القرآن الكريم هو أعظم دواء لأمراض القلوب والأبدان معًا؛ فلم يُنزِل الله شفاءً أعمَّ ولا أنفعَ ولا أعظمَ في إزالة الداء منه. وقوله تعالى: «وننزِّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين»، «مِن» فيها لبيان الجنس لا للتبعيض، أي أن القرآن كله شفاء. وكان العلماء يُنهون عن الكتابة في علم السلوك خشية أن يُعرض الناس عن طلب الشفاء من القرآن.
﴿ ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾
ثبت في الصحيحين أن صحابيًّا قرأ سورة الفاتحة على سيد حيٍّ لُدِغ فشُفي، وصوَّب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قائلًا: «وما يدريك أنها رقية». وقد جرَّب ابن القيم ذلك بنفسه في مكة فكان يعالج نفسه بالفاتحة ويرى لها تأثيرًا عجيبًا. والفاتحة سبع مرات على موطن الداء فيها من الفتح العجيب لمن أيقن.
«وما يدريك أنها رقية... قد أصبتم، اقتسموا واضربوا لي معكم سهمًا»— الصحيحان، حديث أبي سعيد الخدري
الشرط الأول لانتفاع العبد بالقرآن والأذكار والأدعية في العلاج هو «قبول المحل»؛ فإذا كان العضو أو المحل يُستعمل في المعصية لم يقبل القرآن. وكذلك إذا كان الجسد مغذًّى بالحرام، أو إذا قُرئت عليه آية لا تناسب طبيعة الداء — كل ذلك من أسباب عدم قبول المحل لتأثير العلاج الشرعي.
الشرط الثاني للانتفاع بالعلاج الشرعي هو قوة همة الفاعل وثقته بالقرآن؛ فشعور الإنسان بعدم الثقة بالقرآن هو بحد ذاته يضعف تأثيره. وتُبنى هذه الثقة بمعاشرة القرآن وكثرة تدبره، كما تُبنى الثقة بين البشر بالمعاشرة والتعامل المستمر.
الدواء الشرعي كالدواء الحسي في أنه متى تخلَّف أثره كان لأحد أسباب ثلاثة: إما ضعف الفاعل (عدم ثقته)، أو عدم قبول المنفعل (المحل)، أو وجود مانع قوي. فالقلب إذا أخذ الرقية والتعاويذ بقبول تام ونفس فعّالة من الراقي لا بد وأن ينتفع بها.
من أهم الأدعية التي ينبغي للمسلم حفظها وتعلُّمها: «اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ في حكمك عدل في قضاؤك أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدًا من خلقك... أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي»؛ فمن دعا به أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحًا.
«ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك... إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحًا»— مسند الإمام أحمد، حديث ابن مسعود
بيّن الشيخ أن أساس علاج المعاصي والذنوب هو الأدوية الشرعية المتمثلة في ثلاثة أسلحة: القرآن والذكر والدعاء، وأن ابن القيم أولى بيانها والتفصيل في كيفية استعمالها بصورة صحيحة لأن كثيراً من الناس يستخدمها دون أن ينتفع بها.
شبّه ابن القيم الأدعية والتعوذات بالسلاح، مبيناً أن السلاح لا ينفع وحده بل يحتاج إلى ساعد قوي يضربه، وكذلك القرآن والدعاء لا يُنتجان الشفاء إلا إذا اقترنا بقوة إيمان القارئ والداعي وصدق اعتقاده بنجاعة هذا الدواء.
الشرط الأول للاستشفاء بالقرآن والدعاء هو أن يكون المحل قابلاً لهذا الدواء، فمما يمنع القبول: أن ينبت الجسد من حرام، وأن تُستخدم الجارحة المبتلاة في الحرام، وعدم اختيار الآية أو الدعاء المناسب لطبيعة الداء.
«قبول المحل ان يكون المحل الذي تقرا عليه القران او المحل الذي تدعو الله سبحانه وتعالى له او تذكر الله عليه ان يكون هذا المحل يقبل ماذا هذا الدواء الشرعي»
الشرط الثاني للاستشفاء بالقرآن هو حجم الثقة العالية من القارئ والداعي بنجاعة هذا الدواء، فكلما كانت الثقة أقوى كان الشفاء أقرب، وكلما كان القلب مزعزعاً في هذه المسألة كان ذلك سبباً في تأخر الأثر.
من شروط الاستشفاء بالقرآن أن يكون الدواء مناسباً للمحل، أي أن يختار الإنسان الآيات والأدعية الملائمة لطبيعة مرضه، كما أن للنبي ﷺ في كل موضع من الصلاة ذكراً مخصوصاً يناسب ذلك الموضع.
بيّن ابن القيم أن من صرف عنايته إلى القرآن حفظاً وفهماً وتدبراً اكتفى به في التعرف على أسباب الخير والشر جميعاً. فالقرآن دستور حياة وليس مجرد كتاب بركة، وهو يُريك الخير والشر وأسبابهما حتى كأنك تعاين ذلك عياناً.
حدّد ابن القيم الدواء الجامع لمعالجة الذنوب والمعاصي في ثلاثة أسلحة: القرآن والذكر والدعاء. والعلاقة عكسية تماماً: كلما زاد نصيب الإنسان منها قلّت المعاصي، وكلما قلّ نصيبه ازدادت. ولا ينبغي البحث عن طرق أخرى للعلاج لأن الدواء موضوع بين يديه.
لتحقق الأدوية الشرعية نجاعتها لا بد من ثلاثة شروط: أولها اليقين بأنها أدوية ناجعة، وثانيها قبول المحل باستعمال الأدعية والأذكار والآيات المناسبة للذنب المراد معالجته، وثالثها إزالة الموانع كأكل الحرام الذي يُشكّل طبقة صدأ على القلب تمنع انتفاعه بالكتاب والسنة.
عمر الإنسان الحقيقي هو مدة إقباله على ربه والتنعم بحبه وذكره وإيثار مرضاته. وما سوى ذلك من الحياة فغير محسوب. قال ابن القيم: 'وسر المسألة أن عمر الإنسان مدة حياته ولا حياة له إلا بالإقبال على ربه'.
كما أن السيئة بعد السيئة تُراكم الفجور حتى يصبح منهج حياة، فكذلك الحسنة تدعو إلى الحسنة، وطالب العلم الذي يبدأ يومه بصلاة الفجر يجد نفسه منجذبًا إلى القراءة والاستغفار وصلاة الجماعة تلقائيًا. فبناءُ منهج الخير مِن أوجب الواجبات.
على المسلم أن يستعدّ لساعات ضعفه الإيماني في وقت إقباله وقوته؛ فيحفظ آيةً مؤثرة أو حديثاً نبوياً أو كلاماً لأحد السلف يجعله حاجزاً بينه وبين المعصية. فهذه المجالس العلمية وقراءة القرآن وكلام السلف مخزون معرفي إيماني يُستحضر في ساعة الغفلة.
في رؤيا النبي ﷺ الواردة في صحيح البخاري أن الرجل الذي يُسلغ رأسه بالصخرة هو من كان يرفض القرآن أي لا يعمل به ولا يتعهده، وينام عن الصلاة المكتوبة في وقتها. وهذا دليل على شدة عقوبة الإعراض عن القرآن وتضييع الصلوات المفروضة.
«حديث سمرة بن جندب في رؤيا النبي ﷺ، أخرجه البخاري في صحيحه»— صحيح البخاري
من عقوبات الذنوب أنها تصرف القلب عن صحته إلى مرضه وانحرافه، فيجد صاحبه أنه يقرأ القرآن ويذكر الله ويدعو لكنه لا يجد لذلك أثرًا في قلبه. وهذا لأن القلب في حالة مرض شديد لا يمتص الأغذية الإيمانية. وعلاجه كثرة طرق الباب بالتوبة والاستغفار.
عقد الله لواء هذه الحرب للقلب باعتباره محل المعرفة والمحبة والعبودية والإخلاص والتوكل، وأيّده بجند من الملائكة لا يفارقونه. وعلى الإنسان أن يحافظ على وجود هؤلاء الملائكة بالمحافظة على الأذكار والابتعاد عن أماكن السوء.
﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾
أمدّ الله الإنسانَ بثلاثة أسلحة لخوض معركة الحياة: الملائكة الموكّلون بحراسته، والوحي الإلهي (الكتاب والسنة) الذي يمدّ القلب بالقوة وزيادة الإيمان، والعقل الذي فُطر على طلب الحق والبحث عنه.
يأمر إبليس جنوده بالمرابطة على ثغر الأذن ومنع أي خير من الدخول منها: الكلام الطيب والمواعظ وكلام الله وكلام رسوله وكلام النصحاء. ولو دخل شيء من ذلك فليحولوا بين الإنسان وبين تدبّره وفهمه.
الإنسان الذي لا يحضر إلا مجالس الغفلة والشهوات يضمن إبليس عدم دخول كلام الخير إلى أذنه. لذا أقل ما يستطيعه المسلم ولو كانت عنده ذنوب ومعاصٍ هو حضور مجلس علم أو اثنين في الأسبوع تثبيطاً لإبليس.
من أساليب إبليس إيهام الناس بأن فهم القرآن أمر عسير لا يتاح إلا للراسخين والأولياء، أو تهوين القرآن والإيحاء بأن الانشغال بالحياة المعاصرة وأفكارها أجدى وأعلى. كلا الأمرين حبالة ابليسية للصرف عن القرآن.
ليس المطلوب من الجميع حفظ القرآن فهذه قدرات تتباين فيها الناس، لكن المطلوب من الجميع فهمه وتدبره حتى يكون سلوكاً في حياتهم كما كان عند الصحابة. فالحفظ وسيلة لتركيز الفهم لا غاية في ذاتها.
الورد القرآني اليومي هو الذي يُذكّر بالله والدار الآخرة. أما القلب الذي يمضي أشهراً لا يفتح القرآن فهو قلب منتن ليس عنده زاد لهذه المعركة. والذي يقرأ القرآن دون تركيز وتدبر تصله موعظته ضعيفة هزيلة لا تُفك أسره إبليس.
كثير من الشباب يشكون من الانهيار الدائم أمام المعاصي مع أنهم يذكرون الأذكار. والعبرة ليست بمجرد الذكر بل بكيفيته: هل يذكرها بتأمل في معانيها واعتبار بها وإخلاص واستحضار لعظمة الله؟ الذكر الذي يُذكر في حال الضعف يصل إلى القلب أثره ضعيفاً هزيلاً.
الغضب جمرة في قلب ابن آدم والشهوة نار تثور من قلبه، وإنما تطفأ النار بالماء والصلاة والذكر والتكبير. لذلك أمر النبي الغاضب أن يتوضأ ويجلس ويذكر الله لأن هذه هي الماء الذي يطفئ جمرة الغضب ونار الشهوة.
«إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم من احمرار عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بذلك فليتوضأ»
أعظم أسلحة المؤمن في مقاومة الشيطان هما: ذكر الله ومخالفة الهوى. ومن اجتمع فيه هذان السلاحان استعصى على الشيطان الإيقاع به حتى إن إبليس يقول لجنوده إذا رأيتم الرجل مخالفاً لهواه فاهربوا من ظله ولا تدنوا منه، لأنه في تمام تحصينه الإيماني.
وظيفة مجالس العلم والتذكر والمحافظة على الأذكار وقراءة القرآن هي أن تُبقي المعاني الإيمانية دائماً حاضرة في أعلى السطح حتى لا تضيع مع الشهوات. فالإنسان يحتاج إلى الوعظ والتذكير باستمرار لأن الحياة الدنيا كفيلة بإغراق هذه الأفكار في بحار الشهوات.
للملك لمّة في قلب ابن آدم وللشيطان لمّة؛ فلمة الملك هي ما يُلقيه في خاطر الإنسان من الأفكار والإرادات الداعية إلى الخير والتصديق بالحق، ولمة الشيطان هي ما يوسوس به من إيعاد بالشر وتكذيب بالحق. وإذا اشتد قرب الملك من العبد تكلّم على لسانه بالقول السديد.
«إن للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالوعد ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق»
إذا أصبح ابن آدم ابتدره الملك والشيطان كلاهما؛ فإن ذكر الله وكبّره وحمده طرد الشيطان وتولّاه الملك، وإن افتتح يومه بغير ذلك ذهب الملك عنه وتولّاه الشيطان. فالشاب الذي يستيقظ بعد صلاة الفجر وإهمال أذكار الصباح يكون قد سلّم نفسه لإبليس.
يُنبّه الشيخ إلى أن كثيرًا من المسلمين يردّدون الأذكار والأدعية دون تعمّق في معانيها، وهذا ينقص أثرها. والنموذج الصحيح هو ما يفعله ابن القيم من تحليل دقيق لكل لفظ في الذكر لمعرفة ما يستعيذ منه وما يطلبه، فإن التعمق في الفهم هو ما يجعل للذكر قيمةً حياتيةً حقيقية.
حجاب القلب عن الله في الدنيا يعني أن العبد لا يستأنس بذكر الله إذا خلا به، ولا يشعر بالراحة والخشوع في الصلاة والعبادة؛ وهذا يدل على وجود طبقة كثيفة من الذنوب والغفلة تحجبه عن مولاه.
أصحاب القلوب الحية الذين كُشف لهم الغطاء يأنسون بذكر مولاهم وينقطعون لمناجاته، بل يُحبون الخلوات على الجلوات مع الناس؛ أما من تكاثفت الذنوب على قلبه فتجده يشعر بالحاجة إلى المخلوقين ولا يستطيع الجلوس وحده.
يوصي الشيخ كل مسلم بأن يختبر قلبه عملياً: يجلس ساعة بعيداً عن الجوال ووسائل التواصل ويحاول مناجاة الله، فإن شعر بعد دقائق بالملل والضجر وأراد العودة إلى الجوال دلّ ذلك على أن الدنيا أخذته والذنوب صارت حجاباً كثيفاً بينه وبين الله.
من استأنس بالله وقرّت عينه به في الخلوة أقذف الله محبّته في قلوب الناس فيجدون الراحة معه؛ أما من لا تقرّ عينه بالله ولا يستأنس به فستتقطع نفسه على الدنيا حسرات وسيكون حريصاً عليها خائفاً من زوالها.
كل لذات الدنيا من نساء وسيارات وأموال وقصور لها فترة محدودة ثم تبلى رونقها، بخلاف لذة الأنس بالله وذكره فإنها تبقى تتجدد في كل حين ولا تبلى؛ ولو علم الملوك وأبناء الملوك ما فيه أهل الإيمان من السعادة القلبية لجالدوا عليها بالسيوف.
نُسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال في سجنه: تمرّ في القلب ساعات من الأنس بالله ولذة المناجاة، ما لو كان أهل الجنة في مثل هذه السعادة لكفى به نعيماً؛ مما يدل على أن نعيم الأنس بالله أرفع مقاماً من الأحوال المادية.
«نسب ان شيخ الاسلام بن تيميه رحمه الله عليه قاله في سجنه قال تمر في القلب ساعات من الانس بالله وانس ولذه المناجاه ما لو كان اهل الجنه في مثل هذه السعاده التي انا فيها الان لقلت انه لنعيم عظيم»
قال بعض العلماء: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة» ويريدون بها جنة الأنس بالله؛ وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى مفهوم هذه الجنة بقوله «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» وسمّاها حلق الذكر ومجالس العلم.
«إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر»
يبيّن ابن القيم أن دعاء «اهدنا الصراط المستقيم» الذي يُردَّد في كل صلاة هو من أجمع الأدعية لأن الصراط المستقيم يشمل: استقامة الإرادات والخواطر والأفكار، وأعمال الجوارح الظاهرة، والتروك الباطنة، مما يجعله جامعاً لجميع ما يحتاجه العبد.
قسّم ابن القيم الأعمال المكفِّرة كالصلوات والجمعة ورمضان إلى ثلاث مراتب: الأولى أن تضعف عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الإخلاص فيها، والثانية أن تكفّر الصغائر دون الكبائر، والثالثة أن تكفّر الصغائر ويبقى فيها قوة تكفير بعض الكبائر لمن أتى بها بغاية الإتقان والخشوع والإقبال على الله.
«الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»— الصحيحان
ردّ الشيخ على من يستهين بمسائل الأسماء والصفات ويقول إنها تفاصيل لا تؤثر، بأن ثلث القرآن ذهب في موضوع الأسماء والصفات والتعريف بالله، مما يدل على أن هذا الملف أولوية كبرى في النظر الإلهي ولا يصح إهماله.
بيّن ابن القيم أن أعلى أنواع الخطرات وأجلها ما كان لله والدار الآخرة، وفصّل أنواعها الخمسة: التفكر في آيات القرآن وتدبرها، والتفكر في الآيات الكونية المشهودة والاستدلال بها على أسماء الله وصفاته، والتفكر في آلاء الله وإحسانه ونعمه، والتفكر في عيوب النفس وآفاتها، والتفكر في واجب الوقت ووظيفته.
قال بعض السلف: أنزل الله القرآن ليُعمل به فاتخذوا تلاوته عملاً. ذمّ ابن القيم من يقتصر على تلاوة القرآن دون تدبر أو ترجمة لمعانيه واقعاً عملياً، فإن التلاوة والحفظ وسائل والمقصود الفهم والعمل. ومن جعل القرآن فقط بركةً يتبرك به دون أن يُلزم نفسه بأحكامه فهو قد قصّر في مقصود الإنزال.
في حديث أنس المرفوع: لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه. وهذا يدل على العلاقة التبادلية بين اللسان والقلب، إذ لكل منهما أثر في الآخر. فاللسان يغذي القلب وكذلك القلب يغذي اللسان، والصواب ملازمة الذكر باللسان ولو مع ضعف حضور القلب إذ لعل اللسان يفتح القلب.
«لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه»— حديث أنس المرفوع، ذكره الترمذي وقال حسن صحيح
ختم ابن القيم بيان خطر اللسان بقوله: إن العبد يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به. فاللسان هو المفتاح والمغلاق معاً وأثره أبعد مما يتصور.
غضّ البصر يكسب القلب نوراً كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة، ولذلك ذكر الله آية النور عقب الأمر بغضّ البصر في سورة النور؛ لأن نور القلب وإنارته لا تحصل إلا بعد غضّ البصر.
﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ﴾
﴿ الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ﴾
لما جاء الشافعي إلى مالك ليطلب العلم، رأى فيه نباهةً وإشراقاً فقال له: يا بنيّ أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية. وهذا يدلّ على أن طالب العلم بلا نور لا يفلح، والنور قبل المتون.
لتقوية الخوف المُقلق والحب المُزعج ينبغي: القراءة في نعيم الجنة وعذاب النار، والتعرف على الله وصفاته، وتدبّر القرآن بوعي وفهم، وقراءة السيرة النبوية وسير العلماء والسلف، وحضور مجالس العلم. فالقرآن أعظم ما يورث هذين الأمرين بشرط التدبّر.
بعض الناس يعلم أن الله أهم لكنه يفتقر إلى الإرادة والتصميم على تقديم هذه المحبة. وعلاج هذا الضعف يكون بالتوبة المستمرة ومعالجة أسباب الضعف، بتقوية القرآن والذكر ومجالس العلم وصحبة الصالحين، والابتعاد عمَّا يذكِّر بالمعشوق الفاسد.
أول مفاسد العشق المحرم أن المعشوق يستحوذ على لسان العاشق وخاطره، فيصبح دائم التفكير فيه بدلاً من ذكر الله، وهذان لا يجتمعان في القلب على السواء إلا ويقهر أحدهما الآخر.
من علامات محبة الله محبة كلامه القرآن والالتذاذ بسماعه. فمن كان ذوقه ووجده في سماع الأبيات والألحان دون سماع الآيات فذلك من أقوى الدلائل على فراغ قلبه من محبة الله. ومن أحب محبوباً كان كلامه أحب شيء إليه.
في محبة الله وكلامه ورسوله صلى الله عليه وسلم أضعاف أضعاف ما يذكره المدافعون عن العشق من فوائد كالشجاعة والكرم ورقة الطبع. فلا حب على الحقيقة أنفع من محبة الله، وكل حب لا يسوقك إلى الله ولا يُعين على لذة الآخرة فهو باطل.
طلب النبي صلى الله عليه وسلم من ابن مسعود أن يقرأ عليه القرآن قائلاً «إني أحب أن أسمعه من غيري»، فلما بلغ قوله تعالى «فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد» قال: حسبك. فرفع ابن مسعود رأسه فإذا عينا رسول الله تذرفان. وهذا من أروع مشاهد محبة كلام الله وتأثيره في القلوب.
﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ﴾