عنهم، واستغفار الملائكة لهم، وموالاة الله لهم، وتثبيت الملائكة إياهم، والعزة، والمعية الخاصة، والرفعة في الدنيا والآخرة، والنور، والود بين الخلق، والأمن من الخوف يوم القيامة، وكون القرآن هدى وشفاءً لهم. فمرتكب الكبيرة يخسر هذا الملف كله.
﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ﴾
المعاصي وإن كانت لا تُخرج صاحبها من دائرة الإسلام ابتداءً، إلا أنها قد تكون بريدًا إلى الكفر؛ إذ كثيرًا ما يصاب المُصرّ على المعاصي بخذلان الله له فيقع في أفكار شركية أو في سخط على القضاء والقدر. ومن هنا اشتدّ خوف السلف، حتى قال أحدهم: أنتم تخافون الذنوب وأنا أخاف الكفر.
من عقوبات الذنوب أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة على ثلاث مراتب: الأولى الإضعاف فيمشي لكن بضعف، والثانية العوق فيتقطع ثم يعود، والثالثة والأشد الوقوف التام فلا تنهض همته لشيء من الطاعة. والقلب إنما يسير إلى الله بقوته لا بالألقاب والمظاهر.
الذنب له أثر على كل مستوى في درجات التقرب من الله: فهو يحجب من وصل إلى نهاية طريق الطاعة، ويقطع من كان في منتصف المسير، وينكّس في بداية الطريق من كان طالبًا. فلا أمان من هذا الخطر حتى في أواخر العمر.
«وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها»— متفق عليه
ضعف القلب بالذنوب ينتهي إلى ثمانية أمراض استعاذ منها النبي ﷺ، وهي: الهمّ وهو الخوف من المستقبل، والحزن وهو الألم على الماضي، والعجز وهو انعدام الإقبال على الخير أصلًا، والكسل وهو ترك الخير مع القدرة عليه، والجبن وهو حرمان الناس من نفع بدنك، والبخل وهو حرمانهم من مالك، وضَلَع الدين وهو ذل الاستدانة، وقهر الرجال وهو الذلّ من تطاول الناس بالباطل.
«اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وقهر الرجال»— حديث الاستعاذة
من عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم وتحل النقم، فما زالت نعمة عن عبد إلا بذنب ولا حلّت به نقمة إلا بذنب. فإذا حلّت بالإنسان بلية من قلة مال أو مرض أو خلافات، فليحدث لها توبة واستغفارًا قبل أن يفزع إلى المخلوقين.
﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ﴾
إذا غيّر العبد طاعةَ الله بمعصيته وشكره بكفره غيّر الله عليه النعمة بالنقمة جزاءً وفاقًا. والعكس صحيح أيضًا: إذا غيّر المعصية بالطاعة غيّر الله العقوبة بالعافية. فالقاعدة: كن مع الله حيث أرادك يكن الله حيث تريده.
﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾
من عقوبات الذنوب أنها تُوقع الرعب والخوف الدائم في قلب العاصي فيجد نفسه دائم الارتعاج خائفًا من أدنى شيء. أما من كان على طاعة فله ما يسند إليه ظهره في لحظات البلاء، وهو ربه سبحانه، فلا يهلع. وقاعدة السلوك: من خاف الله أمنه من كل شيء ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء.
الطاعة هي حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين في الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب. فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانة، ومن عصاه انقلبت المآمن مخاوف.
من عقوبات الذنوب أنها توقع الوحشة العظيمة في قلب المذنب، فتقع الوحشة بينه وبين ربه وبين الخلق وبين نفسه. وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة. وأطيب العيش عيش المستأنس بالله الذي طهر قلبه، لا عيش المستوحش الخائف.
الوحشة التي يشعر بها العاصي سببها الحجاب الحاصل بينه وبين الله بسبب ذنوبه وغفلته، وكلما غلُظ هذا الحجاب من الغفلة إلى المعصية إلى البدعة إلى الشرك زادت الوحشة وازداد الفراغ النفسي. وهذا الفراغ هو الذي يفسر تزايد الانتحار والأمراض النفسية في المجتمعات البعيدة عن الله.
«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»— متفق عليه
قوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾ ليس مقصورًا على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل يشمل الدور الثلاثة: دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار. فالأبرار في نعيم الرضا والإقبال على الله، والفجار في جحيم الضنك والبعد والحسرة.
إذا مات العاشق الذي سلك سبل الحرام دخل في عذاب البرزخ من وجوه متعددة: ألم الفراق عن محبوبته، وألم ما فاته من نعيم القبر، وألم الحجاب عن الله، وألم الحسرة التي تقطع الأكباد لأنه قدّم شهوة ساعة على راحة الأبد.
من عقوبات الذنوب أنها تعمي بصيرة القلب وتطمس نوره وتسد طرق العلم وتحجب موادّ الهداية. وقد قال الإمام مالك للشافعي حين رأى مخائل النور على وجهه: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعصية. ولا يزال هذا النور يضعف وظلام المعصية يقوى حتى يصير القلب كالليل البهيم.
«ومن عقوباتها انها تعمي بصيره القلب وتطمس نوره وتسد طرق العلم وتحجب مواد الهدايه وقد قال مالك للشافعي لما اجتمع به وراى تلك المخايل اني ارى الله قد القى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمه المعصيه»
من عقوبات الذنوب أنها تصغّر النفس وتُحقّرها كما قال تعالى: ﴿وقد خاب من دسّاها﴾، أي أذلّها وأهانها. أما الطاعة فتُنمّي النفس وتُزكّيها وتُكبّرها كما قال: ﴿قد أفلح من زكّاها﴾. فكلما أطعت الله تطوّرت نفسك وتوسّعت، وكلما عصيته دستَها وجعلتها نفسًا صغيرة ذليلة.
من عقوبات الذنوب أن العاصي يكون دائمًا في أسر شيطانه وسجن شهواته وقيود هواه. ولا أسير أسوأ حالًا من أسير أسره أعدى عدو، وهو الشيطان. ولا سجن أضيق من سجن الهوى. ولا قيد أصعب من قيد الشهوة. فكيف يسير إلى الله قلب ماسور مسجون مقيد؟
الشيطان ذئب الإنسان كما في الحديث، والتقوى وقاية وجنة حصينة بينه وبين ذئبه. وكلما كانت الشاة أقرب من الراعي كانت أسلم من الذئب، وكلما بعدت كانت أقرب إلى الهلاك. كذلك الإنسان: كلما قرب من الله كان في أمان، وكلما ابتعد عن درب الاستقامة ومجالس الصالحين سهُل على الشيطان اقتناصه.
من عقوبات الذنوب أنها تسقط جاه العاصي ومنزلته عند الله وعند خلقه، فأكرم الخلق عند الله أتقاهم. فإذا عصى العبد سقط من عين الله فأسقطه من قلوب عباده، فعاش خامل الذكر ساقط القدر لا حرمة له ولا فرح.
﴿ يا/أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ﴾
من عقوبات الذنوب أنها تسلب من العاصي أسماء المدح كالمؤمن والتقي والبار والمحسن، وتُلبسه أسماء الذم كالفاسق والعاصي والخبيث. وقد قال الله تعالى: ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾. فالإنسان الشريف لا يرضى لنفسه أن يكون لقبه عند الله وعند الناس فاسقًا أو عاصيًا.
﴿ يا/أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ﴾
من عقوبات الذنوب أنها تُنقص عقل صاحبها؛ فالعقل الكامل الذي يحقق السعادة الدينية والدنيوية والأخروية لا يكون إلا مع الإيمان. أما الغرب فيُنكر بعضٌ نقصان عقولهم بسبب إنجازاتهم التقنية، لكن هذه الإنجازات في جانب واحد مادي فقط، وهم ساقطون في كل النواحي الأخرى الأخلاقية والاجتماعية والدينية.
﴿ الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا/أولي الألباب ﴾
الموت يأتي فجأة في أي حال كان عليها الإنسان، ومن كانت خاتمته في مجلس علم أو ذكر أو طاعة فتلك خاتمة خير. ولذلك يجب على المسلم الحرص على أن لا يكون في مجالس المعصية، إذ لا يدري متى تأتيه المنية. ومشهد الزلزال الذي ثبت فيه أهل المسجد وهلع فيه أهل العرس المختلط خير شاهد على هذا.
من أعظم عقوبات الذنوب أنها توجب القطيعة بين العبد وربه؛ فإذا وقعت هذه القطيعة انقطعت عنه أسباب الخير كلها واتصلت به أسباب الشر، فلا فلاح ولا رجاء لمن انقطعت عنه أسباب الخير وقطع ما بينه وبين مولاه الذي لا غنى عنه طرفة عين.
رأى بعض السلف أن العبد مُلقى بين الله والشيطان؛ فإن أعرض الله عنه تولّاه الشيطان، وإن تولّاه الله لم يقدر عليه الشيطان. والإنسان هو الذي يُمكِّن أحد الوليَّين بطاعته أو معصيته، فمن أطاع الله احتضنه الله ورعاه، ومن عصاه اشتراه الشيطان.
﴿ استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ﴾
بيّن الله في آية الكهف سببَين مستقلّين لوجوب عداوة إبليس: الأول أنه فسق عن أمر الله فعادى ملك الملوك، والثاني أنه عدوٌّ للإنسان يحاول صدّه عن طريق السعادة. وعتب الله على من اتخذوه ولياً بقوله (بئس للظالمين بدلاً) لأنهم استبدلوا موالاة الله بموالاة عدوّه.
﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ﴾
من عقوبات الذنوب أنها تمحق البركة في كل شيء: بركة الرزق فلا يُبارَك في الدينار والدرهم، وبركة العمر فتمر السنون دون إنجاز، وبركة العلم والعمل والطاعة. وقد دلّت الآيات على أن الاستقامة تفتح أبواب البركات من السماء والأرض، وأن المعاصي هي سبب تكدير الحياة وضيق الأرزاق.
﴿ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ﴾
المعصية سبب محق البركة لأن شيطاناً موكَّل بها وبأصحابها، وكل ما اتصل به الشيطان فبركته ممحوقة. ومن فتح باب المعصية فقد فتح لشيطانه الباب على رزقه وعمره وبيته، كما أن مجرد ترك التسمية عند الأكل يدخّل الشيطان، فكيف بحياة كلها معصية؟
قاعدة ابن القيم: لا مبارَك إلا ما نُسب إلى ألوهيته ومحبته ورضاه؛ فكلامه مبارك ورسوله مبارك وأرض الشام مباركة، وكل ما أبعده الله عن نفسه من الأعيان والأقوال والأعمال فلا بركة فيه. وضد البركة اللعنة، فكل أرض أو شخص أو فعل لعنه الله يجب اجتنابه.
﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ﴾
خلق الله الإنسان مهيَّأً ليكون خليفته في الأرض وهو مقام شريف جداً، لكن بالذنوب والمعاصي يتنزل عن مقام الاستخلاف ويصبح في أسفل سافلين. وجعل الله أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة وأهل معصيته الأسفلين، وجعل العزة لهؤلاء والذلة والصغار لهؤلاء.
كلما عمل العبد معصية نزل درجة ولا يزال في نزول حتى يكون من الأسفلين، وكلما عمل طاعة ارتفع بها درجة ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الأعلين. وقد تجتمع للعبد في يوم الصعودُ والنزول، والغالب هو الذي يحدد مرتبته النهائية.
نبّه ابن القيم إلى خطورة اعتقاد التكافؤ بين الصعود والنزول، إذ ثبت في الصحيح أن العبد ليتكلم بالكلمة الواحدة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. فالنزول بمعصية واحدة قد يكون بالغاً جداً، ولا يُوازيه صعودُ أيام من الطاعة.
«إن العبد ليتكلم بالكلمة الواحدة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب»— الصحيح
قسّم ابن القيم النزولَ إلى ثلاثة أنواع: الأول نزول إلى غفلة وهو ترك الطاعة دون وقوع في معصية، والثاني نزول إلى مباح، والثالث نزول إلى معصية. وعلاج النوعين الأولين الهمّة والعزيمة دون توبة، بينما النزول إلى المعصية يحتاج إلى توبة نصوح حتى يعود العبد فيرتقي.
حكم شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة رجوع التائب: منهم من يعود إلى أرفع من درجته، ومنهم من يعود إلى مثل درجته، ومنهم من لا يصل إلى درجته. ووجه ذلك عند ابن القيم أن الأمر بحسب قوة التوبة وكمالها وما أحدثته المعصية من ذل وانكسار وخوف وبكاء من خشية الله.
لا يوجد ذنب صغير في مقابل العظيم الكبير الجليل؛ فمقابلة العظماء والأجلاء بالرذائل يستقبحه كل أحد فكيف بملك الملوك؟ ولولا أن رحمته سبقت غضبه ومغفرته غلبت عقوبته لتزلزلت الأرض والسماوات. وقد أخرج الله أبوينا من الجنة بذنب واحد ولعن إبليس بذنب واحد.
﴿ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا ﴾
أخرج الله الأبوين من الجنة بذنب واحد ارتكباه، ولعن إبليس وطرده من ملكوت السماوات والأرض بذنب واحد. وفي ذلك تحذير شديد من استصغار المعصية، فأدم أُكل من شجرة ففقد جنةً عرضها السماوات والأرض. ونحن نصل الذنوب بالذنوب ونرتجي درج الجنان.
من عقوبات الذنوب أنها تجرّئ على العبد من لم يكن يتجرأ عليه من أصناف المخلوقات: الشياطين تجرأ عليه بالأذى والوسوسة، وشياطين الإنس تتجرأ عليه بالأذى، بل أهله وخدمه وجيرانه وحتى الحيوانات. قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خُلق امرأتي ودابتي.
الطاعة حصن الرب الذي من دخله كان من الآمنين، وذكر الله وطاعاته والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقايةٌ ترد عن العبد كالقوة التي ترد المرض. فإذا ابتعد عن الطاعة وأدمن المعاصي فقد قوته وصار كمن خرج من الحصن فهجمت عليه قطاع الطريق.
معركة الإنسان الحقيقية هي مع نفسه الأمارة بالسوء لا مع الخارج؛ فمن ملك زمام نفسه نجا حتى لو اجتمع عليه أهل الأرض، ومن غلبته نفسه الأمارة أصبح عبداً لها تقوده حيث شاءت. والمعاصي تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه فتُشوّش بصيرته في معرفة أسباب السعادة والشقاء.
شبّه ابن القيم حال العبد المذنب بحال رجل معه سيف قد غشيه الصدأ ولزم قرابه، فإذا جاءه عدو يريد قتله واجتهد ليخرجه لم يخرج معه فدهمه العدو وظفر به. كذلك القلب يصدأ بالذنوب فإذا احتاج صاحبه إلى محاربة العدو والبلاء لم يجد عنده شيئاً ينفعه.
الثبات أمام البلاء ليس قراراً لحظياً بل هو ثمرة شحذ السيف وإعداد القلب بالطاعة والمجاهدة طوال الحياة. من أعدّ قلبه صبر على البلاء الكبير، ومن أهمل إعداده فزع وجزع من أدنى شيء. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى.
أشد ما تخون المعاصي صاحبها عند الاحتضار والانتقال إلى الله؛ فقد يتعذر على العبد النطق بالشهادة، ويذكر ما كان مشغوفاً به في حياته من تجارة أو غناء أو معشوق. وسببُ خاتمة السوء دسيسةٌ في القلب من المعاصي السرية المُصَرّ عليها. وساعة الاحتضار ثمرةُ نشاط العمر كله.
﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ﴾
«وسبب خاتمه السوء دسيسه في قلب الانسان يعني اشكاليه من المعاصي هو مدمن عليها لا يعرفها الناس وهو متهاون في علاجها مستمرا لها عندئذ تخونك في ساعه الاحتضار»
من عقوبات الذنوب أنها تعمي القلب وتضعف بصيرته حتى يرى الباطل حقاً والحق باطلاً والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، فينتكس في سيره ويرجع عن سفره إلى الله. ومن أعرض عن ذكر الرحمن قيّض الله له شيطاناً فهو له قرين يصده عن السبيل ويحسب أنه مهتدٍ.
﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ﴾
ورد في الحديث أن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلماً. ومعنى ذلك أن كل ما تعلق بالدنيا وشهواتها فهو خارج البركة وداخل في اللعنة، وما ارتبط بالله وطاعته أو بنشر العلم والتعلم فهو الذي فيه البركة الحقيقية.
«الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم»— الترمذي
روح القدس نفث في روع النبي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها، فالرزق المقدَّر لا يُحرم منه العبد بذنبه، لكن الذي يتأثر هو بركة الرزق لا أصله. وجعل الله الروح والفرح في الرضا واليقين، والهم والحزن في الشك والسخط.
«إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب»
شبّه ابن القيم ساعات اليوم برأس مال التاجر؛ فمن استعملها في الطاعة تضاعف ربحه وقرّب من الله، ومن استغلها في المعصية تضاعفت خسارته وبعد عن الله. والساعة التي تُصرف في المعصية بدلاً من الطاعة تفوّت على العبد ربحاً مضاعفاً كان يمكن تحصيله.
يضرب ابن القيم مثالاً بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أُحد: حين أخلوا الثغر الذي أُمروا بلزومه دخل العدو منه فكانت الهزيمة. وكذلك في معركة الإنسان مع الشيطان: إذا أطلق العنان لبصره أو لسانه أو سمعه أو يده ورجله فلا يسأل من أين أتت الهزيمة.
﴿ أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ﴾
لا يشترط أن ترى الحرام أو تسمعه لتقع في شَرَكه؛ بل مجرد التفكير في الحرام وتأمّله هو أول ما يبذره الشيطان في القلب. فالخطرات التي يُلقيها إبليس على النفس تتحوّل بعد استقرارها إلى أفعال في الجوارح.
أعظم سبب لفساد الإنسان في الحياة هو عينه. فمن يُحكم عينه وأين تنظر انتهى من ثلثَي المعركة، أما من يطلق عينيه حتى لفضول النظر المباح فإنه يجعل نفسه قريباً من الحرام خطوة بعد خطوة.
﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ﴾
يقول إبليس لجنوده: «ثغر اللسان هو الثغر الأعظم وهو أمام الملك مباشرة». فاللسان ترجمان القلب، ومن أفسد لسانه أفسد قلبه. وللشيطان في هذا الثغر مطلبان: أن تتكلم بالباطل أو تسكت عن الحق.
النفس الأمارة بالسوء إذا تطورت في السوء وأصبحت رأساً من رؤوس الشر صارت هي التي تُمدّ إبليس بالأفكار لا إبليس الذي يُمدّها. ومثاله ما فعله أبو جهل حين اقترح على إبليس فكرة لم يقترحها إبليس نفسه.
أعلى درجات انتصار إبليس أن يعقد القلبُ «نكاحاً» مع النفس الأمارة فيصبح يرى الباطل حقاً والحق باطلاً. وهذا أشد خطراً ممن يعصي وهو يعلم أنه مخطئ. وتحققُ هذا التشوه في الرؤية هو قمة الانتهاء في حياة الإنسان.
يسعى إبليس دائماً لإيصال الإنسان إلى مرحلة التطبيع مع الباطل؛ أن يصبح الحرام أسلوب حياة لا يستنكره، وأن يعدّ من ينكره رجعياً ومتخلفاً. ولعل نسبة كبيرة من الواقع الإسلامي المعاصر قد بلغت هذه المرحلة.
طالب العلم الحقيقي هو من يشتغل بالعلم النافع والعمل الصالح ويعرف واقع الأمة، فيبكي لبكائها ويفرح لفرحها، ويلزم الثغر الذي مكّنه الله منه فيقدّم للأمة من خلاله. أما من لا يبالي بشيء مما يحدث للأمة ولا يفرح لفرحها فلا يُرجى نفعه حتى يحيي الله قلبه من جديد.
كل شخص مصرٍّ على معصية ومدمن عليها ولا يتوب منها حق التوبة هو عنصر فشل وهزيمة في جسد الأمة. وأول ما يقدمه المسلم لخدمة الدين هو ترك الذنوب والمعاصي، لأن ذنوبه ومعاصيه هي جزء من الجرح النازف في جسد الأمة.
يحكي ابن القيم على لسان إبليس أنه يأمر جنوده بأن يصابروا على إغواء بني آدم كما أمر الله أهل الإيمان بالصبر والمرابطة. وإبليس منذ آلاف السنين لم يملَّ من هذه المعركة، فحريٌّ بالمؤمن أن يكون شرساً في مقاومة إبليس ومرابطاً على كافة الثغور.
يبيّن ابن القيم أن إبليس أخرج آدم من الجنة من خلال شهوة الخلد والملك بشجرة الخلد، وأن قابيل قتل هابيل بالغضب، وهذا دليل على أن جذور المعاصي في بني آدم إما شهوة وإما غضب منذ البداية.
الذنوب والمعاصي هي من أكبر الأسلحة التي يقدمها المسلم لإبليس حتى يقتله بها؛ فكل معصية يفعلها الإنسان يعطي عدوه سلاحاً جديداً ليقاتله به. وهذا من أعظم الجهل، كمن يعرف أن شخصاً عدوه ثم يقدم له السلاح ليخترق به.
من عجائب الجهل أن العبد يسعى بجهده في هوان نفسه وهو يزعم أنه يكرمها، ويجتهد في حرمانها أعلى حظوظها وأشرفها وهو يزعم أنه يسعى في حظها. وأعلى الحظوظ هو القرب من الله والأنس به في الدنيا، والقرب منه في جنات النعيم في الدار الآخرة.
من عقوبات الذنوب أنها تُنسي العبد نفسه، وإذا نسي نفسه أهملها وأفسد وأهلك. فمن نسي الله عاقبه الله بعقوبتين: أن الله ينساه أي يتركه ويخذله، وأن الله يُنسيه نفسه فلا يعود ينظر في صالح نفسه ولا يفعل الأعمال التي تقوده إلى الخير.
﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ﴾
أصعب عقوبة يتعاقبها الإنسان في الحياة هي أن يتخلى الله عنه ويتركه؛ إذ تخلّي الله معناه تركه وخذلانه وعدم إرشاده إلى ما فيه خيره وصلاحه. فإذا تخلى الله عن العبد إلى من سيستند في البلاء وعند الخطوب؟ والمؤمن إنما يعيش بعلاقته بالله.
من القواعد الإيمانية العظيمة التي تقوم عليها حياة الإنسان: احفظ الله يحفظك، تعرّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة. فالذي يختبر بحال الأمن والرخاء ولا يبني علاقته بالله ضائع؛ إذ الحياة تتقلب وسيأتي يوم يحتاج فيه إلى الفزع إلى الله.
من عقوبات الذنوب أنها تُنسي العبد حظه من التجارة الرابحة مع الله، وتشغله بالتجارة الخاسرة التي تُوبق في الدنيا والآخرة. فالله سبحانه وتعالى قدّم عقد التجارة الرابحة الأولى بالجهاد في سبيله، والثانية بالتوبة والعبادة والحمد والسياحة والركوع والسجود.
﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ﴾
من يصرف حياته في المعاصي والشهوات وينكشف له الخداع يوم القيامة حيث يظهر الغبن الحقيقي في الصفقة التي عقدها لنفسه في الدنيا. وسُمِّي يوم القيامة يوم التغابن لأنه يظهر فيه كم كان الإنسان يخدع نفسه ويمنيها بالأماني والشهوات والملذات.
بناءً على حديث مدمن الخمر الذي لا يشرب خمر الجنة، قاس كثير من العلماء أن من مات على معصية ولم يتب منها إذا أدخله الله الجنة قد يُحرم من كمال اللذة بجنس تلك المعصية في الجنة. فلا يستوي من غضّ بصره وجاهد طوال حياته مع من أطلق العنان لبصره ومات غير تائب.
الحياة الدنيا في حقيقتها صبر ساعة؛ إما أن تصبر هذه الساعة فتحصل سعادة الأبد، وإما أن تبيعها بعرض من الدنيا بخس فتضيع سعادة الأبد. والصبر بطبيعته مرٌّ وفيه تعب، لكن الله يريد للعبد أن يتعب هذه الساعة في مقابل النعيم المقيم.
من عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم الحاضرة وتقطع النعم الواصلة؛ فنعم الله ما حُفظ موجودها بمثل طاعته، ولا استُجلب مفقودها بمثل طاعته. وقد جعل الله لكل شيء سبباً وآفةً: فجعل أسباب النعمة طاعتَه وآفاتها معصيتَه.
من أكبر الأخطاء والمغالطات أن يعتبر الإنسان نفسه مستثنىً من عقوبات الله، فيرى غيره يُبتلى بسبب الذنوب لكنه يظن أنه لن يصيبه ذلك. فإذا كان الله أمهلك فاعلم أنه يُمهل ولا يُهمل، وربما تكون مستدرجاً بالنعم وأنت لا تدري.
من عقوبات الذنوب أنها تُبعد عن العبد وليّه وأنفع الخلق له وهو الملك الموكل به، وتُدني منه عدوّه الشيطان. فالملك يتباعد من العبد بقدر معصيته، حتى إنه يتباعد منه بالكذبة الواحدة مسافةً بعيدة؛ وفي بعض الآثار إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلاً من نتن ريحه.
«العبد اذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصيه حتى انه تباعد منه بالكذبه الواحده مسافه بعيده وفي بعض الاثار اذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلا من نتن ريحه»
إذا تولّى الملكُ العبدَ تولّى أنصح الخلق وأنفعهم له، فيُثبّته ويُعلّمه ويُقوّي جنانه. والملك وليٌّ للعبد في يقظته ومنامه وحياته وعند موته وفي قبره، ومؤنس في وحشته وصاحب في خلوته، ويحارب عنه عدوه ويُبشّره بالخير ويحثّه على التصديق بالحق.
﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ﴾
نبّه الله سبحانه على وجوب الاستحياء من الحافظين الكرام فقال: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}. فعلى المؤمن أن يستحيي منهم ويُكرمهم، وأن يجلّ أن يروا منه ما يستحي أن يراه مَن هو مثله من البشر.
الذنوب أمراض متى استحكمت قتلت ولا بد؛ فكما أن البدن لا يكون صحيحاً إلا بثلاثة أمور: غذاء يحفظ قوته، واستفراغ يُزيل المواد الفاسدة، وحمية تمنع المضر - فكذلك القلب لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة، واستفراغ بالتوبة النصوح، وحمية من المعاصي.
العقوبات نوعان: شرعية وهي الحدود، وقدرية وهي ما يُنزله الله بقلب المذنب من سحب النعم وضيق القلب والغفلة والختم والطبع. فإذا أُقيمت العقوبة الشرعية على الجاني رفعت العقوبة القدرية عنه أو خففتها، وذلك من رحمة الله بعباده.
«حديث عبادة بن الصامت في أن إقامة الحد كفارة»— حديث عبادة بن الصامت
إذا امتنع الناس عن إقامة حدود الله فإن الله يحوّل العقوبات الشرعية إلى عقوبات قدرية عامة تحل بالشعوب والأمم؛ فتحل الزلازل والفتن والفيضانات وقلة الرزق وسحب المطر. والفرق بين العقوبتين أن الشرعية تخص من باشر الجناية أما القدرية فتعم.
«اذا امتنع الناس عن اقامه حدود الله سبحانه وتعالى فان الله ماذا يفعل بهذه الشعوب والامم يحول عقوباتهم الشرعيه الى عقوبات قدريه فتحل بهم الزلازل والفتن»
مفسدة الزنا تتضاعف بتضاعف ما انتهك من الحقوق؛ فالزنا بامرأة ذات زوج أعظم إثماً من الزنا بغير المتزوجة، والزنا بزوجة الجار أشد بوائق وأعظم إثماً. وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يُوقف له يوم القيامة ويقال له: خذ من حسناته ما شئت.
جعل الله العقوبات الشرعية ثلاثة أنواع: القتل وجعله بإزاء الكفر وما يقرب منه كالزنا واللواط، والقطع وجعله بإزاء فساد الأموال كالسرقة وقطع الطريق، والجلد وجعله بإزاء إفساد العقول بالخمر وتمزيق الأعراض بالقذف. وكلما كان داعي الطبع إلى المعصية قوياً شدّد الشارع في العقوبة.
«يا رسول الله أيّ الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قال: ثم أيّ؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: ثم أيّ؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك»— حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
يبيّن ابن القيم حكمة عدم قطع ذكر الزاني غير المحصن من أوجه عدة: الأول أن قطعه يقطع النسل وهو مقصد من مقاصد الشريعة، والثاني أنه عضو مستور لا يحصل بقطعه مقصود الردع والزجر لأمثاله، والثالث أن اليد لها نظير يعوّض عنها بخلاف الفرج، والرابع أن لذة الزنا تعم جميع البدن فناسب أن تعم العقوبة كذلك.
قسّم ابن القيم الذنوب ثلاثة أقسام: قسم فيه الحد ولا كفارة معه اكتفاءً بالحد، وقسم فيه الكفارة ولا حد كالوطء في نهار رمضان والوطء في الإحرام والظهار وقتل الخطأ، وقسم لا حد فيه ولا كفارة وهو نوعان: ما كان الوازع عنه طبيعياً، وما كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رُتّب عليه الحد.
قسّم ابن القيم العقوبات القدرية المترتبة على الذنوب إلى نوعين: النوع الأول عقوبات تقع على القلوب والنفوس، والنوع الثاني عقوبات تقع على الأبدان والأموال. وعقوبات القلوب بدورها نوعان: آلام وجودية حسّية يشعر بها الإنسان فعلًا، وانقطاع موادّ الإيمان عن القلب بحيث يُحرم من الأنس بالله ومعرفته والاعتماد عليه.
يرى ابن القيم أن قطع موادّ الإيمان عن القلب هو من أشدّ العقوبات القلبية، إذ تشمل هذه المواد: الأنس بالله، والاعتماد عليه، ومعرفته، والشعور بالتعلق به. فإذا قطع الله هذه الحبال عن قلب العبد، مات القلب موتًا معنويًا، ولا فائدة في قلب ينبض بالمعاصي والشهوات المحرمة.
يؤكد ابن القيم أن عقوبة القلب أشدّ من عقوبة البدن والمال لأسباب عدة: فالبدن يذهب ويأتي، أما القلب إذا مات فلن يعود بسهولة. وثانيًا: عقوبة القلب هي أصل عقوبة البدن، إذ إن البدن إنما يُعاقب بالأسقام تبعًا لعقوبة القلب أولًا.
ذهب الشيخ إلى أن الراجح من أقوال أهل العلم أن عذاب القبر منه ما يقع على الروح فقط، ومنه ما يقع على الروح والبدن معًا حين تُردّ الروح إلى البدن. وحياة البرزخ حياة غير معقولة التفاصيل، ولا يُحمّل البدن البرزخي على البدن الحسيّ المعهود.
وضع ابن القيم قاعدةً في العقوبات البدنية مفادها أن شدة الأمراض ودوامها مرتبطة بحجم الذنب وشدته؛ فكلما زادت المعصية قوةً وخطورةً ازداد المرض وطال، وكلما خفّفت من الذنوب قلّ المرض وتراجع.
قرّر ابن القيم قاعدةً كبرى في فهم الشر فقال: ليس في الدنيا والآخرة شرٌّ من جذره وأصله إلا الذنوب والمعاصي وما يترتب عليها من عقوبات. فالشر في الكون أصله المعاصي، وأصل المعاصي النفس الأمّارة بالسوء.
يُبيّن ابن القيم أن أصل الشر فيما يتعلق بالإنسان إنما هي نفسه الأمارة بالسوء، لأنها هي التي تُنتج المعاصي، والمعاصي هي التي تُنتج العقوبات. ومن هنا كان تزكية النفس من أعظم مقاصد بعثة الرسل.
﴿ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾
يُفسّر الشيخ دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه: «نعوذ بك من شرور أنفسنا» أي نستعيذ من النفس الأمارة بالسوء التي هي جذر الشر، وهذا يتضمن ضمنيًا الاستعاذة من الذنوب والمعاصي المتولدة عنها.
«نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا»— من خطبة النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكره الشيخ
يُرجّح ابن القيم أن المراد بـ«سيئات الأعمال» في دعاء النبي هو عواقب الأعمال وآثارها لا نفس الذنوب، لأنه لو أريد نفس الذنوب لكانت الاستعاذة من النفس الأمارة كافيةً، إذ هي أصلها. وبهذا يكون الدعاء جامعًا لأصل الشر وهو النفس، ولعواقب الشر وهي آثار الذنوب.
«نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا»— من خطبة النبي صلى الله عليه وسلم
نبّه الشيخ على مصطلح قرآني مهم وهو أن كلمة «السيئة» تُطلق في الاستعمال الشرعي على معنيين: نفس الذنب والمعصية، وعلى عواقب الذنب وآثاره في الحياة. وفهم هذا المصطلح بوجهيه ضروريٌّ لفهم كثير من الآيات والأدعية.
يرى ابن القيم أن قول الملائكة «وقِهم السيئات» في سورة غافر يُحمل على كلا المعنيين: وقايتهم من الذنوب أولًا، ووقايتهم من عواقب الذنوب ثانيًا، لأن اللفظ المشترك يجوز حمله على جميع معانيه إذا لم يوجد مانع، وقد أضاف أن وقاية المعصية هي وقاية لعقوبتها تبعًا.
﴿ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ﴾
يُفسّر الشيخ أن كلمة «السيئات» في الجملة الشرطية «ومن تقِ السيئات يومئذ فقد رحمته» أظهر في معنى عقوبات الذنوب لا نفس الذنوب، لأن يوم القيامة ليس يومًا للمعصية وإنما هو يوم للعقوبات والجزاء.
﴿ وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم ﴾
يُقرّر الشيخ أن رحمة الله واسعةٌ جدًا، ومكفّرات الذنوب كثيرةٌ لا تُحصى من رمضان والجمعة والحج وغيرها. ومن ثَمّ فلن يدخل النار إلا إنسانٌ شقيٌّ حقًا لم تسعه رحمة الله الواسعة، وما هذا إلا إذا بلغ غاية البُعد والشقاء.
يُقرّر ابن القيم قاعدةً جليلة: لا يوجد ذنبٌ بلا عقوبة البتة، مهما كان العبد وليًّا أو صالحًا. فأدنى عقوبة هي النكتة السوداء على القلب، وقد لا يشعر بها العبد لغفلته، لكن عدم الإحساس بالعقوبة هو نفسه نوعٌ من العقوبة.
«إذا أذنب الإنسان نكتت على قلبه نكتة سوداء»— كما ذكره الشيخ
يُحذّر الشيخ من خطأٍ شائع وهو أن يرى الإنسان أن الدنيا تسير بخير بعد ذنبه فيظنّ أن الله قد عفا عنه، وهذا خطأٌ محض. فقد تتأخر العقوبة سنواتٍ بل عقودًا، وهو مكرٌ واستدراج، والشيطان يستغلّ هذا الوهم ليقنع العبد بالمزيد من المعاصي.
يُشبّه ابن القيم عمل العقوبة في القلب بعمل السُّمّ في البدن؛ فإن العقوبة حتى لو لم تُحسّ بها في البداية فهي عاملةٌ في قلبك رويدًا رويدًا كالأرضة تأكل الخشب، حتى إذا انتبهت يومًا وجدتَ قلبك قد ضعف عن الطاعة والإقبال على الله.
يُقرّر الشيخ أن العبد إذا وقع في ذنب وجب عليه مسارعةٌ فورية إلى التوبة والاستغفار والندم والإقبال على الله، كما يُبادر متناول السُّمّ إلى الترياق. فإن أخّر المعالجة أو ظنّ أن الأمر هان، عملت العقوبة في قلبه وأفسدته.
من أشد عقوبات القلب أن يُثبّط الله العبد عن الطاعة ويُقعده عنها جزاءً على معاصيه؛ فيجد نفسه فجأةً قد ترك حفظ القرآن، أو مجالس العلم، أو العمل التطوعي، أو قيام الليل لا لبديل خيرٍ أعلى، بل لا لشيء. وهذا علامةٌ خطيرة تستوجب المراجعة الفورية.
من عقوبات المعاصي أن يجعل الله القلب أصمّ لا يسمع الحق، أبكم لا ينطق به، أعمى لا يراه. فتصبح النسبة بين القلب والحق الذي لا ينفعه سواه كنسبة الأذن الصمّاء إلى الأصوات، لا فائدة ولا استجابة.
﴿ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾
يُشبّه ابن القيم ترتّب العقوبات على الذنوب بسنن كونية لا تتخلف: كما أن النار تحرق لا محالة، والماء يُروي، والكسر يتولد من الانكسار؛ كذلك العقوبة من خصائص الذنب الملازمة له، وهذا قانونٌ إلهي وضعه الله في الوجود.
من عقوبات الذنوب القلبية أن يخسف الله بالقلب إلى أسفل السافلين وصاحبه لا يشعر، وعلامة الخسف أن يبقى القلب جوّالاً حول الشهوات والقاذورات والرذائل؛ فمن وجد أفكاره تدور حول هذه الأمور فليعلم أن قلبه مخسوف به.
«ومنها الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه فيخسف به الى اسفل السافلين وصاحبه لا يشعر وعلامه الخسف به انه لا يزال جوالا حول السفليات والقاذورات والرذائل»
قال بعض السلف إن القلوب جوّالة، فمنها ما يجول حول العرش ومنها ما يجول حول الحُشّ القذر؛ وليس لأحد قلب ساكن لا يجول ما دام مستيقظاً، فإما أن تكون خواطره خواطر إيمانية نافعة وإما أن تكون خواطر المعاصي وسبل الوصول إليها.
من عقوبات الذنوب مسخ القلب بحيث يتحول من قلب إنساني إلى قلب حيواني شهواني لا يفكر إلا كما تفكر الدواب؛ فمن غلب عليه الحسد والمكر أو انعدمت غيرته قيل إن قلبه مُسخ على صورة حيوان يشابه تلك الخصلة.
﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ﴾
فسّر سفيان بن عيينة قوله تعالى «وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم» بأن البشر في أخلاقهم يشبهون مختلف الحيوانات: فمنهم من أخلاقه أخلاق الغنم بالبساطة، ومنهم من أخلاق الخنزير بانعدام الغيرة، ومنهم من أخلاق الحمار بالحُمق، ومنهم من يتبختر كالطاووس وهكذا.
﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ﴾
مسخ القلب يبتدئ باطناً وقد لا يظهر ابتداءً على الجوارح، لكنه مع المداومة وعدم المعالجة يبدأ يظهر على التصرفات والجوارح: أولاً خفياً لا يدركه إلا أصحاب الفراسة، ثم جلياً للجميع.
من أعظم عقوبات القلب نكسه حتى يرى الباطل حقاً والحق باطلاً والمعروف منكراً، فيُفسد وهو يرى أنه يُصلح، ويصدّ عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليها؛ وهذا يكثر فيمن ينسب إلى العلم ممن يؤلف على باطله يحسب أنه ينصر الهدى.
حجاب القلب عن الله في الدنيا يعني أن العبد لا يستأنس بذكر الله إذا خلا به، ولا يشعر بالراحة والخشوع في الصلاة والعبادة؛ وهذا يدل على وجود طبقة كثيفة من الذنوب والغفلة تحجبه عن مولاه.
الذنوب تمنع العبد من قطع المسافة بينه وبين قلبه فيرى ما يصلحه ويفسده، وتمنعه من قطع المسافة بين قلبه وبين ربه فتفوز قلوبهم بقُربه وكرامته؛ فصارت الذنوب حجابين: حجاباً بين العبد وقلبه، وحجاباً بين قلبه وربه.
الله سبحانه رتّب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره، فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعّم في الدنيا بأصناف النعم ففي قلبه وحشة وذل وحسرات تقطع القلوب، إنما يواريها عنه سكر الشهوات والعشق وحب الدنيا.
﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾
سكر الشهوات والعشق وحب الدنيا أعظم من سكر الخمر، لأن صاحب الخمر يفيق ويصحو، أما سكر الهوى وحب الدنيا فلا يصحو صاحبه إلا إذا كان في عسكر الأموات—أي بعد فوات الأوان.
«وانما يواريه عنه سكر الشهوات سكر الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسه وان لم ينضم الى ذلك سكر الخمر فسكر هذه الامور اعظم من سكر الخمر فانه يفيق صاحبه ويصحو»
يُفسّر ابن القيم قوله تعالى «إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم» بأنه ليس مقصوراً على يوم المعاد فحسب، بل هو حقيقة في الدنيا والبرزخ والآخرة؛ فالمؤمن في نعيم القلبي في الدنيا، والكافر في جحيم الخوف والقلق والاكتئاب.
أصل الذنوب نوعان: ترك ما أمر الله به واجباً، وفعل ما نهى الله عنه محرماً؛ وهذان الذنبان ابتُلي بهما أبوا الجن والإنس: فآدم عليه السلام فعل المحظور لما نُهي عن الشجرة، وإبليس ترك المأمور لما رفض السجود.
«فان اصلها نوعان يعني الذنوب ما هي اما ترك شيء امرك الله به واجب او فعل شيء نهاك الله عز وجل عنه وهما الذنب الذان ابتلى الله سبحانه بهما ابوي الجن والانس»
الذنوب الشيطانية هي تلك التي تشبه صفات إبليس وخصائصه كالحسد والبغي والغش والغل والخداع والمكر والأمر بمعاصي الله وتحسينها، والنهي عن طاعته وتقبيحها، والابتداع في الدين والدعوة إلى البدع والضلال.
الذنوب السبعية هي ذنوب العدوان والغضب وسفك الدماء، والبهيمية هي الشره وقضاء شهوة البطن والفرج؛ وأكثر ذنوب الخلق من هذا القسم الأخير لأن الذنوب الملكية تحتاج إلى سلطة ونفوذ والسبعية تحتاج إلى قوة، أما البهيمية والشيطانية فهي في متناول الجميع.
«واما الذنوب البهيميه فمثل الشره والحرص على قضاء شهوه البطن والفرج ومنها يتولد الزنا والسرقه وهذا القسم اكثر ذنوب الخلق لعجزهم عن الذنوب السبعيه والملكيه»
يُنبّه ابن القيم إلى أن الذنوب البهيمية إذا أُدمن عليها فتحت أبواباً على الذنوب السبعية، ثم الشيطانية، ثم الملكية التي قد تصل إلى منازعة الربوبية والشرك؛ فالذنوب دهليز الكفر، ولذا يُحذَّر من الاستهانة بصغائر الذنوب.
«ومن تامل هذا حق التامل تبين له ان الذنوب دهليز الشرك والكفر ومنازه الله في ربوبيته ان الذنوب البهيميه كلما ادمنت عليها فتحت الابواب على الذنوب السبعيه والشيطان والربوبيه»
دلّ القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والأئمة على أن من الذنوب كبائر وصغائر، وهذا هو الذي استقرّ عليه جماهير أهل العلم. وتقسيمها إلى صغائر لا يعني الاستهانة بعظمة الله، لكنه يُثبت أن النظرة إلى الحرام ليست كالزنا، وهو أمر مستقرٌّ في النفوس.
﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ﴾
﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ﴾
وعد الله وعدًا حقًّا صادقًا أن من اجتنب الكبائر في حياته اجتنابًا تامًّا كانت معاصيه في دائرة الصغائر فحسب، غفر الله له تلك الصغائر. غير أن هذا الوعد مشروط بألا يكون مُدمنًا على الصغيرة مصرًّا عليها، لأن الإصرار على الصغيرة هو بحدّ ذاته كبيرة.
﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ﴾
الصغائر التي يعفو الله عنها هي الفلتات التي تقع في لحظات الضعف الإنساني، أما الصغائر التي يُدمن عليها الإنسان ويُصرّ فهي بحدّ ذاتها كبيرة. فلا يصح أن يطمئن المرء إلى وعد مغفرة الصغائر وهو مدمن عليها، لأن الإصرار يُخرج الذنب من دائرة الصغيرة.
قسّم ابن القيم الأعمال المكفِّرة كالصلوات والجمعة ورمضان إلى ثلاث مراتب: الأولى أن تضعف عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الإخلاص فيها، والثانية أن تكفّر الصغائر دون الكبائر، والثالثة أن تكفّر الصغائر ويبقى فيها قوة تكفير بعض الكبائر لمن أتى بها بغاية الإتقان والخشوع والإقبال على الله.
«الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»— الصحيحان
لا يصح أن يطمئن المرء إلى كون الصلوات الخمس تكفّر ما بينها وهو يؤدّيها بلا خشوع ولا انتباه، لأن ابن القيم نصّ على أن التكفير مشروط بأداء الصلاة بتمام خشوعها والإنابة إلى الله والإقبال عليه واستحضار عظمته فيها؛ وإلا فالعمل الضعيف كالدواء الذي يُؤخذ بأقل من الجرعة الكافية فلا يُعالج الداء.
أورد ابن القيم جملةً من الأحاديث الصحيحة تُثبت انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر وتنصّ على أعيان الكبائر، منها حديث: «ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور»، وحديث: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وحديث أعظم الذنب عند الله: الإشراك به ثم قتل الولد ثم الزنا بحليلة الجار.
من أقوى تعريفات الكبيرة عند أهل العلم: كل ذنب اقترن بالنهي عنه وعيدٌ من لعن أو غضب أو عقوبة في الدنيا أو في الآخرة فهو كبيرة، وما لم يقترن به شيء من ذلك فهو صغيرة. وبتطبيق هذا الضابط يتبيّن أن عدد الكبائر يتجاوز المئة، فلا ينبغي حصرها في الزنا وشرب الخمر فحسب.
بنى ابن القيم تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر وتفاوتَها على مبدأ العدل الإلهي؛ إذ أخبر الله في كتابه أنه خلق السماوات والأرض ليقوم الناس بالقسط، فكلُّ ذنب كان أشدَّ منافاةً لهذا المقصود الإلهي كان أكبرَ وأشدَّ تحريمًا، وكلّ طاعة أعظمُ تحقيقًا له كان إيجابها في الشريعة أعلى.
﴿ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ﴾
جعل الله الشركَ أكبرَ الكبائر على الإطلاق لأنه ينافي العدل الإلهي بأعلى درجاته، إذ أساس العدل الإلهي هو توحيد الله وإفراده بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، والشرك ينقض هذا الأساس. ولذلك حرّم الله الجنة على كل مشرك ولا يغفر لمن مات عليه.
﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ﴾
من أعظم فوائد الاستمرار في قراءة كتب معالجة الذنوب أن يبقى هذا الملف مفتوحًا أمام العبد، فلا يغفل عن أخطائه ولا ينسى ضرورة المعالجة. فإن الإنسان لا يدري من أي سطر أو فكرة سيُصيب قلبَه كلامُ أهل العلم فيُغيّر حياته.
الظلم ليس درجة واحدة، بل يتفاوت إلى مراتب بحسب المفاسد المترتبة عليه في دين الإنسان ودنياه؛ فأشد الظلم أشده مفسدةً وأخفه أقله مفسدةً. وقتل الولد خشية أن يشاركه في مطعمه ومشربه هو من أقبح الظلم وأشده، إذ جبل الله القلوب على محبة الأولاد والرحمة بهم.
«ان تجعل لله ندا وهو خلقك، ثم ان تقتل ولدك خشيه ان ياكل معك، ثم ان تزاني حليله جارك»— متفق عليه
يزداد وزر القتل كلما ازدادت أهمية بقاء المقتول في حياة القاتل أو للمجتمع؛ فأشد أنواع القتل هو قتل الأنبياء لأنهم رموز الهداية ونور الظلمة، ثم قتل الوالدين لأنهما سبب الوجود، ثم قتل الإمام العادل الذي يدعو الناس إلى الله وينصحهم في دينهم.
جعل الله جزاء قتل النفس المؤمنة عمداً الخلود في النار وغضب الجبار ولعنته وإعداد العذاب العظيم، ما لم يمنع من ذلك مانع كالقتل بتأويل أو خطأ أو كون المقتول هدر دمه.
﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ﴾
اختلف العلماء فيما إذا كان القاتل المسلم إذا تاب توبة نصوحاً هل يبقى للمقتول حق يطالب به يوم القيامة؟ قول أن حق المقتول لا يسقط بتوبة القاتل ولا باستيفاء الوارث القصاص لأنه حق للمقتول نفسه لم يُستوفَ في الدنيا؛ وقول آخر أن التوبة مع إقامة القصاص يُسقطان الإثم. والتحقيق عند ابن القيم أن للقتل ثلاثة حقوق: حق لله يسقط بالتوبة، وحق للولي يسقط بالاستيفاء أو العفو أو الصلح، وحق للمقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة من واسع جوده وكرمه.
إذا تاب القاتل توبةً نصوحاً وأُقيم عليه القصاص في الدنيا فإن حق المقتول لا يضيع، بل يعوضه الله عنه يوم القيامة من واسع جوده وكرمه ويصلح بينه وبين القاتل، وهذا ما تشير إليه القنطرة التي يمر عليها المؤمنون بعد الصراط قبل دخول الجنة لتطهير القلوب وإصلاح المظالم بين المسلمين.
من غصب مال شخص ثم مات صاحب المال، فعلى الغاصب ردّ المال إلى الورثة كشرط من شروط التوبة. وفيما إذا كان هذا يُسقط مطالبة صاحب المال أصلاً يوم القيامة خلاف؛ والتحقيق عند ابن القيم أن الله يعوض صاحب المال من واسع كرمه ويصلح بينه وبين الغاصب التائب، كما فُصّل في مسألة القاتل.
فصّل شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة من انتقل حقه في المطالبة بالمال المغصوب: إذا تمكّن المورِّث من أخذ ماله والمطالبة به فلم يأخذه حتى مات، صارت المطالبة للوارث في الآخرة كما هي له في الدنيا. أما إذا لم يتمكن من طلبه وأخذه بسبب ظلم وعدوان المغتصب، فالطلب له هو في الآخرة مباشرة.
أخطأ من فهم أن التشبيه في الآية يعني التساوي في مقدار الإثم بين قاتل نفس واحدة وقاتل الناس جميعاً، لأن هذا يستلزم أن قتل مئة نفس يساوي قتل نفس واحدة وهو باطل. بل وجوه التشبيه متعددة: الاشتراك في أصل المعصية وارتكاب جريمة القتل، والاشتراك في استحقاق إزهاق النفس المعصومة، والجرأة على سفك الدم الحرام، وسقوط وصف القاتل عليه، والمؤمنون كالجسد الواحد فإيذاء عضو منهم كأذى سائره.
﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ﴾
«وانما اتوا اي وانما اتوا في سوء فهمهم للايه من ظنهم ان التشبيه في مقدار الاثم ان لما قال من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الارض فكانما قتل الناس جميعا»
من قرأ سورة الإخلاص ليس ثوابه مساوياً لثواب من قرأ ثلث القرآن، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة ليس كمن قام الليل في الثواب، ومن صام رمضان وستاً من شوال ليس كمن صام الدهر في الأجر. فالتشبيه في هذه النصوص يشير إلى وجه اشتراك معين لا إلى التساوي المطلق في الثواب؛ وهذا يستلزم الفهم الدقيق للنصوص حتى لا يُحمل الشرع على غير محمله.
«من صلى العشاء في جماعه فكانما قام نصف الليل ومن صلى الفجر في جماعه فكانما قام الليل كلها»
قرر ابن القيم أنه ما أُوتي أحد بعد الإيمان أفضل من الفهم عن الله ورسوله، أي فهم معاني آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فهماً صحيحاً. وهذا الفهم إنما يُؤتى بالعلم وحضور مجالسه، إذ كثير من الناس تمر عليهم الآيات والأحاديث ولا يعرفون كيف يوجهونها.
من كان أول من سنّ جريمة القتل أو أي سنة سيئة فإن عليه كفلاً من إثم كل من اقتدى به، لأن أول المتسببين في انتشار هذه الجريمة هو أصلها ومنبتها؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تُقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من سنّ القتل.
«لا تقتل نفس ظلما بغير حق الا كان على ابن ادم الاول كفل منها لانه اول من سن القتل»— متفق عليه
من قتل معاهداً -وهو الكافر الذي بينه وبين المسلمين عهد وأمان- لم يرح رائحة الجنة. وزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق. والمؤمن عند الله أعظم حرمةً من الكعبة ذاتها.
«من قتل معاهدا لم يرح رائحه الجنه وان ريحها ليوجد من مسيره 40 عاما»— البخاري
«لزوال الدنيا اهون على الله من قتل مؤمن بغير حق»— بعض السنن
مفسدة الزنا من أعظم المفاسد لأنها تُناقض مصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب وحماية الفروج وصيانة الحرمات، وتوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس بإفساد حرمات بعضهم بعضاً. وقد رتبها ابن القيم في منزلة تلي القتل في العظم، وقرنها القرآن الكريم بالشرك والقتل في غير موضع.
﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ﴾
أخبر الله عن الزنا بأنه فاحشة تتناهى قبحها في العقول حتى عند كثير من الحيوانات التي تأنف منه. ونقل البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي أنه رأى في الجاهلية قرداً زنى بقردة فاجتمعت القرود عليهما فرجموهما حتى ماتا.
أوجب الله على الزاني في سورة المؤمنون ثلاثة أوصاف: الأول فواته الفلاح لأن الله قال (قد أفلح المؤمنون... والذين هم لفروجهم حافظون)، والثاني أنه معتدٍ لأنه قال (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون)، والثالث أنه ملوم لأنه قال (فانهم غير ملومين) فمفهومه أن غيرهم ملوم. وصبر الإنسان على ألم الشهوة أهون من أن يتصف بهذه الأوصاف القبيحة عند الله.
البصر هو بريد الزنا ورائد الشهوة؛ فمن أطلق بصره أورد نفسه موارد المهالك. وقد أمر الله نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم قبل حفظ فروجهم، لأن مبدأ هذه المصيبة من النظر. كما أن معظم النار من مستصغر الشرر، فنظرة صغيرة يمكن أن تشعل في القلب طوفاناً من الشهوات ينتهي بالوقوع في الزنا.
﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ﴾
«لان البصر هو بريد الزنا البصر ايها الاحبه بريد الزنا فانت نعم قد تستبشر الزنا الان لكن ادامك النظر الى الحرام ستجعلك في يوم من الايام تهون عليك هذه المعصيه»
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على الطرقات إلا لمن غضّ بصره. وهذا الحكم يُطبَّق اليوم على الطرقات الإلكترونية كالتيك توك والإنستغرام واليوتيوب؛ فمن يعلم من نفسه أنه لا يستطيع الصبر عن الصور المحرمة فيها فلا يجوز له شرعاً فتح هذه التطبيقات.
«اياكم الجلوس على الطرقات... فان كنتم لابد فاعلين فاعطوا الطريق حقه: غض البصر وكف الاذى»
من أقبح صور الزنا في القرآن نكاح المرأة التي كانت زوجة الأب، وقد نهى القرآن الكريم عن ذلك صراحةً بقوله (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء). وقد كانت هذه الفاحشة منتشرة في الجاهلية، وقد وصفها القرآن بأنها كانت فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً.
﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ﴾
خلاصة ما تدندن عليه كتب السلوك والتزكية يقوم على ثلاثة محاور: معرفة الله بجماله وجلاله وكماله فكلما ازددت به معرفةً ازددت به حباً، ومعرفة النفس بعجزها وضعفها وفاقتها إلى الله، وإزالة الحجب التي تمنع الوصول إليه وهي المعاصي والذنوب. فمن أحكم هذه المعاني وصل إلى الله ومن قصّر في أحدها بَعُد عنه بقدر تقصيره.
حصر ابن القيم مداخل الشيطان على النفس في أربعة أبواب مرتبة ترتيباً منطقياً سلوكياً: اللحظات (النظر)، ثم الخطرات (الأفكار)، ثم اللفظات، ثم الخطوات. فمبادئ الفساد تبدأ من العين التي تُشكّل الخطرات، فالألفاظ، فالأفعال. وكلما أُغلق باب أبكر كان الوقاية أيسر.
من آفات النظر أنه يورث الحسرات والزفرات والحرق، لأن العبد يرى ما ليس قادراً عليه ولا صابراً عنه. فكلما أطلق بصره إلى الحرام ازداد حسرةً وزفيراً وتعلقاً، إذ يُري القلبَ شيئاً يريد الوصول إليه ويعلم حرمته فيبقى بين جاذبين في عذاب متواصل.
يظن بعض الشباب أن إعطاء النفس نظرةً إلى الحرام يُسكّن الشهوة، وهو وهمٌ مثل العطشان الذي يشرب الخمر فيزداد عطشاً. فالنظر المحرم يزيد الجرح فتقاً لا يرتقه، ولا يُطفئ الشهوة بل يُذكيها، وكلما ازداد مخزون الصور في المخيلة ازداد الألم والتعلق والحسرة.
قاعدة ابن القيم: حبس البصر في البداية أهون وأسلم من إطلاقه ثم بقاء القلب يتحسر على مناظر وصور يعلم حرمتها. فكلما أُضيف إلى مخزون المخيلة صور محرمة ازدادت الحسرة والألم والتعلق، والعلاج بالتقليل لا بالزيادة.
من عجيب ما نبّه عليه ابن القيم أن لحظة الناظر سهمٌ لا يصل إلى المنظور إليه حتى يتبوأ مكاناً من قلب الناظر أولاً، فالجرح يقع في قلبك قبل أن تصل إلى ما تريد. وهذا يدل على أن المتضرر الأول من النظر المحرم هو صاحب البصر نفسه.
الخطرات هي مبدأ الخير والشر، ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم. فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه وقهر هواه، ومن غلبته خطراته فهواه ونفسه له أغلب، ومن استهان بها قادته قهراً إلى الهلكات.
بعض الناس يُغلق باب الفعل الحرام ثم يفتح باب الخيال فيسرح فيه بأوهام الوصال، ولا يعلم أن هذا يزيد الألم ويزيد الحسرة، وأن الاستمرار على هذا المنوال سيخرج عن السيطرة ويصبح الإنسان يطلب هذا الخيال أن يكون واقعاً. وقد ضرب ابن القيم مثلَ الجائع الذي يتخيل الطعام فلا يشبع.
﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ﴾
ضابط حفظ اللفظات عند ابن القيم: ألا يخرج كلمة ضائعة بلا ربح ولا فائدة في دينه، فإذا أراد أن يتكلم نظر هل فيه ربح أم لا، فإن لم يكن فيه ربح أمسك، وإن كان فيه ربح نظر هل تفوته كلمة أربح منها فلا يُضيّعها بهذه. واللسان مرآة القلب: من أراد معرفة ما في القلب فلينظر في حركة اللسان.
سأل معاذ النبي صلى الله عليه وسلم عن العمل الذي يدخله الجنة، فأخبره برأسه وعموده وذروته، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فأخذ بلسان نفسه وقال: كفّ عليك هذا. فقال معاذ: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم.
«وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم»— حديث معاذ، رواه الترمذي وقال حسن صحيح
أورد ابن القيم حديث جندب بن عبدالله: قال رجلٌ عابد: والله لا يغفر الله لفلان (العاصي). فقال الله: من ذا الذي يتألى عليّ ألا أغفر لفلان؟ قد غفرت له وأحبطت عملك. وفي هذا تحذير بالغ من الكلام في الحكم على الناس بالجنة أو النار، وتنبيه على أن كلمة واحدة قد تُهدم عمل عمر كامل.
«قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله: من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان، قد غفرت له وأحبطت عملك»— حديث جندب بن عبدالله، رواه مسلم في صحيحه
في الصحيحين من حديث أبي هريرة: إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في نار جهنم. وهذا يدل على وجوب التدبر قبل الكلام وعدم إرسال اللسان بلا حسبان.
«إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في نار جهنم»— الصحيحان من حديث أبي هريرة
«ان العبد ليتكلم بالكلمه من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات وان العبد ليتكلم بالكلمه من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في نار جهنم»
ذكر ابن القيم الحديث: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وهذا يشمل الكلام والأفعال والأفكار، وأورد حديثاً آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قيل له عن رجل توفي: أبشره بالجنة. قال: وما يدريك؟ لعله تكلم فيما لا يعنيه. فالاشتغال بما لا يعني من أكثر أسباب التقصير في هذا الزمان.
«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»— رواه الترمذي بإسناد صحيح
«وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره»— رواه الترمذي وقال حسن
قال الصديق رضي الله عنه وهو يمسك بلسانه: هذا أوردني الموارد. والكلام أسيرك ما دام في باطنك لم يخرج، فإذا تلفظت به أصبحت أنت أسيره لأنك ستُحاسَب عليه يوم القيامة. وهذا يستوجب إعمال التفكير قبل الكلام حتى لا يكون اللسان علة الهلاك.
نبّه ابن القيم أن في اللسان آفتين عظيمتين: آفة الكلام وآفة السكوت، وكل منهما قد يكون أعظم إثماً من الآخر في وقته. فالساكت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق. وأهل الوسط وهم أهل الصراط المستقيم كفّوا ألسنتهم عن الباطل وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة.
ختم ابن القيم بيان خطر اللسان بقوله: إن العبد يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به. فاللسان هو المفتاح والمغلاق معاً وأثره أبعد مما يتصور.
ينبغي للمسلم أن يوازن بين جلد النفس عند الخطأ وتعزيزها عند الإحسان؛ فكل يوم ينام فيه المرء دون معصية هو نجاح حقيقي ينبغي الاحتفاء به، لأن الشعور بالإنجاز محرِّك للاستمرار والثبات، ولا يعني ذلك إعجاباً ولا ازدراءً للآخرين.
بيَّن ابن القيم أن مراتب الوقوع في المعصية أربع: اللحظات (النظر المحرم)، ثم الخطرات (التفكير)، ثم اللفظات (الكلام)، ثم الخطوات (الأفعال الجسدية)، وهي مترتبة تراكمياً، وإغلاق الأولى يحمي من الوقوع في الأخيرة.
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أكثر أسباب دخول النار هما اللسان والفرج، مما يدل على خطورة هذين الأمرين وأنهما مصدرا الخطر الأول في حياة الإنسان، فينبغي لكل مسلم أن يتورع في لسانه ويحفظ فرجه.
جاء في الصحيحين أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة؛ ومن دلائل خطورة جريمة الزنا أن الله أباح بها دم الإنسان المحصن.
«لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة»— الصحيحان
اقترن الزنا بالشرك وقتل النفس في آية الفرقان وفي حديث ابن مسعود الذي فيه: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً... ثم أن تقتل ولدك... ثم أن تزاني حليلة جارك)، مما يدل على عِظَم هذه الجريمة في ميزان الشريعة.
﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ﴾
للزنا مفاسد متعددة: فهو يُدخل العار على الأهل والزوج، وقد يُفضي إلى قتل الجنين أو إدخال نسب أجنبي على الأسرة، كما يوجب الفقر ويقصر العمر ويكسو صاحبه سواد الوجه ويورث المقت، ويشتت القلب ويجلب الهم والخوف ويُباعد من الملك ويُقرب من الشيطان.
يغار الله سبحانه وتعالى أن تُنتهك حرماته، ولذلك حرَّم الفواحش وشدَّد فيها؛ وقد ورد في الصحيحين (لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، وهذا سرٌّ عظيم في مشروعية الحدود.
«لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن»— الصحيحان
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس بن مالك في الصحيحين أن من أشراط الساعة: رفع العلم وظهور الجهل وشرب الخمر وظهور الزنا وقلة الرجال وكثرة النساء؛ فانتشار الزنا علامة على خراب العالم وفساده.
«من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل وشرب الخمر ويظهر الزناء ويقل الرجال وتكثر النساء»— الصحيحان، عن أنس بن مالك
خصَّ الله حدَّ الزنا بثلاث خصائص: أولها القتل بأشنع القتلات (الرجم)، وثانيها نهيه عباده أن تأخذهم رأفة في دينه تمنعهم من إقامة الحد، وثالثها الأمر بأن يكون الحد بمشهد من المؤمنين تحقيقاً لحكمة الزجر.
﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ﴾
أوضح ابن القيم سبب رحمة الناس للزاني أكثر من سائر أصحاب الجرائم: لأن هذا الذنب يقع في جميع طبقات المجتمع، وفي النفوس أقوى الدواعي إليه، والمشاركون فيه كثيرون، وكثيراً ما يكون عن عشق تميل القلوب لرحمة أصحابه؛ وهذا كله من ضعف الإيمان.
بيَّن ابن القيم أن كمال الإيمان يقتضي أمرين: قوة تُقيم بها أمر الله بلا رأفة في تعطيل الحد، ورحمة يرحم بها المحدود من جهة أنه أوقع نفسه في هذا الموقف الصعب لا من جهة التشكيك في مشروعية الحد.
بيَّن ابن القيم أن المفعول به في اللواط يتأثر على كافة مستوياته: الجسدية والنفسية والاجتماعية، إذ تُمَصُّ من وجهه ماء الحياء، ولا يستحي بعد ذلك من الله ولا من خلقه، وتعمل نطفة الفاعل في قلبه وروحه كما يعمل السم في البدن، فيُصبح شخصية مهزوزة ضعيفة.
قرَّر ابن القيم أن التوبة الصادقة تمحو ذنب اللواط كما تمحو الشرك وقتل الأنبياء والسحر وغيرها، فلا ينبغي قطع الأمل عمّن وقع في هذه الجريمة بل يُفتح له باب التوبة، لأن الله قال: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله)، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
﴿ قل يا/عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ﴾
أي إنسان يداوم على معصية في السر ولا يجاهد نفسه على تركها - مهما كان في الظاهر صالحاً - فإنه لا يُوفَّق إلى حسن الخاتمة؛ لأن المعصية المستمرة تملك قلبه وتُسلب فؤاده حتى لا تنفع فيه تذكرة ولا تنجع فيه موعظة.
«اذا كان هناك معصيه من المعاصي في الخلوات او الجلوات انت مصر عليها ومداومته عنها ولا تجاهد نفسك على تركها فمثل هذا باستقراء اهل العلم قالوا مثل هذا لا يوفق الى حسن الختام»
ذكر عبد الحق الإشبيلي أن لسوء الخاتمة أسباباً أعظمها: الانكباب على الدنيا والإعراض عن الآخرة، والجرأة على معاصي الله؛ وإذا غلبت معصية على قلب الإنسان ملكته وسلبت عقله وأطفأت نوره حتى لا تنفع فيه موعظة ولا تذكرة.
«اعظمها الانكباب على الدنيا والاعراض عن الاخره والاقدام والجراه على معاصي الله عز وجل وربما غلب على الانسان ضرب من الخطيئه فملك قلبه وسب عقله واطفا نوره»
ضرب ابن القيم أمثلة موثقة لسوء الخاتمة: رجل لما يُلقَّن (لا إله إلا الله) قال (الناصر مولاي) لتعلقه بالسلطان، وآخر جعل يوصي ببيع الدار والبستان، وثالث تلفَّظ بالربا، ورابع كان آخر كلامه (أين الطريق إلى حمام من جابي) لتعلقه بصورة محرمة.
كان رجل ملازم المسجد للأذان عليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة، فلما صعد المنارة اطلع على دار نصراني فرأى ابنته فافتتن بها وترك الأذان ونزل إليها؛ وفي النهاية ارتد عن الإسلام ليتزوجها ثم سقط عن السطح ومات في نفس يوم ردته، فلم يظفر بها وفاته دينه؛ وفي هذا عبرة على خطورة النظرة المحرمة.
دل المجلس على أن النظرة المحرمة قد تقع في مقتل فتعقب حسرة لا تزول؛ كما في قول ابن الجوزي (وكم من نظرة لم تناظر)، فالإنسان قد ينظر مئات الصور فيمر الأمر، ثم تأتي صورة واحدة تقع في قلبه فيتورط كمن تورط ومات على غير الإسلام.
قرَّر ابن القيم أن مفسدة اللواط من أعظم المفاسد وتلي الكفر، وقد عوقب قوم لوط بأشد العقوبات: الإهلاك وقلب الديار وإمطار الحجارة؛ وقد ذهب جمهور الصحابة والفقهاء إلى أن عقوبة اللائط القتل بكل حال محصناً كان أم غير محصن.
فرَّق ابن القيم بين أسلوب القرآن في الحديث عن الزنا وعن اللواط؛ فنكَّر الفاحشة في الزنا (إنه كان فاحشة) وعرَّفها في اللواط (أتأتون الفاحشة)، مشيراً إلى أن اللواط جمع كل معاني الفاحشة واستغرقها، وهو تأكيد قرآني بليغ على عظم هذه الجريمة.
لما قلب قوم لوط الفطرة التي فطر الله الناس عليها، قلب الله عليهم ديارهم فجعل عاليها سافلها؛ فكانت العقوبة من جنس الجريمة، إذ رفع جبريل أراضيهم وقلبها رأساً على عقب.
﴿ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ﴾
أمرت الشريعة الإسلامية بالتفريق في المضاجع بين الأبناء إذا كبروا، ونهت عن اجتماع رجلين في لحاف واحد، ونهت الرجال عن مصاحبة المردان دائماً؛ كل ذلك وقايةً وصوناً للرجل عن الأفكار الرديئة ودرءاً لهذا الشر.
«ولذلك الشريعه الاسلاميه امرت ايها الاحبه بالتفريغ في المضاجع الابناء اذا كبروا يفرق بينهم في المضاجع وان نهت ان يلتقي الرجل مع الرجل في اللحاف الواحد»
إذا فشا الشذوذ في بلد وسكت عنه العلماء والدعاة وأصبح مُقنَّناً، فهذا مؤذن بعقاب الله للجميع مَن وقع ومَن لم يقع؛ والواجب على المسلمين الوقوف وقفة واحدة ضد كل من يروِّج لهذه الجريمة أو يُسنِّنها، لأن تقنينها من أكبر المجاهرة والتحدي لله.
«الشذوذ اذا قن وسن وسكت الشيوخ والدعاه واصبح شيئا يسمع ويروى ويشاهد والكل صامت فهذه جريمه لن يسكت عنها وسيذهب خراب هذا البلد الذي تظهر فيه هذه الفاحشه بكل من فيه»
النظرة هي السهم الأول من سهام إبليس؛ إذا وقعت في مقتل القلب تعلّقت الصورة فيه فلا يستطيع فراقها. وغضّ البصر أسهل بكثير من معالجة القلب بعد أن ينتشر فيه السم، فينبغي مجاهدة العين قبل وصول السهم.
إطلاق البصر يفرّق القلب ويشتّته ويبعده عن الله، ويوقع الوحشة بينه وبين ربه؛ فمن يعاني من ضعف الهمة في طلب العلم والصلاة وقيام الليل فسبب ذلك إطلاق البصر إلى الحرام، لأن قلبه في وحشة من الله.
غضّ البصر يكسب القلب نوراً كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة، ولذلك ذكر الله آية النور عقب الأمر بغضّ البصر في سورة النور؛ لأن نور القلب وإنارته لا تحصل إلا بعد غضّ البصر.
﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ﴾
﴿ الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ﴾
لما جاء الشافعي إلى مالك ليطلب العلم، رأى فيه نباهةً وإشراقاً فقال له: يا بنيّ أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية. وهذا يدلّ على أن طالب العلم بلا نور لا يفلح، والنور قبل المتون.
من فوائد غضّ البصر أنه يورث فراسةً صادقةً يميّز بها الإنسان بين الحق والباطل والصادق والكاذب. وكان ابن شجاع الكرماني يقول: من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغضّ بصره عن المحارم وكفّ نفسه عن الشبهات واغتذى بالحلال لم تخطئ له فراسة.
التعلق بالصور يوجب فساد العقل وعَمَه البصيرة وسُكر القلب؛ وقد وصف الله أهل اللواط بالعَمَه الذي هو التخبّط والضياع، لأن الفواحش والمعاصي وإدمانها سبب في حيرة الإنسان وضياعه.
من فوائد غضّ البصر أنه يورث القلب ثباتاً وشجاعةً وقوةً، وقد جعل الله العزة قرين طاعته والذل قرين معصيته. فالإنسان الذي امتلأ قلبه بالمعاصي قلبٌ جبان يهزّه أيُّ شيء، بخلاف من مرأ قلبه بالإيمان وغضّ بصره.
﴿ يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ﴾
عقوبة أصحاب شهوات الصور المحرمة أن يُجعل لهم في البرزخ تنّور من نار وتُودَع أرواحهم فيه إلى يوم حشر أجسادهم، كما أراه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته.
«رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أصحاب الشهوات في تنور من نار في البرزخ»— متفق عليه
«كانت عقوبه اصحاب الشهوات للصور المحرمه ان جعل لهم في البرزخ تنور من نار واودعت ارواحهم فيه الى يوم حشر اجسادهم كما اراه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في المنام في الحديث المتفق على صحته»
بين العين والقلب منفذٌ وطريق، يُوجب انفصال أحدهما عن الآخر، ويُصلح كلٌّ منهما بصلاح صاحبه ويفسد بفساده. فإذا فسد القلب فسد النظر، وإذا فسد النظر فسد القلب، وكذلك في جانب الصلاح.
«ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»— متفق عليه
من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه الله بمحبة غيره فيعذَّب بها في الدنيا والبرزخ والآخرة؛ فإما أن يُعذَّب بمحبة الأوثان أو الصلبان أو المردان أو النسوان أو الأموال وغيرها. وكل من تعلّق بشيء فهو عبد له.
﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ﴾
المؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشًا وأنعمهم بالًا وأشرحهم صدرًا، حتى لو ضاقت عليه الدنيا؛ وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة. أما الفجار فهم في جحيم قلبي ومعنوي حتى لو اتسعت عليهم الدنيا، لأنهم حُرموا الوصال بالعظيم سبحانه.
﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ﴾
قد يُشكَّك في كون المعاصي توجب الألم بدليل أن كثيرًا من أهلها يبدون في غبطة. وجواب ابن القيم: هؤلاء في سكرة الشهوات كمريض الجسد الذي أخذ مسكِّنًا، فالمرض يشتد وهو لا يشعر؛ حتى إذا زالت السكرة وكشف عنه الغطاء وجد الألم قد تفشَّى أضعافًا مضاعفة.
من وقع في معصية وشعر بعدها بالألم فينبغي أن يُعالج علاجًا حقيقيًا بالعودة إلى الله والتوبة إليه، لا أن يأخذ المسكِّن بمعاودة المعصية؛ فذلك يزيد الألم ولا يشفيه. والمسكنات لا تعالج، بل إن الانغماس في المعصية مرة أخرى يضاعف الداء ويُضعف الإيمان.
يُنبِّه ابن القيم إلى الألمين العظيمين اللذين يحملهما من عصى: ألم عدم الأنس بالله والاشتغال بذكره في الدنيا، وألم العذاب يوم القيامة. ويتساءل لماذا يحمل الإنسان الضعيف نفسه هذين الألمين مع أن بإمكانه تحمل ألم الكف عن الحرام المؤقت بدلًا من ذلك.
كل ما ينتج عن الطاعة من أفعال وأحوال فهو زيادة لصاحبه وقربة، وكل ما ينتج عن المعصية فهو خسران وبُعد؛ حتى إن الضيق والهم الناتج عن عشق محرم هو بنفسه معصية لتولّده منها.
﴿ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾
من ابتُلي بعشق إنسان فالواجب عليه كتمان ذلك وعدم البوح به أمام الناس، لأن الإفصاح يهتك ستر المعشوق ويعرضه لتصديق الناس في ظنونهم، وقد يكون المعشوق بريئاً طاهراً لا علاقة له بهذا الأمر. والكتمان واجب حتى لا تُفسد العلاقات الاجتماعية وتُتلاك الأعراض على الألسنة.
التشبيب بالمعشوق ونشر الأشعار في التغزل به على وسائل التواصل وأمام الناس يجمع بين نوعين من الجرائم: الظلم بهتك عرض المعشوق الذي قد يكون بريئاً عفيفاً، والشرك لأن هذا التعلق الغالب على القلب هو صورة من صور الشرك تبدأ بالأصغر وقد تبلغ الأكبر.
ظلم المعشوق في عرضه بالتشبيب والإفصاح أعظم ضرراً عليه وعلى أهله من ظلمه في ماله، لأن العرض لا تعويض عنه ولا جبر لكسره بسهولة، وربما يُهون الناس على سرقة أموالهم ولا يهونون على انتهاك أعراضهم.
قصص الأعراض تُلاك على الألسنة بسرعة بالغة، وأكثر الناس يصدّق فيها بأدنى شبهة ويبني القطعيات على الأوهام والظنون والإشاعات، وهذا ما وقع به أهل الإفك في عائشة رضي الله عنها حين صدّق كثيرون بمجرد مشهد واحد، ولولا أن الله ذبّ عن عرضها بنفسه لبقي الحديث متداولاً.
من يتوسط بين العاشق ومعشوقته في اللقاءات المحرمة فهو ديوث ظالم، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لعن الرائش الواسطة بين الراشي والمرتشي فكيف بمن يتوسط لإيصال الحرام بين العاشقين؟ وهذا ذنب يقع فيه خاصة من يظن أنه يفعل معروفاً بمساعدة صاحبه على الوصول للمعشوق.
«وصار ذلك الواسطه ديوثا ظالما واذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن الرائش وهو الواسطه بين الراش والمرتشي في ايصال الرشوه فما ظنك بالديوث الواسطه بين العاشق والمعشوق في الوصله المحرمه»
ظلم الرجل بإفساد زوجته عليه أعظم من ظلمه بأخذ ماله كله، بل لا يعدله إلا سفك دمه. ولهذا فإن من أفسد على رجل فراشه فإنه يأتي يوم القيامة وأمامه صاحب الفراش يأخذ من حسناته ما شاء حتى ينهيها، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمن يزني بزوجة المجاهد.
العشق حال من الهيمان تُفقد الإنسان السيطرة على نفسه ويريد الوصول إلى المعشوق بأي ثمن كان، كالمدمن الذي يقتل أبويه من أجل ثمن جرعة مخدر. وكل هذه المصائب من القتل والظلم والسرقة والكفر هي ضريبة نظرة أحدثت في القلب البلابل.
«باختصار العشق مثل المخدرات اخواني تعرف المخدرات لما الشخص ما ياخذ الجرعه كيف يمكن يقتل ابوه وامه واهل بيته من اجل يحصل المال ليشتري جرعه المخدرات هذا هو العشق»
من استعان بشياطين الجن بالسحر أو الاستخدام للوصول إلى معشوقه فقد ضمّ إلى الشرك والظلم كفر السحر. ومن استعان بساحر ورضي بسحره وأقرّه فليس بعيداً من الكفر، لأنه رضي بالكفر من أجل تحصيل مقصوده.
يروي ابن القيم قصة مؤذن كان يؤذن على المنارة فوقعت عينه على امرأة نصرانية جميلة في بيتها، فعشقها وتنصّر من أجلها، ولم يهنأ بها يوم زفافه إذ وقع عن الدرج فمات. والعبرة أن لا أحد معصوم من هذا المرض وأن نظرة واحدة يُعطيها الإنسان نفسه زيادة قد تُحدث في قلبه البلابل.
مجرد أن الله يسترك وأنت تعصيه، وهو قادر على إهلاكك في تلك اللحظة لأنك تستخدم أدواته التي أعطاك في معصيته، هذا من أكبر الدواعي إلى محبته. فخيره إليك نازل وشرّك إليه صاعد، ومع ذلك يتحبب إليك بنعمه وهو الغني التام عنك.
لذات أهل الفواحش والظلم والبغي في الحياة الدنيا هي استدراج من الله يُذيقهم به أعظم الآلام ويحرمهم أكمل اللذات. وكما قال بعض السلف في قوله تعالى «سنستدرجهم»: كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة. فالمؤمن حين يرى النعمة تتجدد مع الذنب ينتبه لهذا الاستدراج الخطير.
﴿ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ﴾
عشق المردان والتعلق بهم لا يُبتلى به إلا من سقط من عين الله وطُرد عن بابه وبُعد قلبه عنه، وهو من أعظم الحجب القاطعة عن الله. وهذه المحبة هي التي جلبت على قوم لوط ما جلبت. ودواؤه الاستغاثة بمقلّب القلوب وصدق اللجأ إليه والاشتغال بذكره.
يسرد ابن القيم قصة عتبة بن الحباب الأنصاري الذي ابتُلي بعشق فتاة اسمها ريا، وطالت رحلته حتى أُعطي مهراً باهظاً وتزوّجها، لكنه قُتل في الطريق وهو يدافع عنها، فلما علمت ماتت هي أيضاً في مكانها فدُفنا معاً في قبر واحد سُمّي شجرة العروسين. وهذه المآساة عبرة في عواقب العشق المتمادي.
إذا أفسد العشق عقل الإنسان تشعّب الظلم وتعدّد: من قتل الأزواج والخطّاب وأصحاب العوائق، إلى التخبيب في الزوجات وتفريق الأسر، إلى استخدام المناصب القضائية والإدارية لخدمة المعشوق ظلماً. وكل هذه المصائب مسبّبة عن نظرة غير منضبطة في البداية.