قرّر ابن القيم أن الفقيه الكامل هو من يدفع القدر بالقدر، فيباشر الأسباب التي وضعها الله لدفع الأقدار السيئة: يدفع قدر المرض بالدواء، وقدر الجوع بالطعام، وقدر البلاء بالدعاء. ولا يجوز الاستسلام للأقدار السيئة بحجة التوكل.
حذّر ابن القيم من مغالطة النفس بالاتكاء على عفو الله ومغفرته مع الإصرار على المعصية، والتسويف بالتوبة، أو الاعتماد على المندوبات كقيام الليل والاستغفار دون مجاهدة حقيقية. فهذه الطريقة توظيف فاسد لقانون السببية.
أورد ابن القيم نماذج من المغالطة، منها: من يفعل الذنب ثم يقول «سبحان الله وبحمده» مئة مرة ظناً أنه محا آثار المعاصي، ومن يطوف بالبيت بعد الذنب ظناً أنه تكفير له. وهذا توظيف خاطئ للنصوص الشرعية يخالف مقاصدها.
«من قال في يوم سبحان الله وبحمده 100 مره حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر»— متفق عليه
أوضح ابن القيم أن صيام يوم عاشوراء ويوم عرفة إنما يُكفّر الذنوب بشرط اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، فمن أصرّ على الكبائر لم ينتج صومه المغفرة المتوقعة. والاعتماد على هذه الأيام مع الإصرار توظيف خاطئ.
بيّن ابن القيم أن حسن الظن بالله إنما يكون مع الإحسان والمجاهدة على ترك المعاصي، لا مع الإصرار عليها. وقد قال الحسن البصري: «المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، والفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل».
من ثمرات الإيمان بقانون السببية أن يتعرف الإنسان على أسباب الخير فيباشرها لتأتيه بالخير، وعلى أسباب الشر فيجتنبها لأنها تثمر شراً. وأصل ذلك في القرآن والسنة جُملةً، وفي دراسة التاريخ تفصيلاً.
حلّل ابن القيم المعضلة التي تجمع بين الإيمان بالدار الآخرة والإصرار على المعاصي، وأرجعها إلى جملة من الأسباب المتراكمة: ضعف اليقين بسبب البعد عن مواطن الذكر والعلم، وعدم استحضار عظمة الله والدار الآخرة بسبب الانشغال بالدنيا، وغلبات الهوى واستيلاء الشهوة، وتسويل النفس الأمارة بالسوء، وغرور الشيطان، واستبطاء الوعد بالجنة، وطول الأمل، ورقدة الغفلة، وحب العاجل، والإلف بالمعاصي والعوائد.
اللحظة التي يصارع فيها الإنسان نفسه ويمنعها من الوقوع في الشهوة المحرّمة هي لحظة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى، وسيكافئه عليها مكافأةً جزيلةً من جنس عمله، لأنها تكون في وقت الرخاء حيث داعي المعصية أوفر والنفس مُقبِلة بكاملها على شهواتها.
في الحديث النبوي عن يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكَلَة على قصعتها، فسُئل: أمن قلّة نحن يومئذٍ؟ فقال: «أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تُنزع المهابة من قلوب عدوكم ويُجعل في قلوبكم الوهن». قيل: وما الوهن؟ قال: «حبّ الحياة وكراهة الموت». فالذنوب والمعاصي تُفضي إلى هذا الوهن الذي يُمكّن الأعداء.
«يوشك أن تتداعى عليكم الأمم... ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تُنزع المهابة من قلوب عدوكم ويُجعل في قلوبكم الوهن... حبّ الحياة وكراهة الموت»— مسند أحمد
المعصية تُولِّد معصيةً بعدها، وهذه تُولِّد ثالثة، حتى تصير الذنوب هيئةً راسخة وملكةً ثابتة في النفس ويعزّ على العبد الخروج منها. كمن أدمن النظر الحرام حتى صارت معصيته برنامج حياة ومنهجًا يوميًا.
المدمن على المعصية لا يجد فيها لذةً حقيقية بعد حين، لكنه يستمر فيها لأنه يشعر بألم تركها. وهذا من أشد العقوبات؛ أن يفعل الحرام بلا لذة، ولا يستطيع تركه. ومن بلغ هذه الحال فليعلم أنه قد وقع في قمة الخذلان.
من جاهد نفسه على الطاعة وألفها، أرسل الله بفضله عليه الملائكة تؤزه إليها وتحرضه عليها وتزعجه من فراشه لأدائها. أما من آثر المعاصي وألفها، فالله يُسخِّر له الشياطين تدفعه إليها دفعًا.
﴿ ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ﴾
النفس الإنسانية لها أحوال متعاقبة من الإقبال على الطاعة والإدبار عنها، وهذا أمر طبيعي أخبر به النبي ﷺ. فلا ينبغي للإنسان أن يتوهّم حين يشعر بالضعف أنه أصبح إنساناً سيئاً أو أنه فسق، بل هذا من طبيعة النفس التي تصعد وتهبط.
من حذائر إبليس مع من يسلك طريق الاستقامة بعد سنوات من الضياع: أن يتركه أولاً يمارس الطاعة ويرتفع في مستوياتها، ثم يستغل لحظة ضعفٍ ليُوقعه في معاصٍ أشدّ مما كان عليه قبل الالتزام، ليشعره باليأس من نفسه وأنه إنسان مؤوس منه لا يصلح.
إذا وقع المسلم في المعصية بعد فترة استقامة فلا ينبغي له أن ييأس من نفسه أو يظن أن باب التوبة أُغلق، بل يستغفر ويتوب ويعود إلى المجاهدة مرة أخرى؛ فإن هذه اللحظة بالذات هي التي يريد فيها إبليس أن يُقنطه من رحمة الله وقدرته على إصلاح نفسه.
لحديث «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» ثلاثة وجوه في الفهم: الأول: التهديد والوعيد. الثاني: من لا يستحي من الله صنع كل شيء، دلالةً على خطورة انعدام الحياء. الثالث - الذي أورده ابن القيم -: أن الفعل الذي لا تشعر بحياء أن يراك الله عليه يدل أنه مباح، وما شعرت فيه بالحياء من الله فاتركه، وهو استفتاء للقلب السوي.
ضبط ابن القيم مراحل تطور المعصية في النفس: الخاطرة ← إذا استُرسل معها صارت وسوسةً متكررة ← ثم صارت إرادة ← ثم عزيمة ← ثم فعلاً ← ثم صفةً لازمة وهيئةً راسخة (الإدمان). فالعاقل يعالج نفسه من الخاطرة الأولى بدفعها والاستعاذة والانشغال بغيرها قبل أن تتحول إلى فعل يصعب الخروج منه.
عند ورود الخاطرة الأولى للمعصية على الإنسان ينبغي ألا يستغرق معها في الخيال، بل يستغفر الله أولاً ثم يشغل نفسه بفعل آخر كالرياضة أو المكالمة أو الذهاب إلى المسجد؛ لأن البقاء في نفس الوضعية مع الاسترخاء يُعين على استحكام الخاطرة وتحوّلها إلى وسواس.
الذنوب أمراض القلوب، ولا دواء لها إلا تركها. وقد أجمع السائرون إلى الله أن القلوب لا تُعطى مناها حتى تصل إلى مولاها، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة. وأصل العلاج مخالفة الهوى، فالهوى هو مرض القلب وشفاؤه مخالفته.
﴿ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ﴾
من خالف هواه وترك المعصية حين تكون على باب الدار نال جنة في قلبه في الدنيا قبل الآخرة، وهي سعادة القلب وراحته وطمأنينته. وهذه الجنة لا يعرف قيمتها إلا من جرّب أن تكون المعصية قريبة منه ثم تركها لله. وقد نبّه ابن القيم أن آية: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ تشمل جنة الدنيا قبل الآخرة.
﴿ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ﴾
كل شيء أحبّه العبد تعلقًا لا يرضي الله يعذّبه الله به ثلاث مرات: قبل حصوله بالهم والضنك، وحال حصوله بالخوف من سلبه والفضيحة، وبعد فراقه بالحسرة والألم. وهذا ينطبق على العشق الحرام والمال الحرام وغيرهما.
من عقوبات الذنوب أنها تصغّر النفس وتُحقّرها كما قال تعالى: ﴿وقد خاب من دسّاها﴾، أي أذلّها وأهانها. أما الطاعة فتُنمّي النفس وتُزكّيها وتُكبّرها كما قال: ﴿قد أفلح من زكّاها﴾. فكلما أطعت الله تطوّرت نفسك وتوسّعت، وكلما عصيته دستَها وجعلتها نفسًا صغيرة ذليلة.
من عقوبات الذنوب أن العاصي يكون دائمًا في أسر شيطانه وسجن شهواته وقيود هواه. ولا أسير أسوأ حالًا من أسير أسره أعدى عدو، وهو الشيطان. ولا سجن أضيق من سجن الهوى. ولا قيد أصعب من قيد الشهوة. فكيف يسير إلى الله قلب ماسور مسجون مقيد؟
الحرية الحقيقية ليست هي الخروج من ربقة التشريع كما تنادي بعض الأصوات، بل هي كما قال الشاطبي: أن تخرج من داعية هواك إلى طاعة مولاك. فتتخلص من عبودية الشهوات وتتفرغ لعبودية الله، فتلك هي الحرية الحقيقية التي تُسعد صاحبها.
من عقوبات الذنوب أنها تسلب من العاصي أسماء المدح كالمؤمن والتقي والبار والمحسن، وتُلبسه أسماء الذم كالفاسق والعاصي والخبيث. وقد قال الله تعالى: ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾. فالإنسان الشريف لا يرضى لنفسه أن يكون لقبه عند الله وعند الناس فاسقًا أو عاصيًا.
﴿ يا/أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ﴾
رأى بعض السلف أن العبد مُلقى بين الله والشيطان؛ فإن أعرض الله عنه تولّاه الشيطان، وإن تولّاه الله لم يقدر عليه الشيطان. والإنسان هو الذي يُمكِّن أحد الوليَّين بطاعته أو معصيته، فمن أطاع الله احتضنه الله ورعاه، ومن عصاه اشتراه الشيطان.
﴿ استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ﴾
معركة الإنسان الحقيقية هي مع نفسه الأمارة بالسوء لا مع الخارج؛ فمن ملك زمام نفسه نجا حتى لو اجتمع عليه أهل الأرض، ومن غلبته نفسه الأمارة أصبح عبداً لها تقوده حيث شاءت. والمعاصي تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه فتُشوّش بصيرته في معرفة أسباب السعادة والشقاء.
ابتلى الله الإنسانَ بعدوٍّ لا يفارقه طرفة عين ولا ينام ولا يغفل عنه، يراه هو وقبيله من حيث لا يراه الإنسان، ويبذل جهده في معاداته في كل حال، ويستعين عليه بشياطين الجن وشياطين الإنس.
لم يسلّط الله إبليسَ على عبده المؤمن إلا لأن الجهاد أحبُّ شيء إليه وأهله أرفع الخلق عنده درجات. وأول الجهاد وأساسه هو جهاد النفس ضد الخطرات، وكل مؤمن لا بد أن يأخذ حظه من هذه العبودية.
جمع الله فلسفة هذه الحرب في أربع كلمات: الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى. والمرابطة تعني لزوم ثغر القلب والعين والأذن واللسان والبطن واليد والرجل، وهذه الثغور يدخل منها العدو إذا تُركت بلا حراسة.
﴿ يا/أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾
يضرب ابن القيم مثالاً بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أُحد: حين أخلوا الثغر الذي أُمروا بلزومه دخل العدو منه فكانت الهزيمة. وكذلك في معركة الإنسان مع الشيطان: إذا أطلق العنان لبصره أو لسانه أو سمعه أو يده ورجله فلا يسأل من أين أتت الهزيمة.
﴿ أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ﴾
سأل إبليس عن أقرب جنود القلب إليه فأُجيب بأنها النفس. فأوصى جنوده بأن يدخلوا عليها من مرادها وينقشوا صورة المحبوب فيها حتى تطمئن إليه، فتخون القلب وتتواطأ مع إبليس فتنهدم الحصون الأخرى كلها تباعاً.
لا يشترط أن ترى الحرام أو تسمعه لتقع في شَرَكه؛ بل مجرد التفكير في الحرام وتأمّله هو أول ما يبذره الشيطان في القلب. فالخطرات التي يُلقيها إبليس على النفس تتحوّل بعد استقرارها إلى أفعال في الجوارح.
أعظم سبب لفساد الإنسان في الحياة هو عينه. فمن يُحكم عينه وأين تنظر انتهى من ثلثَي المعركة، أما من يطلق عينيه حتى لفضول النظر المباح فإنه يجعل نفسه قريباً من الحرام خطوة بعد خطوة.
﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ﴾
يصف إبليس مسيرة الإفساد عبر العين بقوله: «أبذر من خلال العين في القلب بذر الشهوة، ثم أسقيه بماء الأمنية، ثم لا أزال أعده وأمنّيه حتى تتحوّل الشهوة إلى فعل». لذلك أمر الله بغض البصر تزكيةً للقلب.
﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ﴾
حذّر السلف كالحارث المحاسبي ليس من النظر الحرام فحسب، بل من فضول النظر المباح أيضاً. فالشيء الذي لا يعني الإنسان ينبغي صرف البصر عنه، حتى زينة الحياة الدنيا المباحة، لأن الإطلاق في المباح يفتح الطريق إلى الحرام.
﴿ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ﴾
يأمر إبليس جنوده بالمرابطة على ثغر الأذن ومنع أي خير من الدخول منها: الكلام الطيب والمواعظ وكلام الله وكلام رسوله وكلام النصحاء. ولو دخل شيء من ذلك فليحولوا بين الإنسان وبين تدبّره وفهمه.
من أكبر مخادعات إبليس أنه يُخرج الحق -القرآن ومجالس العلم والأمر بالمعروف- في قالب ثقيل مكروه حتى تنفر منه النفس، ويُخرج الباطل في قالب جميل مرغوب. فإذا وجدت نفسك تتثاقل عن مجالس الخير فاعلم أن الذي رسم ذلك هو إبليس.
إحالة إلى آية — يُرجع نصها من المصدر القرآني الموثوق.
يصوّر شياطين الإنس الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر على أنه تدخل في خصوصيات الناس وكثرة فضول. وهذا مما نبّه عليه ابن القيم صريحاً، وهو ما يجري في الواقع المعاصر، وينبغي على المسلم ألا ينخدع بهذا القالب الابليسي.
يقول إبليس لجنوده: «ثغر اللسان هو الثغر الأعظم وهو أمام الملك مباشرة». فاللسان ترجمان القلب، ومن أفسد لسانه أفسد قلبه. وللشيطان في هذا الثغر مطلبان: أن تتكلم بالباطل أو تسكت عن الحق.
يريد إبليس من الإنسان أحد مطلبَين: إما أن يتكلم بالباطل فيكون شيطاناً ناطقاً، وإما أن يسكت عن الحق فيكون شيطاناً أخرس. وربما كان الأخرس أنفع لإبليس أحياناً لأن صاحب السمعة الحسنة إذا سكت عن الحق اقتدى به الناس وأحسنوا الظن بالباطل.
وصف ابن القيم بدقة ما تفعله مؤسسات الإعلام: يأتون بشخص يتكلم بالباطل ويأتون بجمهور يصفق له ليوهموا أن هذا الباطل أصبح رأياً عاماً وله قبول. وهذا تطبيق عملي لقوله عن إبليس: «لينطق أحدكم بالكلمة ويكون الآخر على لسان السامع فينطق باستحسانها».
إحالة إلى آية — يُرجع نصها من المصدر القرآني الموثوق.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه كلها، فقعد على طريق الإسلام والهجرة والجهاد والصدقة والحج وسائر طرق الخير بالتنفير عنها وذكر صعوباتها، وقعد على طرق المعاصي فحسّنها في أعين بني آدم.
فتنة النساء هي أعظم فتنة أُبقيت على رجال هذه الأمة وهي أول فتنة دخل بها الشر على بني إسرائيل. وقد جعل الله غريزة في كل من الرجل والمرأة تجاه الآخر، وهي أشد أنواع البلايا وأضعف ما يكون الإنسان تجاهها، حتى الرجل الحازم في كل شيء قد يضعف أمام امرأة.
﴿ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ﴾
أقسم إبليس لربه أنه سيجلس للإنسان على صراطه المستقيم ويأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله. وقد أثبت الله هذا القسم في القرآن تحذيراً للإنسان كي يبقى متيقظاً في كل خطوة يخطوها في هذه الحياة.
يقول إبليس لجنوده: «استعينوا بجندَي عظيمَين لن تُغلبوا معهما: جند الغفلة وجند الشهوة». فإذا غفل القلب عن الله تمكّنوا منه وأغووه، ثم يتكاتف الجندان: استعينوا على الغفلة بالشهوات وعلى الشهوات بالغفلة.
النفس الأمارة بالسوء إذا تطورت في السوء وأصبحت رأساً من رؤوس الشر صارت هي التي تُمدّ إبليس بالأفكار لا إبليس الذي يُمدّها. ومثاله ما فعله أبو جهل حين اقترح على إبليس فكرة لم يقترحها إبليس نفسه.
الإنسان الذي يمضي نهاره في بيئة عمل يُشاع فيها الموسيقى والاختلاط والاستهزاء بالدين محروم تعبان. وسلامة القلب الديني ينبغي أن تكون المعيار الأول عند اختيار بيئة العمل، حتى لو تطلّب ذلك التضحية براتب عالٍ.
أوصى إبليس جنوده بأنه إذا رأوا جماعة مجتمعة على ذكر الله ومذاكرة دينه ولم يقدروا على تفريقهم، فليستعينوا عليهم بشياطين الإنس من البطّالين وليقرّبوهم منهم ليشوّشوا عليهم.
ابتلي بعض غلاة الصوفية بعقيدة الاتحاد والحلول، فأباحوا النظر إلى النساء بحجة أن الله يحل في كل مكان. وهذا القول أفسد من قول النصارى لأنه يجعل الله يحل في كل المخلوقات. والمسلم الذي ينظر ويعرف أنه عاصٍ أهون عند الله ممن ينظر بهذه الحجج الكفرية.
طالب العلم الحقيقي هو من يشتغل بالعلم النافع والعمل الصالح ويعرف واقع الأمة، فيبكي لبكائها ويفرح لفرحها، ويلزم الثغر الذي مكّنه الله منه فيقدّم للأمة من خلاله. أما من لا يبالي بشيء مما يحدث للأمة ولا يفرح لفرحها فلا يُرجى نفعه حتى يحيي الله قلبه من جديد.
كل شخص مصرٍّ على معصية ومدمن عليها ولا يتوب منها حق التوبة هو عنصر فشل وهزيمة في جسد الأمة. وأول ما يقدمه المسلم لخدمة الدين هو ترك الذنوب والمعاصي، لأن ذنوبه ومعاصيه هي جزء من الجرح النازف في جسد الأمة.
يحكي ابن القيم على لسان إبليس أنه يأمر جنوده بأن يصابروا على إغواء بني آدم كما أمر الله أهل الإيمان بالصبر والمرابطة. وإبليس منذ آلاف السنين لم يملَّ من هذه المعركة، فحريٌّ بالمؤمن أن يكون شرساً في مقاومة إبليس ومرابطاً على كافة الثغور.
أصل الذنوب والمعاصي في الإنسان تنتج إما من القوة الشهوانية أو من قوة الغضب؛ فالشهوة هي التي تدعو إلى الزنا والنظر الحرام وأكل أموال الناس بالباطل، والغضب هو الذي يدعو إلى الحسد والقتل والحقد والغل. وهاتان القوتان لا يمكن انتزاعهما لأنهما فطريتان، لكن على الإنسان أن يُحسن توجيههما في الاتجاه الصحيح.
من حكمة ابن القيم أن الإنسان الموفق هو الذي يُحسن تصريف قوة الشهوة فيما يرضي الله من السبل الحلال كالزواج والتعلم، وكذلك يُحسن توجيه الغضب فيجعله عند انتهاك محارم الله وعلى أعدائه. أما إذا ترك هذه القوى بدون توجيه فلا بد أن تتفرغ في المكان الخاطئ.
يعلم إبليس أن لكل إنسان مداخل تناسب طبيعته؛ فمن كان شديد الشهوة ضعيف الغضب يدخل عليه من باب الشهوات، ومن كان شديد الغضب يدخل عليه أيضاً من باب الشهوة لأن من لا يملك نفسه عند الغضب فهو بالأحرى لا يملكها عند الشهوة.
يبيّن ابن القيم أن إبليس أخرج آدم من الجنة من خلال شهوة الخلد والملك بشجرة الخلد، وأن قابيل قتل هابيل بالغضب، وهذا دليل على أن جذور المعاصي في بني آدم إما شهوة وإما غضب منذ البداية.
الغضب جمرة في قلب ابن آدم والشهوة نار تثور من قلبه، وإنما تطفأ النار بالماء والصلاة والذكر والتكبير. لذلك أمر النبي الغاضب أن يتوضأ ويجلس ويذكر الله لأن هذه هي الماء الذي يطفئ جمرة الغضب ونار الشهوة.
«إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم من احمرار عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بذلك فليتوضأ»
أعظم أسلحة المؤمن في مقاومة الشيطان هما: ذكر الله ومخالفة الهوى. ومن اجتمع فيه هذان السلاحان استعصى على الشيطان الإيقاع به حتى إن إبليس يقول لجنوده إذا رأيتم الرجل مخالفاً لهواه فاهربوا من ظله ولا تدنوا منه، لأنه في تمام تحصينه الإيماني.
الذنوب والمعاصي هي من أكبر الأسلحة التي يقدمها المسلم لإبليس حتى يقتله بها؛ فكل معصية يفعلها الإنسان يعطي عدوه سلاحاً جديداً ليقاتله به. وهذا من أعظم الجهل، كمن يعرف أن شخصاً عدوه ثم يقدم له السلاح ليخترق به.
من عجائب الجهل أن العبد يسعى بجهده في هوان نفسه وهو يزعم أنه يكرمها، ويجتهد في حرمانها أعلى حظوظها وأشرفها وهو يزعم أنه يسعى في حظها. وأعلى الحظوظ هو القرب من الله والأنس به في الدنيا، والقرب منه في جنات النعيم في الدار الآخرة.
بناءً على حديث مدمن الخمر الذي لا يشرب خمر الجنة، قاس كثير من العلماء أن من مات على معصية ولم يتب منها إذا أدخله الله الجنة قد يُحرم من كمال اللذة بجنس تلك المعصية في الجنة. فلا يستوي من غضّ بصره وجاهد طوال حياته مع من أطلق العنان لبصره ومات غير تائب.
قرّر الشيخ قاعدةً سلوكيةً مهمةً مفادها أن كل انقطاع عن الله هو إقبال على الشيطان بوجه من الوجوه، لأن القلب لا يخلو من أحد طرفين: إما الاتصال بالله، وإما الاتصال بالشيطان، فلا خيار ثالث.
قرّر ابن القيم قاعدةً كبرى في فهم الشر فقال: ليس في الدنيا والآخرة شرٌّ من جذره وأصله إلا الذنوب والمعاصي وما يترتب عليها من عقوبات. فالشر في الكون أصله المعاصي، وأصل المعاصي النفس الأمّارة بالسوء.
يُبيّن ابن القيم أن أصل الشر فيما يتعلق بالإنسان إنما هي نفسه الأمارة بالسوء، لأنها هي التي تُنتج المعاصي، والمعاصي هي التي تُنتج العقوبات. ومن هنا كان تزكية النفس من أعظم مقاصد بعثة الرسل.
﴿ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾
يُفسّر الشيخ دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه: «نعوذ بك من شرور أنفسنا» أي نستعيذ من النفس الأمارة بالسوء التي هي جذر الشر، وهذا يتضمن ضمنيًا الاستعاذة من الذنوب والمعاصي المتولدة عنها.
«نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا»— من خطبة النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكره الشيخ
يُنبّه الشيخ في مستهل الدرس إلى نمطٍ خاطئ شائع: أن يزيد الإنسان التزامه بترك الذنوب وقت الأحداث الكبرى والنكبات، ثم سرعان ما يعود إلى سابق عهده. والمطلوب هو الديمومة والاستمرارية على الصلاح لا الحماس المؤقت الذي ينطفئ.
سكر الشهوات والعشق وحب الدنيا أعظم من سكر الخمر، لأن صاحب الخمر يفيق ويصحو، أما سكر الهوى وحب الدنيا فلا يصحو صاحبه إلا إذا كان في عسكر الأموات—أي بعد فوات الأوان.
«وانما يواريه عنه سكر الشهوات سكر الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسه وان لم ينضم الى ذلك سكر الخمر فسكر هذه الامور اعظم من سكر الخمر فانه يفيق صاحبه ويصحو»
أصل الذنوب نوعان: ترك ما أمر الله به واجباً، وفعل ما نهى الله عنه محرماً؛ وهذان الذنبان ابتُلي بهما أبوا الجن والإنس: فآدم عليه السلام فعل المحظور لما نُهي عن الشجرة، وإبليس ترك المأمور لما رفض السجود.
«فان اصلها نوعان يعني الذنوب ما هي اما ترك شيء امرك الله به واجب او فعل شيء نهاك الله عز وجل عنه وهما الذنب الذان ابتلى الله سبحانه بهما ابوي الجن والانس»
الذنوب السبعية هي ذنوب العدوان والغضب وسفك الدماء، والبهيمية هي الشره وقضاء شهوة البطن والفرج؛ وأكثر ذنوب الخلق من هذا القسم الأخير لأن الذنوب الملكية تحتاج إلى سلطة ونفوذ والسبعية تحتاج إلى قوة، أما البهيمية والشيطانية فهي في متناول الجميع.
«واما الذنوب البهيميه فمثل الشره والحرص على قضاء شهوه البطن والفرج ومنها يتولد الزنا والسرقه وهذا القسم اكثر ذنوب الخلق لعجزهم عن الذنوب السبعيه والملكيه»
أن يصبح حضور مجالس العلم عادةً راسخةً يألفها طالب العلم ويحبّها هي من أعظم النعم التي ينعم الله بها على الإنسان. ومن أكبر أخطاء بعض الطلاب الاندفاعُ إلى كل جديد ثم الفتور بعد مجلسين أو ثلاثة، فعلى طالب العلم أن يُوطّن نفسه على الديمومة حتى يُنجز الكتب من الجلدة إلى الجلدة.
الشيطان يُضعف همة طالب العلم بأن يُركّز نظره على الحاضر الثقيل ومدى الكتاب الطويل، فتحايل عليه بأن تنظر إلى المستقبل؛ فمن التزم بمجالس العلم خمس سنوات وجد نفسه قد أنجز عشرات المصنفات وشعر بفارق علمي وسلوكي وحياتي كبير.
من يُؤثر هواه على طاعة مولاه فقد وقع في عدم تقدير الله حق قدره؛ سواء كانت التي ترفض الحجاب بحجة عدم الاقتناع، أو من يرفض ترك عمل فيه معاصٍ بحجة أنه مصدر رزقه. فهذا يجعل لله من قلبه وعقله ومالٍه الفُضلة، والهوى هو المقدَّم.
مفسدة الزنا من أعظم المفاسد لأنها تُناقض مصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب وحماية الفروج وصيانة الحرمات، وتوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس بإفساد حرمات بعضهم بعضاً. وقد رتبها ابن القيم في منزلة تلي القتل في العظم، وقرنها القرآن الكريم بالشرك والقتل في غير موضع.
﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ﴾
أخبر الله عن الزنا بأنه فاحشة تتناهى قبحها في العقول حتى عند كثير من الحيوانات التي تأنف منه. ونقل البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي أنه رأى في الجاهلية قرداً زنى بقردة فاجتمعت القرود عليهما فرجموهما حتى ماتا.
أوجب الله على الزاني في سورة المؤمنون ثلاثة أوصاف: الأول فواته الفلاح لأن الله قال (قد أفلح المؤمنون... والذين هم لفروجهم حافظون)، والثاني أنه معتدٍ لأنه قال (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون)، والثالث أنه ملوم لأنه قال (فانهم غير ملومين) فمفهومه أن غيرهم ملوم. وصبر الإنسان على ألم الشهوة أهون من أن يتصف بهذه الأوصاف القبيحة عند الله.
البصر هو بريد الزنا ورائد الشهوة؛ فمن أطلق بصره أورد نفسه موارد المهالك. وقد أمر الله نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم قبل حفظ فروجهم، لأن مبدأ هذه المصيبة من النظر. كما أن معظم النار من مستصغر الشرر، فنظرة صغيرة يمكن أن تشعل في القلب طوفاناً من الشهوات ينتهي بالوقوع في الزنا.
﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ﴾
«لان البصر هو بريد الزنا البصر ايها الاحبه بريد الزنا فانت نعم قد تستبشر الزنا الان لكن ادامك النظر الى الحرام ستجعلك في يوم من الايام تهون عليك هذه المعصيه»
من غضّ بصره عن محاسن امرأة لله أورث الله قلبه حلاوة الإيمان إلى يوم يلقاه. وهذا الأثر من أعظم الدوافع التي تعين الإنسان على الصبر عن الحرام في زمن كثرت فيه الفتن واستعرت فيه أسباب الوقوع في المعاصي.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على الطرقات إلا لمن غضّ بصره. وهذا الحكم يُطبَّق اليوم على الطرقات الإلكترونية كالتيك توك والإنستغرام واليوتيوب؛ فمن يعلم من نفسه أنه لا يستطيع الصبر عن الصور المحرمة فيها فلا يجوز له شرعاً فتح هذه التطبيقات.
«اياكم الجلوس على الطرقات... فان كنتم لابد فاعلين فاعطوا الطريق حقه: غض البصر وكف الاذى»
مداخل الشيطان إلى قلب الإنسان أربعة: اللحظات وهي لحظ العين، والخطرات وهي أفكار القلب، والألفاظ وما ينطق به اللسان، والخطوات وإلى أين يمشي. ومن حفظ هذه الأربعة أحرز دينه، لأن الشيطان يبدأ باللحظات ثم ينتقل إلى الخطرات ثم إلى الألفاظ ثم إلى الخطوات في الحرام.
يُصوِّر ابن القيم تسلسل المعصية بدقة: نظرة تولد خطرة، ثم الخطرة تولد فكرة، ثم الفكرة تولد شهوة، ثم الشهوة تولد إرادة، ثم تقوى حتى تصير عزيمة جازمة فيقع الفعل لا محالة ما لم يمنعه مانع. وهذا التسلسل ينطبق على الزنا وينطبق عموماً على سائر المعاصي الكبرى.
الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده. فإغلاق الباب الأول -وهو باب النظر- أسهل من إغلاق الأبواب الأخرى؛ فإذا فُتح الباب الأول صارت الأبواب التالية صعبة الإغلاق لكثرة الدوافع. فنصيحة الشيخ: اسعَ لإغلاق الباب الأول وهو أسهل، وأما الأبواب الأخرى فأمرها لا يكون تحت السيطرة دوماً.
الضعف أمام شهوة النساء أمر جُبل عليه الإنسان وهو ليس عيباً في نفسه؛ فالله يقول (زُيِّن للناس حب الشهوات من النساء) ويقول (وخُلق الإنسان ضعيفاً). العيب الحقيقي هو ألا يحترم الإنسان ضعفه ويقتحم أسوار الصور المحرمة والمشاهد المحرمة فيزلّ مرة بعد مرة ولا يتوقف.
جعل الله من أسباب وراثة الفردوس ودخول الجنة حفظَ الفرج عن الزنا، كما في سورتَي المؤمنون والمعارج اللتين رسّختا أن من صفات أهل الإيمان أنهم يحفظون فروجهم. فمن لم يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين ولا من الناجين.
حصر ابن القيم مداخل الشيطان على النفس في أربعة أبواب مرتبة ترتيباً منطقياً سلوكياً: اللحظات (النظر)، ثم الخطرات (الأفكار)، ثم اللفظات، ثم الخطوات. فمبادئ الفساد تبدأ من العين التي تُشكّل الخطرات، فالألفاظ، فالأفعال. وكلما أُغلق باب أبكر كان الوقاية أيسر.
من آفات النظر أنه يورث الحسرات والزفرات والحرق، لأن العبد يرى ما ليس قادراً عليه ولا صابراً عنه. فكلما أطلق بصره إلى الحرام ازداد حسرةً وزفيراً وتعلقاً، إذ يُري القلبَ شيئاً يريد الوصول إليه ويعلم حرمته فيبقى بين جاذبين في عذاب متواصل.
يظن بعض الشباب أن إعطاء النفس نظرةً إلى الحرام يُسكّن الشهوة، وهو وهمٌ مثل العطشان الذي يشرب الخمر فيزداد عطشاً. فالنظر المحرم يزيد الجرح فتقاً لا يرتقه، ولا يُطفئ الشهوة بل يُذكيها، وكلما ازداد مخزون الصور في المخيلة ازداد الألم والتعلق والحسرة.
قاعدة ابن القيم: حبس البصر في البداية أهون وأسلم من إطلاقه ثم بقاء القلب يتحسر على مناظر وصور يعلم حرمتها. فكلما أُضيف إلى مخزون المخيلة صور محرمة ازدادت الحسرة والألم والتعلق، والعلاج بالتقليل لا بالزيادة.
الخطرات هي مبدأ الخير والشر، ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم. فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه وقهر هواه، ومن غلبته خطراته فهواه ونفسه له أغلب، ومن استهان بها قادته قهراً إلى الهلكات.
بعض الناس يُغلق باب الفعل الحرام ثم يفتح باب الخيال فيسرح فيه بأوهام الوصال، ولا يعلم أن هذا يزيد الألم ويزيد الحسرة، وأن الاستمرار على هذا المنوال سيخرج عن السيطرة ويصبح الإنسان يطلب هذا الخيال أن يكون واقعاً. وقد ضرب ابن القيم مثلَ الجائع الذي يتخيل الطعام فلا يشبع.
﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ﴾
قال ابن القيم إن الاشتغال بخطرات الوصال الباطلة والأماني الكاذبة هي رؤوس أموال المفلسين ومتاجر البطالين، لأنها تتولد من العجز والكسل وتولّد التفريط والحسرة والندم. والإنسان الذي عنده أعمال وإنتاج ومشاريع ترِد عليه الخطرات لكنها لا تمتلكه.
قسّم ابن القيم الخطرات النافعة إلى أربعة: خطرات يُستجلب بها منافع الدنيا، وخطرات يُستدفع بها مضار الدنيا، وخطرات يُستجلب بها مصالح الآخرة، وخطرات يُستدفع بها مضار الآخرة. والإنسان الناجح هو الذي تدور خطراته وتفكيره في هذه الأقسام الأربعة فحسب.
القاعدة الكبرى التي عليها مدار الشرع والقدر هي إيثار أكبر المصلحتين وأعلاهما وإن فاتت المصلحة التي دونها، والدخول في أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر منها. وقال ابن القيم إن هذه القاعدة ليست فقهية فحسب بل هي قاعدة حياتية عظمى ينبغي تطبيقها في التخطيط اليومي.
صنّف ابن القيم أنواع المزاحمة بين الخطرات فقال: أردأ الأنواع أن تُقدِّم شيئاً غير مهم وهو لا يفوت على شيء مهم يفوت. وحتى الناس الأفاضل قد يقعون في هذا أحياناً، فالأولى أن يحرص المرء على تقديم الأهم الذي يُخشى فوته والتأخر بما هو أدون.
من سياسة النفس المهمة أن مجرد قرار ترك الخطرات الرديئة لا يكفي ما لم يُصاحبه استبدالٌ بخطرات نافعة. فالنفس كالرحى تطحن ولا تسكن، فإن لم تضع فيها أفكاراً نافعة من مجالس الخير وملازمة أهل العلم عادت للطحن الرديء. وهذا سبب انتكاس كثير من الشباب بعد التوبة.
من أنواع التفكر لله التفكر في عيوب النفس وآفاتها وعيوب العمل، وهو تفكر عظيم النفع لأن تأثيره في كسر النفس الأمارة بالسوء، ومتى انكسرت عاشت النفس المطمئنة وانتعشت وصار الحكم لها. ومن الخطأ أن يعتقد أحدنا أنه لا عيوب فيه إذ إن ذلك أول درجات الخسران.
نقل ابن القيم عن الشافعي قوله بعد صحبة الصوفية: لم أستفد منهم إلا كلمتين: الوقت سيف إن قطعته وإلا قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. وهذا مطابق لمبدأ الطاحون: العقل لا يسكن، فإن لم تُعبئه بأفكار صالحة طحن الرديء من الخطرات.
قاعدة مهمة: ورود الخاطر السيئ على القلب لا يضر صاحبه لأنه لا يملك منعه، وإنما يضره استدعاؤه ومحادثته. فالخاطر كالمار على الطريق إن تركته مرّ وانصرف، وإن استدعيته وأوقفته بدأت بينك وبينه علاقة أفضت إلى رحلة ألم مضنية.
ركّب الله في الإنسان نفسَين: نفساً أمارةً تحب الهوى وتكره العمل لله، ونفساً مطمئنةً تكره الهوى والباطل وتُحبّ الطاعة. وهما نفسٌ واحدة تتحول من حال إلى حال بحسب الزاد والعمل، والحرب بينهما مستمرة حتى آخر رمق، والنصر مع الصبر والمرابطة والتقوى.
﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ﴾
شبّه ابن القيم القلب باللوح: إن كان مكتوباً عليه بالخداع والنظر الحرام والتعلقات المحرمة فلن تجد معاني الإيمان موضعاً تستقر فيه. ولذلك من أراد أن تنقش في قلبه معاني الإيمان فعليه أن يمسح اللوح بترك الذنوب والمعاصي أولاً، إذ لا تستقر هذه المعاني إلا في محل فارغ.
أثنى ابن القيم على الصوفية في تركيزهم على حفظ الخواطر وتفريغ القلب من الرديء، لكن انتقدهم لاكتفائهم بالتخلية دون التحلية، إذ لم يعبئوا قلوبهم بخطرات الكتاب والسنة وحمل الدين والعمل في ميدان الأمة. فالكمال في امتلاء القلب من الخطرات والإرادات والفكر في تحصيل مراد الرب من العبد ومن الناس.
ضابط حفظ اللفظات عند ابن القيم: ألا يخرج كلمة ضائعة بلا ربح ولا فائدة في دينه، فإذا أراد أن يتكلم نظر هل فيه ربح أم لا، فإن لم يكن فيه ربح أمسك، وإن كان فيه ربح نظر هل تفوته كلمة أربح منها فلا يُضيّعها بهذه. واللسان مرآة القلب: من أراد معرفة ما في القلب فلينظر في حركة اللسان.
قال ابن معاذ: القلوب كالقدور تغلي بما فيها، والألسنة مغارفها. فإذا أردت أن تعرف ما في قلب إنسان فانظر المواضيع التي يتطرق إليها لسانه، فمن دوام حديثه عن المال فقلبه ممتلئ بحبه، ومن دوام حديثه عن الله والآخرة فقلبه ممتلئ بحبهما.
سأل معاذ النبي صلى الله عليه وسلم عن العمل الذي يدخله الجنة، فأخبره برأسه وعموده وذروته، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فأخذ بلسان نفسه وقال: كفّ عليك هذا. فقال معاذ: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم.
«وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم»— حديث معاذ، رواه الترمذي وقال حسن صحيح
نبّه ابن القيم أن في اللسان آفتين عظيمتين: آفة الكلام وآفة السكوت، وكل منهما قد يكون أعظم إثماً من الآخر في وقته. فالساكت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق. وأهل الوسط وهم أهل الصراط المستقيم كفّوا ألسنتهم عن الباطل وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة.
ينبغي للمسلم أن يوازن بين جلد النفس عند الخطأ وتعزيزها عند الإحسان؛ فكل يوم ينام فيه المرء دون معصية هو نجاح حقيقي ينبغي الاحتفاء به، لأن الشعور بالإنجاز محرِّك للاستمرار والثبات، ولا يعني ذلك إعجاباً ولا ازدراءً للآخرين.
بيَّن ابن القيم أن مراتب الوقوع في المعصية أربع: اللحظات (النظر المحرم)، ثم الخطرات (التفكير)، ثم اللفظات (الكلام)، ثم الخطوات (الأفعال الجسدية)، وهي مترتبة تراكمياً، وإغلاق الأولى يحمي من الوقوع في الأخيرة.
استنبط ابن القيم الأبواب الأربعة من آيتين قرآنيتين: الأولى (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) تشمل اللحظات والخطرات، والثانية (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) تشمل الخطوات واللفظات؛ فهذه الأبواب الأربعة مستمدة من القرآن الكريم لا من اجتهاد ابن القيم وحده.
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أكثر أسباب دخول النار هما اللسان والفرج، مما يدل على خطورة هذين الأمرين وأنهما مصدرا الخطر الأول في حياة الإنسان، فينبغي لكل مسلم أن يتورع في لسانه ويحفظ فرجه.
كان رجل ملازم المسجد للأذان عليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة، فلما صعد المنارة اطلع على دار نصراني فرأى ابنته فافتتن بها وترك الأذان ونزل إليها؛ وفي النهاية ارتد عن الإسلام ليتزوجها ثم سقط عن السطح ومات في نفس يوم ردته، فلم يظفر بها وفاته دينه؛ وفي هذا عبرة على خطورة النظرة المحرمة.
دل المجلس على أن النظرة المحرمة قد تقع في مقتل فتعقب حسرة لا تزول؛ كما في قول ابن الجوزي (وكم من نظرة لم تناظر)، فالإنسان قد ينظر مئات الصور فيمر الأمر، ثم تأتي صورة واحدة تقع في قلبه فيتورط كمن تورط ومات على غير الإسلام.
حتى لو ثبت طبياً ونفسياً أن إنساناً مُبتلى بميول تجاه جنسه، فهذا بلاء عليه أن يصبر عليه ويكافحه كما يصبر الرجل على غريزته تجاه النساء الأجنبيات؛ ولا يكون الابتلاء مبرراً للإقرار بالفاحشة بل يدعو إلى الصبر والعلاج والمراجعة.
أمرت الشريعة الإسلامية بالتفريق في المضاجع بين الأبناء إذا كبروا، ونهت عن اجتماع رجلين في لحاف واحد، ونهت الرجال عن مصاحبة المردان دائماً؛ كل ذلك وقايةً وصوناً للرجل عن الأفكار الرديئة ودرءاً لهذا الشر.
«ولذلك الشريعه الاسلاميه امرت ايها الاحبه بالتفريغ في المضاجع الابناء اذا كبروا يفرق بينهم في المضاجع وان نهت ان يلتقي الرجل مع الرجل في اللحاف الواحد»
ذكر ابن القيم أن لداء العشق طريقين للعلاج: الأول حسم مادته قبل حصولها بغض البصر وسائر الوقايات، والثاني قلعها بعد نزولها إذا ابتُلي الإنسان وتعلَّق؛ وكلاهما يسير على من يسَّره الله عليه، فعلى العبد أن يقرع باب السماء بالصدق والإقبال على الله أولاً.
غضّ البصر يسدّ على الشيطان مدخله إلى القلب، فإنه يدخل مع النظرة وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي. ثم يمثّل للقلب صورة المنظور إليه ويزيّنها ويجعلها صنماً يعكف عليه القلب، ويوقد نار الشهوة ويلقي عليها حطب المعاصي.
فلسفة النفس تقول: لا تترك المحبوب السفلي إلا إذا كان هناك محبوب أعلى منه، أو إذا كان هناك ضرر سيترتب على هذا العشق أكبر بكثير مما فيه من لذة. وعلى هذا فتنمية المحبوب الأعلى والخوف الأعلى هو الطريق للتحرر من العشق السفلي.
يحتاج صاحب النفس إلى أمرين: بصيرة صحيحة يفرّق بها بين درجات المحبوب والمكروه فيؤثر الأعلى على الأدنى، وقوة عزم وصبر يتمكّن بهما من الفعل والترك. فكثيراً ما يعرف الرجل قدر التفاوت لكن يأبى له ضعف نفسه وهمته.
﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ﴾
الصبر النافع ليس أن تضع الحرام بين يديك وتحاول مقاومته، بل هو صبر مغادرة البيئة الفاسدة والتخلص من وسائل التواصل المُفضية إلى الحرام، ومعالجة نقطة الضعف من جذرها. فمن لم يُغلق منافذ المعصية فصبره نظري لا قيمة له.
الإنسان عبد محبوبه كائناً من كان؛ كما قيل: أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي. فكل من تعلّق بشيء صار عبداً له، فينبغي للإنسان أن يختار ما يستحق أن يكون عبداً له وأن يبذل حياته من أجله.
لن يترك الإنسان تعلقه بشيء إلا إذا انتقل إلى حب أعلى منه يملأ قلبه، فالقلب بطبيعته يؤثر أعلى المحبوبين. ولذلك لن يرسخ العبد في محبة الله حتى يعظم محبته في قلبه درجة يقدمها فيها على محبة من سواه.
يقتضي العقلُ تقديمَ أعلى المحبوبين، غير أن تطبيق ذلك يحتاج إلى أمرين: قوة الإدراك بأن يدرك العبد فعلًا أن الله أعلى من كل شيء في حياته، وشجاعة قلب وتصميم على اتخاذ قرار تقديم هذه المحبة عملًا لا نظرًا. وكثير من الناس يُقرُّون بالأول في الكلام لكنهم يُخالفونه في أحوال البلاء.
﴿ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾
حين قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: «أنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي»، أمره النبي بأن يكون أحبَّ إليه من نفسه. فذهب عمر وجلس مع نفسه يُعيد ترتيب أولويات المحبة بإدراك وبصيرة، ثم عاد في ساعات وقال: «أنت الآن أحب إليّ من نفسي». وهذا نموذج عملي على أن إصلاح الإدراك يعيد سلم المحبة.
«لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك»— صحيح البخاري
بعض الناس يعلم أن الله أهم لكنه يفتقر إلى الإرادة والتصميم على تقديم هذه المحبة. وعلاج هذا الضعف يكون بالتوبة المستمرة ومعالجة أسباب الضعف، بتقوية القرآن والذكر ومجالس العلم وصحبة الصالحين، والابتعاد عمَّا يذكِّر بالمعشوق الفاسد.
أصل الشر من ضعف الإدراك وضعف النفس ودناءتها، وأصل الخير من كمال الإدراك وقوة النفس وشرفها وشجاعتها. فالحب والإرادة أصل كل شيء ومبدؤه، والبغض والكراهة أصل كل ترك ومبدؤه، وهاتان القوتان في القلب هما أصل سعادة العبد وشقاوته.
يغلط أكثر الناس غلطًا قبيحًا إذ يقصدون حصول اللذة بما يُعقب عليهم أعظم الألم. فمن ينظر إلى الصورة المحرمة يُظن أنه يشفي قلبه، لكنه في الحقيقة يزيد مرضه ويُضاعف ألمه وحسرته، ثم تتكرر الجولة كلما غالط نفسه برجاء اللذة من جديد.
من خصائص العقل الإنساني التفكير في عواقب الأفعال قبل الوقوع فيها. لذا ينبغي قبل الإقدام على أي حرام أن يتوقف المرء ويتخيل مشاعره بعد المعصية، لأن النظر في العواقب يُعينه على حزم النفس والإحجام عن الحرام ابتداءً، لا بعد إشعال الشهوة حين يصعب التراجع.
أعقل الناس من آثر لذته وراحته الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة، وأسفه الخلق من باع نعيم الأبد بلذة مشوبة بالآلام سريعة الزوال. وطريق العقلاء جميعًا في دفع الهم والغم عنهم طريق واحد غايتُه السعادة، وإن اختلفت الطرق في الوصول إليها.
الأمور في الحياة أربعة: مكروه يوصل إلى مكروه (لا يفعله عاقل)، ومكروه يوصل إلى محبوب (كالجهاد)، ومحبوب يوصل إلى محبوب (كالطعام الحلال والنكاح)، ومحبوب يوصل إلى مكروه (كالمعاصي). ومعترك الابتلاء هو الموازنة بين القسمين الأخيرين.
﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾
عبودية البشر تختلف عن عبودية الملائكة، فعبودية الملائكة فطرية جُبلوا عليها لا ينازعهم فيها داعٍ، أما عبادة الإنسان فتقوم على مقاومة الشهوات وقهرها لله. فالعبد الذي يغلب شهوته تغليبًا لمقام الله أعلى عند الله منزلةً من الملك، لأنه أتى بالطاعة بعد مجاهدة.
﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ﴾
في أشد لحظات اشتعال الشهوة وتحكم سلطانها ينبغي تصبير النفس بقول: «يا نفس اصبري فما هي إلا ساعة ثم تنقضي». فإن النصر صبر ساعة، والفتن محيطة بنا لكن الصبر المؤقت على ألم الكف أيسر بكثير من ألم الحسرة وعذاب الآخرة.
الحركات ثلاثة: اختيارية إرادية، وطبيعية، وقسرية. وجميع حركات الكون الطبيعية تنتهي إلى الله وتسبح بحمده. أما الإنسان فقد أُعطي حركة اختيارية؛ والأصل أن يصبَّها في اتجاه الله ليوافق الحركة الطبيعية للكون، فإذا أعمل اختياره في طاعة الله كان أفضل من الملائكة، وإن خالف أُوخذ.
إذا ارتكب الإنسان الحرام الذي يضره فإما أن يكون جاهلاً بضرره، أو عالماً لكن غلبت الشهوة عقله. وثمة صنف ثالث يعتمد على رحمة الله فيتجرأ على المعصية، وهو ما سماه ابن القيم الاغترار بستر الله.
كثيرًا ما يجتمع في الإنسان شهوة دافعة نحو الحرام وشبهة يختلقها لتبريره، فتتساند الشههوة والشبهة على جيش العقل والإيمان، والغلبة لأقواهما. ولهذا يصنع طالب الوصول إلى الحرام مئة مبرر ليبرر فعله.
ذكر ابن القيم ثلاثة عشر سببًا تجعل الوقوع في الزنا متيسراً ليوسف عليه السلام: من شباب وعزوبة وغربة وجمال المرأة وطلبها وتدبيرها وتهديدها وانفراده في بيتها وغير ذلك. ومع ذلك كله آثر مرضاة الله واختار السجن على الزنا، مما يبطل كل عذر اليوم بكثرة الفتن.
﴿ قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ﴾
ركّب الله في طبع الرجل الميل نحو المرأة كما يميل العطشان إلى الماء، وهذا ليس عيباً بل هو مقتضى الفطرة الذي تبنى عليه أحكام الشريعة وتقوم به الأسرة والتناسل. والمذموم هو إطلاق هذه الشهوة في الحرام لا أصلها.
التقارب المستمر والمنتظم بين الجنسين في أماكن العمل والجامعات هو من أقوى الدواعي التي تؤدي إلى الوقوع في المحرمات؛ لأن الأُنس يسبق الطلب، وكلما طال الوقت وتكرر اللقاء انكسرت الحواجز. وهذا يفسّر تحريم الاختلاط المنظم المستدام دون العارض.
العشق ثلاث مراتب: الابتداء وهو خفيف يسير، ثم التوسط حين يبدأ الألم، ثم مرحلة الانتهاء وهي مرحلة الهلاك. فإن لم يدافع الإنسان خطرات عشقه من البداية انتقل تدريجياً إلى المرحلة الثانية ثم الثالثة. ووقوف الأمر عند مرحلة الابتداء ممكن بالمدافعة الحازمة.
العشق حال من الهيمان تُفقد الإنسان السيطرة على نفسه ويريد الوصول إلى المعشوق بأي ثمن كان، كالمدمن الذي يقتل أبويه من أجل ثمن جرعة مخدر. وكل هذه المصائب من القتل والظلم والسرقة والكفر هي ضريبة نظرة أحدثت في القلب البلابل.
«باختصار العشق مثل المخدرات اخواني تعرف المخدرات لما الشخص ما ياخذ الجرعه كيف يمكن يقتل ابوه وامه واهل بيته من اجل يحصل المال ليشتري جرعه المخدرات هذا هو العشق»
أول أسباب العشق استحسانٌ يتولّد عادةً عن النظر في الرجل وعن السماع في المرأة. فإن لم يقترن بطمع في الوصال لم يتمكن العشق من القلب، وإن انضمّ إليه إدامة النظر والتفكير في محاسن المعشوق تمكّن العشق واستحكم. فالحل: قطع النظر ابتداءً وإياس النفس من الوصال.
من وسائل دفع العشق قبل استحكامه: الخوف الديني بالتفكر في العواقب وفي لقاء الله والنار، فإن أفاد ذلك صرف العشق سريعاً. فإن لم ينفع الوازع الديني فقد ينفع الوازع الدنيوي كالخوف من إتلاف الجاه والمرتبة ومشاريع الحياة. ومن الأسباب أيضاً الانشغال بهمة عالية ومشروع كبير.
«فاذا انت ذكي فانتبهت الى ما هو اعظم ونظرت في العواقب والى لقاء الله والى جهنم لربما هذه الافكار الدينيه كما قال تساعدك على طرد فكره العشق ومعالجته سريعا»
الشاب الذي يضع لنفسه مشروعاً في الحياة ويسعى إلى هدف سامٍ يستطيع دفع داعي العشق بسهولة أكثر من غيره، لأن العشق يشغله عن مشروعه وغايته فيسعى لطرده. أما الشاب الفارغ البطّال فالعشق يستحكم من قلبه بسرعة لأنه لا مشروع يصونه.
عشق عمر بن عبد العزيز جاريةً لزوجته وكان محروماً منها، فلما وُلّي الخلافة أهدته زوجته إياها، فلما أُخبر بأصلها المشبوه من مال الحجاج رفضها ورأى أنها من حق ورثة أصحابها الأصليين فردّها إليهم. ثم لما عُرضت عليه بالشراء الحلال امتنع قائلاً: لست ممن نهى النفس عن الهوى، يريد بذلك تربية نفسه على ترك ما تهوى.
لو قُبل تسمية قتيل العشق شهيداً على أثر ابن عباس فذلك مشروط بأن يكون قادراً على الوصول إلى الحرام ومع ذلك آثر مراضي الله فتركه، فصبر لله وكتم لله وعفّ لله. أما من كانت الظروف تمنعه من الوصول أصلاً فليس في موضع هذا الشرط.
﴿ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ﴾
«وهذا لا يكون الا مع قدرته على معشوقه انا متى اعتبر شهيد العشق هذا الذي يتكلم عنه انما هو الذي يستطيع الوصول اليها وممارسه الحرام معها لكنه اختار مراد الله»
اللذات ثلاثة أنواع: لذة تُوصل إلى لذة الآخرة فهذه أعظمها وأكملها، ولذة تمنع لذة الآخرة وتعقب ألماً فهذه مذمومة ومحرمة، ولذة لا تُعين ولا تمنع فهذه المباحة التي ينبغي ألا يطول بها المكث. وأعظم لذات الدنيا المُوصِلة إلى الآخرة هي لذة معرفة الله ومحبته.
﴿ يا/قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار ﴾
«فلذه معرفه الله سبحانه وتعالى ولذه محبته فان ذلك هو ما هو اللذه الدنيويه التي توصلك الى اللذه الاخرويه اعظم لذه دنيويه توصلك الى اللذه الاخرويه هي لذه ان تعرف الله في الدنيا ولذه ان تحب الله في الدنيا»
محبة الزوجات من الفطرة وكمال الإنسانية ولا تتعارض مع محبة الله بل امتنّ الله بها على عباده وجعل المرأة سكناً للرجل. والنبي صلى الله عليه وسلم قال «حُبِّب إليّ من دنياكم النساء والطيب»، وحُبّ النساء من كمال الإنسان، والمذموم هو التبعات المحرمة لا أصل الميل الفطري.
﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾
من علاجات الفتنة بالنظر إلى الأجنبية للمتزوج أن يأتي زوجته، فإن ذلك يرد ما في نفسه من التعلق بتلك الصورة. وفيه أيضاً أن الزوجة مطلوب منها أن تتزين لزوجها وتُعينه على ذلك، وفيه الإرشاد إلى التسلي عن المطلوب بجنسه من الحلال.
«إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه»— ذكره في السياق
«انه راى امراه فاتى زينب فقضى حاجته منها وقال ان المراه تقبل في صوره شيطان وتدبر في صوره شيطان فاذا راى احدكم امراه فاعجبته فليات اهله فان ذلك يرد ما في نفسه»
العشق ثلاثة أقسام: الأول محمود وهو عشق الرجل زوجته أو جاريته فهو نافع يدعو إلى مقاصد النكاح ويكفّ البصر والقلب عن التطلع. والثاني مقت من الله وهو عشق المردان. والثالث مباح وهو ما وقر في القلب من غير قصد كنظرة الفجأة التي أوجبت عشقاً دون معصية.
العشاق ثلاثة: من يعشق الجمال المطلق دون قيد فهذا أوسعهم قلباً وأضعفهم ثباتاً وأسرعهم نسياناً ويُخدع به كثير. ومن يعشق الجمال المقيد بمواصفات سواء أمكن الوصال أم لا فهذا أثبت. ومن لا يعشق إلا جمالاً مقيداً يطمع في وصاله فهذا أعقل العشاق وأعرفهم بنفسه.
الإنسان المبتلى بعشق ويصبر على الهوى ولا يقارب حراماً هو في جهاد حقيقي في سبيل الله، ليس سهلاً أن يصبر على العشق دون ارتكاب محرم. وقد قيل إنه من أحق من دخل تحت قوله تعالى «وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى».
﴿ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ﴾
«الانسان العاشق الذي يصبر ولا يرتكب الحرام ويصبر على الهواى ويرفض اي شيء معصيه نعم نسال الله ان يغفر له بسبب ماذا هذا الصبر لانه حقيقه ليس سهل ان تصبر على العشق ولا تقارب حراما جهاد في سبيل الله»