الدعاء هو الدواء الثاني بعد القرآن لعلاج الذنوب والمعاصي؛ وهو عدو البلاء يدفعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل. ومن أقوى الأدعية لمن ابتُلي بإدمان النظر للحرام: «رب اصرف عني السوء والفحشاء»، مأخوذًا من قصة يوسف عليه السلام.
﴿ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ﴾
من موانع إجابة الدعاء أن يكون الدعاء ذاته غير مشروع، كالدعاء على الأولاد والأقارب، أو الدعاء على النفس بالشر؛ فهذا دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان فلن يجيبه الله. والدعاء المشروع هو الذي يجمع القلب على الله بحضور وصدق.
من موانع إجابة الدعاء أن يدعو الإنسان بقلب لاهٍ غافل؛ فمن يدعو وهو يفكر في الدنيا وأشغاله فذلك ليس دعاءً بل هو لعب. الدعاء المقبول هو الذي يكون بقلب حاضر، يستحضر فيه الداعي فاقته ومسكنته ويتضرع بين يدي الله. قال النبي: «اعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل».
«ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل»— مستدرك الحاكم، حديث أبي هريرة
من موانع إجابة الدعاء أكلُ الحرام؛ فالله طيب لا يقبل إلا طيبًا. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء «يا رب يا رب» ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، فقال: «فأنى يُستجاب لذلك». وقال أبو ذر: «يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعامَ من الملح».
«إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا... ومطعمه حرام ومشربه حرام فأنى يستجاب لذلك»— صحيح مسلم، حديث أبي هريرة
«يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح»— قول أبي ذر رضي الله عنه
من موانع إجابة الدعاء رينُ الذنوب والمعاصي على القلب؛ فإذا صارت الذنوب طبقة سوداء على القلب ضعُف أثر الدعاء وتضعف الاستجابة. ولذلك ينبغي للمبتلى بالذنوب أن يبدأ بالاستغفار والتوبة قبل الدعاء، ثم يسأل الله الأماني التي يطلبها.
للدعاء مع البلاء ثلاث مراتب: الأولى وهي الأعلى أن يكون الدعاء أقوى من البلاء فيمنع نزوله ابتداءً. الثانية أن يكون الدعاء أضعف من البلاء فينزل البلاء لكن الدعاء يخفف من أثره. الثالثة أن يتقاوما ويمنع كل منهما صاحبه.
«لا يغني حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل»— الحاكم في مستدركه، حديث عائشة
«لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر»— حديث ثوبان
يُشكل على بعض الناس كيف يرد الدعاء القدر، والجواب أن الدعاء نفسه قدر؛ فالله يعلم في علمه السابق أن العبد سيدعو، فيأمر الملك بأمر ثم يأتي دعاء العبد الصاعد فيعالج ما أُمر الملك بتنفيذه. وقال عمر رضي الله عنه: «أنا لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم السؤال»، أي إذا وُفِّق للدعاء فهذا دليل على أن الله يريد أن يعطيه.
من أنفع الأدوية في علاج إدمان المعاصي الإلحاحُ في الدعاء والمداومة عليه؛ فالدعاء كبذرة تحتاج إلى سقي يوم بعد يوم لتثمر، ولا تتوقع الإجابة من أول دعوة. والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستعجال قائلًا: «لا تعجزوا في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد».
«من لم يسأل الله يغضب عليه»— ابن ماجه، حديث أبي هريرة
«لا تعجزوا في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد»— الحاكم، حديث أنس
«يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي»— البخاري، حديث أبي هريرة
ذكر ابن القيم ستة أوقات تكون الاستجابة فيها أسرع: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبة، وعند صعود الإمام على المنبر يوم الجمعة حتى تُقضى الصلاة، وآخر ساعة من عصر يوم الجمعة. وينبغي للمسلم أن يحرص على الدعاء في هذه الأوقات.
جمع ابن القيم آداب الدعاء المؤثرة في تحقيق الإجابة: حضور القلب وجمعيته على المطلوب، والانكسار بين يدي الله، واستقبال القبلة، والطهارة، ورفع اليدين، وتقديم حمد الله والثناء عليه، ثم الصلاة على النبي، ثم التوبة والاستغفار، ثم سؤال الله بأسمائه الحسنى، وتقديم الصدقة قبل الدعاء.
التوسل الصحيح المشروع هو التوسل بالأسماء الحسنى والصفات العُلا، أو بالأعمال الصالحة؛ أما التوسل بذوات البشر والمخلوقين فلا حاجة إليه وليس من صنيع السلف الصالح. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن اسم الله الأعظم في آيات من القرآن.
«اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد... لقد سأل الله بالاسم الذي إذا سُئل به أعطى»— السنن وصحيح ابن حبان، حديث عبد الله بن بريدة
«ألظوا بـ يا ذا الجلال والإكرام»— الحاكم في مستدركه، حديث أبي هريرة وأنس وربيعة
قد يدعو إنسان عند قبر رجل صالح في حالة اضطرار فيُستجاب له، فيظن الجاهل أن السر للقبر، والصواب أن السر لاضطرار الداعي وصدق لجئه إلى الله لا لصاحب القبر. والله سبحانه قد يجيب دعاء الكافر المضطر فما بالك بالمسلم المبتدع؟ ولو ذهب إلى مسجد بدلًا من القبر لكان ذلك أحب إلى الله.
﴿ هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ﴾
دعاء يونس عليه السلام «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» خصَّه أهل العلم بدعاء تفريج الهموم والكرب؛ قال النبي: «إنه لم يدعُ بها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له». وقوله تعالى «وكذلك ننجي المؤمنين» دليل على أن هذا الدعاء ليس خاصًّا بيونس بل هو لعموم المؤمنين.
﴿ وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾
«دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، إنه لم يدعُ بها مسلم إلا استجاب الله له»— الترمذي وصحيح الحاكم، حديث سعد بن أبي وقاص
من أهم الأدعية التي ينبغي للمسلم حفظها وتعلُّمها: «اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ في حكمك عدل في قضاؤك أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدًا من خلقك... أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي»؛ فمن دعا به أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحًا.
«ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك... إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحًا»— مسند الإمام أحمد، حديث ابن مسعود
كثيرًا ما يُستجاب لشخص بدعاء فيتناقله الناس على أنه ذو أثر سحري في ذاته، لكن أثره الحقيقي كان لحضور قلب صاحبه وصدق لجئه، لا للفظه المجرد. فإذا أخذ آخرون نفس الصيغة دون تلك العوامل لم تؤثر فيهم، كما أن الدواء الحسي إذا أُخذ بغير وجهه الصحيح لم ينفع.
بيّن الشيخ أن أساس علاج المعاصي والذنوب هو الأدوية الشرعية المتمثلة في ثلاثة أسلحة: القرآن والذكر والدعاء، وأن ابن القيم أولى بيانها والتفصيل في كيفية استعمالها بصورة صحيحة لأن كثيراً من الناس يستخدمها دون أن ينتفع بها.
شبّه ابن القيم الأدعية والتعوذات بالسلاح، مبيناً أن السلاح لا ينفع وحده بل يحتاج إلى ساعد قوي يضربه، وكذلك القرآن والدعاء لا يُنتجان الشفاء إلا إذا اقترنا بقوة إيمان القارئ والداعي وصدق اعتقاده بنجاعة هذا الدواء.
الشرط الأول للاستشفاء بالقرآن والدعاء هو أن يكون المحل قابلاً لهذا الدواء، فمما يمنع القبول: أن ينبت الجسد من حرام، وأن تُستخدم الجارحة المبتلاة في الحرام، وعدم اختيار الآية أو الدعاء المناسب لطبيعة الداء.
«قبول المحل ان يكون المحل الذي تقرا عليه القران او المحل الذي تدعو الله سبحانه وتعالى له او تذكر الله عليه ان يكون هذا المحل يقبل ماذا هذا الدواء الشرعي»
الشرط الثاني للاستشفاء بالقرآن هو حجم الثقة العالية من القارئ والداعي بنجاعة هذا الدواء، فكلما كانت الثقة أقوى كان الشفاء أقرب، وكلما كان القلب مزعزعاً في هذه المسألة كان ذلك سبباً في تأخر الأثر.
الشرط الثالث للانتفاع بالأدوية الشرعية هو الابتعاد عن موانع استجابة الدعاء، ومنها: الأكل الحرام، ورين الذنوب والمعاصي وما شابهها، فهذه الأمور قد تحرم الإنسان من بركة استشفائه بكتاب ربه.
من شروط الاستشفاء بالقرآن أن يكون الدواء مناسباً للمحل، أي أن يختار الإنسان الآيات والأدعية الملائمة لطبيعة مرضه، كما أن للنبي ﷺ في كل موضع من الصلاة ذكراً مخصوصاً يناسب ذلك الموضع.
طائفة من الناس تركت الدعاء بحجة أن المقدَّر كائن والدعاء لا يغيره، وهذا قول بدعي مخالف للكتاب والسنة، وابن القيم يردّ بأن من قال بذلك يلزمه تعطيل جميع الأسباب في حياته، إذ لو كان الشبع مقدراً بلا سبب لكان الأكل لاغياً، وهذا ما لا يقوله عاقل.
الناس يؤمنون بالأسباب الحسية إيماناً راسخاً ويضعف إيمانهم بالأسباب الشرعية، فيعتقدون يقيناً أن الطعام سبب في الشبع والماء سبب في الري، لكنهم لا يعتقدون بالدرجة ذاتها أن الدعاء سبب في الشفاء، ومن هنا دخلت الآفة على أكثر الناس.
طائفة ثانية قالت: نحن ندعو تعبداً لا لأن الدعاء مؤثر في الأقدار، وهذا قول بدعي أيضاً. فمن قال ذلك لا فرق عنده بين الدعاء والإمساك عنه في التأثير، وهذا كلام فاسد مخالف للكتاب والسنة.
بيّن ابن القيم أن الأشاعرة يجعلون الأسباب مجرد علامات وأمارات لا أسباباً حقيقية، فالطعام عندهم علامة على الشبع لا سبب له، وهذا كلام مخالف للحس والعقل والشرع والفطرة، حتى إنه أضحك العقلاء.
أجاب ابن القيم عن شبهة الدعاء والقدر بأن القسمة ثلاثية لا ثنائية: الأول قدر يحصل بلا سبب، والثاني قدر يحصل بمباشرة السبب، والثالث شيء لم يُقدَّر فلن يحصل سواء أتيت بالسبب أم لا. ومن أسباب القسم الثاني: الدعاء.
صرّح ابن القيم بأن الدعاء من أقوى الأسباب وأبلغها في حصول المطلوب، بل هو أقوى حتى من الأسباب الحسية لمن استوفى شروطه وآدابه. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يعلمون ذلك فكانوا أقوم به من غيرهم.
﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ﴾
قال عمر رضي الله عنه: «لا أحمل همّ الإجابة ولكن هم الدعاء»، لأن الله إذا قدّر للعبد أن يدعو فقد قدّر أن يُجيب. فالخوف الحقيقي ينبغي أن يكون من أن يُحرم الإنسان من رفع يديه بالدعاء، لا من أن لا يُستجاب له.
قرّر ابن القيم قاعدة عظيمة: من ألهمه الله الدعاء فقد أراد به الإجابة، لأن الله لو لم يُرد إعطاءه لما وفّقه لمباشرة سبب الدعاء. فإذا ألهمك الله رفع يديك فاعلم أنه يريد أن يُعطي بعطائه الواسع.
قرّر ابن القيم أن الفقيه الكامل هو من يدفع القدر بالقدر، فيباشر الأسباب التي وضعها الله لدفع الأقدار السيئة: يدفع قدر المرض بالدواء، وقدر الجوع بالطعام، وقدر البلاء بالدعاء. ولا يجوز الاستسلام للأقدار السيئة بحجة التوكل.
أورد ابن القيم حديث أبي هريرة: «من لم يسأل الله يغضب عليه»، مبيناً أن الله يعكس ما يفعله البشر تجاه السؤال؛ فالإنسان يُغضبه كثرة السؤال، أما الله فيغضب إذا تُرك سؤاله ولجأ العبد إلى غيره.
«من لم يسال الله يغضب عليه»— سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة
من أشد عقوبات الذنوب أنها تستدعي نسيانَ الله للعبد وتركَه وتخليتَه بينه وبين نفسه وشيطانه، وعند ذلك يكون الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة. ولهذا كان من أعظم أدعية السلف: «اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين».
﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ﴾
ضعف القلب بالذنوب ينتهي إلى ثمانية أمراض استعاذ منها النبي ﷺ، وهي: الهمّ وهو الخوف من المستقبل، والحزن وهو الألم على الماضي، والعجز وهو انعدام الإقبال على الخير أصلًا، والكسل وهو ترك الخير مع القدرة عليه، والجبن وهو حرمان الناس من نفع بدنك، والبخل وهو حرمانهم من مالك، وضَلَع الدين وهو ذل الاستدانة، وقهر الرجال وهو الذلّ من تطاول الناس بالباطل.
«اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وقهر الرجال»— حديث الاستعاذة
الله سبحانه غني عن الوسطاء والشفعاء لكمال علمه وقدرته ورحمته، بخلاف ملوك الأرض الذين يحتاجون إلى وسطاء لضعف علمهم وإطلاعهم. فإدخال الوسائط بين الله وخلقه نقص في حق ربوبيته وألوهيته وتوحيده، وتشبيه له بضعفاء المخلوقين.
﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ﴾
الله سبحانه يحب أن يدعوه العبد مباشرةً بلا واسطة، بل يغضب إذا لم يُسأل ولم تُرفع إليه الأيدي، وهذا عكس طبع ملوك الأرض الذين يغضبون إذا أُلح عليهم. فالدعاء المباشر هو منهج القرآن والصحابة والسلف.
﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ﴾
ربط ابن القيم بين حديث الهم والغم الذي فيه «ماضٍ في حكمك عدل في قضائك» وبين قول هود عليه السلام «إن ربي على صراط مستقيم»، مبيّنًا أن الحديث مشتق من هذه الآية في إثبات عدل الله في حكمه الأمري والكوني معًا.
﴿ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ﴾
علاج العشق المحرم يقوم على أربعة محاور: معرفة التوحيد ومقتضياته، والإكثار من العبادات الظاهرة والباطنة، واللجأ إلى الله بالدعاء الصادق للشفاء، وقطع أسباب التعلق وجذوره مهما كلّف ذلك.