أصعب البلاء الذي يمكن أن يبتلي الله به العبد هو أن يبتعد قلبه عن الله، وأن يُحرم الأنسَ بالله واللذةَ عند ذكره. وهذا أشد من كل بلاء حسي، كما دل عليه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي»، فكل بلاء يهون إذا كان العبد في رضا الله.
«اللهم اني اشكو اليك ضعف قوتي وقله حيلتي ... ان لم يكن بك غضب علي فلا ابالي»
استدل ابن القيم بأن إبراهيم الخليل عليه السلام سأل الله أن يريه كيف يحيي الموتى مع علمه بقدرة الرب على ذلك، وهذا دليل على طلب زيادة الطمأنينة بتحويل المعلوم الغيبي إلى شهادة. فالإنسان الطبيعي هو الذي يبحث عن عوامل قوة الإيمان ويباشرها.
﴿ وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم ﴾
من أبرز ما يُعين الإنسان على ترك الذنوب والمعاصي أن يخلق في نفسه دوافع قوية من خلال معرفة ما وعد الله به من الحفظ والرعاية لمن حفظ حدوده. فالإنسان العاقل إذا عرف أن تركه للمعصية سيُورثه حفظ الله الكامل الشامل في الدنيا والآخرة، وأن الإدمان عليها سيُورثه الخذلان والنسيان الإلهي، أقدم على الترك وإن كان صعباً.
من أشد آثار المعاصي الأثرُ النفسي الوجداني وهو الوحشة بين العبد وربه؛ فيشعر بانقطاع القلب عن الله وبفراغ داخلي لا يملأه إلا صحيح العلاقة بالخالق. وهذه الوحشة وحدها كافية لترك الذنوب لمن تأمّلها.
عمر الإنسان الحقيقي هو مدة إقباله على ربه والتنعم بحبه وذكره وإيثار مرضاته. وما سوى ذلك من الحياة فغير محسوب. قال ابن القيم: 'وسر المسألة أن عمر الإنسان مدة حياته ولا حياة له إلا بالإقبال على ربه'.
الله سبحانه أشد غيرةً من أن تُنتهك محارمه، كما ثبت في الصحيح (ما أحدٌ أغير من الله)، لكن غيرته لا تجعله يستعجل بالعقوبة؛ بل يُحب أن يعتذر إليه عبده ويُرسل الرسل ويُنزل الكتب إعذاراً وإنذاراً، وهذا غاية المجد والإحسان.
«ما أحدٌ أغيرُ من الله، يا أمة محمد ما أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته»— الصحيحان
من لطيف الفوائد أن من وافق الله في صفةٍ من صفاته التي أذن لنا في التخلق بها كالرحمة والغيرة والحياء والجمال قادته تلك الصفة إليه بزمامها وأدنته منه وقرّبته من رحمته. وهذا يدل على أن الطريق إلى الله هو التخلق بأسمائه وصفاته في الحدود المأذون بها.
من أجمل ما أورده ابن القيم: «من كل شيء إذا ضيّعته عوض، وما من الله إن ضيّعت من عوض». فكل ما يُفقد في الدنيا يمكن تعويضه إلا الله؛ فإنه يُغني عن كل شيء ولا يُغني عنه شيء، ويُجير من كل شيء ولا يُجار منه شيء.
من خالف هواه وترك المعصية حين تكون على باب الدار نال جنة في قلبه في الدنيا قبل الآخرة، وهي سعادة القلب وراحته وطمأنينته. وهذه الجنة لا يعرف قيمتها إلا من جرّب أن تكون المعصية قريبة منه ثم تركها لله. وقد نبّه ابن القيم أن آية: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ تشمل جنة الدنيا قبل الآخرة.
﴿ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ﴾
بيّن ابن القيم عظم الغبن في حق من يُفرّط في صفقة الله؛ إذ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، والضامن لهذا البيع رسول الله ﷺ. فمن يُفرّط في هذه الصفقة العليا من أجل لذة ساعة أو مسلسل أو مال حرام فقد غبن كل الغبن وباع ثمينًا بخسيس.
﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ﴾
كل شيء يفوت العبد يمكن أن يُعوَّض عنه: الدينار والزوجة والسكن. لكن إذا فاته الله فلا شيء يعوض عن الإله في حياة الإنسان وقلبه وروحه؛ وكيف يعوّض الفقير بالذات عن الغني بالذات؟ وكيف يعوّض العاجز عن القادر بالذات؟ وحياة الإنسان الحقيقية بحياة قلبه وروحه.
اشترى الله من المؤمنين أنفسَهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وأكّد هذا الوعد في أشرف كتبه: التوراة والإنجيل والقرآن. ومَن أراد معرفة قدر هذه الصفقة فلينظر إلى المشتري وهو الله، وإلى الثمن وهو الجنة.
﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ﴾
أصعب عقوبة يتعاقبها الإنسان في الحياة هي أن يتخلى الله عنه ويتركه؛ إذ تخلّي الله معناه تركه وخذلانه وعدم إرشاده إلى ما فيه خيره وصلاحه. فإذا تخلى الله عن العبد إلى من سيستند في البلاء وعند الخطوب؟ والمؤمن إنما يعيش بعلاقته بالله.
من القواعد الإيمانية العظيمة التي تقوم عليها حياة الإنسان: احفظ الله يحفظك، تعرّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة. فالذي يختبر بحال الأمن والرخاء ولا يبني علاقته بالله ضائع؛ إذ الحياة تتقلب وسيأتي يوم يحتاج فيه إلى الفزع إلى الله.
يرى ابن القيم أن قطع موادّ الإيمان عن القلب هو من أشدّ العقوبات القلبية، إذ تشمل هذه المواد: الأنس بالله، والاعتماد عليه، ومعرفته، والشعور بالتعلق به. فإذا قطع الله هذه الحبال عن قلب العبد، مات القلب موتًا معنويًا، ولا فائدة في قلب ينبض بالمعاصي والشهوات المحرمة.
يشرح ابن القيم سرّ استهلال الملائكة دعاءهم بـ«ربنا وسعت كل شيء رحمةً وعلمًا»: فسعة علمه تعني أنه يعلم ضعف البشر وأسباب ذنوبهم واستيلاء الشيطان عليهم وفتن الدنيا، وسعة رحمته تعني أنه لا يُهلك أحدًا من المؤمنين لأن رحمته وسعت كل شيء.
﴿ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ﴾
يُوضّح الشيخ أن وعد الله بجنات عدن وعدٌ مشروط بالأسباب لا مطلق، وأن الإنسان لا يدخل الجنة استحقاقًا مجردًا بل برحمة الله. ومن جملة الأسباب الموصلة إلى الجنة: الأعمال الصالحة، ودعاء الملائكة، وتوفيق الله.
﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم ﴾
يُركّز الشيخ على أن الحياة الحقيقية للقلب ليست في إشباع الشهوات والمال، بل في اتصاله بالله ومعرفته والأنس به والاعتماد عليه. وقد أشار القرآن إلى أهل الكفر بـ«الموتى» لأن قلوبهم ميتة، وإن كانت أجسادهم حية.
﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ﴾
أصحاب القلوب الحية الذين كُشف لهم الغطاء يأنسون بذكر مولاهم وينقطعون لمناجاته، بل يُحبون الخلوات على الجلوات مع الناس؛ أما من تكاثفت الذنوب على قلبه فتجده يشعر بالحاجة إلى المخلوقين ولا يستطيع الجلوس وحده.
من استأنس بالله وقرّت عينه به في الخلوة أقذف الله محبّته في قلوب الناس فيجدون الراحة معه؛ أما من لا تقرّ عينه بالله ولا يستأنس به فستتقطع نفسه على الدنيا حسرات وسيكون حريصاً عليها خائفاً من زوالها.
الله تعالى جعل الحياة الطيبة لمن آمن وعمل صالحاً، وضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء في الدنيا بالحياة الطيبة وفي الآخرة بالجزاء الأحسن؛ فهم أحياء في الدارين بنعيمهم القلبي والأخروي.
﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾
كل لذات الدنيا من نساء وسيارات وأموال وقصور لها فترة محدودة ثم تبلى رونقها، بخلاف لذة الأنس بالله وذكره فإنها تبقى تتجدد في كل حين ولا تبلى؛ ولو علم الملوك وأبناء الملوك ما فيه أهل الإيمان من السعادة القلبية لجالدوا عليها بالسيوف.
نُسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال في سجنه: تمرّ في القلب ساعات من الأنس بالله ولذة المناجاة، ما لو كان أهل الجنة في مثل هذه السعادة لكفى به نعيماً؛ مما يدل على أن نعيم الأنس بالله أرفع مقاماً من الأحوال المادية.
«نسب ان شيخ الاسلام بن تيميه رحمه الله عليه قاله في سجنه قال تمر في القلب ساعات من الانس بالله وانس ولذه المناجاه ما لو كان اهل الجنه في مثل هذه السعاده التي انا فيها الان لقلت انه لنعيم عظيم»
قال بعض العلماء: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة» ويريدون بها جنة الأنس بالله؛ وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى مفهوم هذه الجنة بقوله «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» وسمّاها حلق الذكر ومجالس العلم.
«إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر»
يُفسّر ابن القيم قوله تعالى «إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم» بأنه ليس مقصوراً على يوم المعاد فحسب، بل هو حقيقة في الدنيا والبرزخ والآخرة؛ فالمؤمن في نعيم القلبي في الدنيا، والكافر في جحيم الخوف والقلق والاكتئاب.
التوحيد هو أعظم ما يقاتل ويُصال به، وليس بقومية ولا وطنية ولا عروبة من الرايات العمياء. وكلّما اختلّ التوحيد في حياة الأمة تأخّر نصرها، وكلما تحقّقت معاني التوحيد اقترب النصر. لذلك على المسلم أن لا تأخذه العاطفة فيُقدّم الاعتبارات الأخلاقية والسلوكية على الأمور العقدية التوحيدية.
من صور الشرك الأكبر في المعاملة أن يُحبّ الإنسان مخلوقًا كما يُحبّ الله، أو يخافه كما يخافه، أو يرجوه كما يرجوه فيجعله شريكًا لله في هذه الأعمال القلبية. وهذا الشرك لا يغفره الله، قال تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله).
﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ﴾
العبادة في حقيقتها هي غاية الحب مع غاية الذل، فمتى أعطيت شيئًا كمال الحب والخضوع فقد عبدته. وهذا يختلف عن تعريف ابن تيمية للعبودية الذي هو أشمل؛ إذ التعريف الدقيق للعبادة ذاتها هو هذان الركنان: كمال المحبة وكمال الذل.
تتفاوت منازل الخلق في مقام العبودية لله بحسب تفاوتهم في ركني الحب والذل؛ فمن كان أكثر حبًا لله وأكثر خضوعًا له كان أكثر تعبدًا، وكلما ضعف أحد الأصلين في القلب تجاه الرب ضعفت درجة العبودية.
من غضّ بصره عن محاسن امرأة لله أورث الله قلبه حلاوة الإيمان إلى يوم يلقاه. وهذا الأثر من أعظم الدوافع التي تعين الإنسان على الصبر عن الحرام في زمن كثرت فيه الفتن واستعرت فيه أسباب الوقوع في المعاصي.
خلاصة ما تدندن عليه كتب السلوك والتزكية يقوم على ثلاثة محاور: معرفة الله بجماله وجلاله وكماله فكلما ازددت به معرفةً ازددت به حباً، ومعرفة النفس بعجزها وضعفها وفاقتها إلى الله، وإزالة الحجب التي تمنع الوصول إليه وهي المعاصي والذنوب. فمن أحكم هذه المعاني وصل إلى الله ومن قصّر في أحدها بَعُد عنه بقدر تقصيره.
بيّن ابن القيم أن أعلى أنواع الخطرات وأجلها ما كان لله والدار الآخرة، وفصّل أنواعها الخمسة: التفكر في آيات القرآن وتدبرها، والتفكر في الآيات الكونية المشهودة والاستدلال بها على أسماء الله وصفاته، والتفكر في آلاء الله وإحسانه ونعمه، والتفكر في عيوب النفس وآفاتها، والتفكر في واجب الوقت ووظيفته.
الأنواع الثلاثة الأولى من التفكر في الله (التفكر في آياته المسطورة، وآياته المشهودة، وآلائه ونعمه) تستخرج من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه، ودوام التفكر في ذلك مع الذكر يصبغ القلب في المعرفة والمحبة صبغةً تامةً تصرف عنه الخطرات الرديئة.
قاعدة مستخلصة من قول أهل السلوك: أي شيء جاء على قلب فارغ تمكّن منه، فما هو أسبق إليك هو الأعمق أثراً. فإن سبق حب الله إلى قلبك تربّع على عرشه فلم تجد التعلقات المحرمة موضعاً، وإن سبقت التعلقات المحرمة ملأت القلب فلم يجد حب الله مكاناً.
الطريق الثاني للوقاية من العشق الحرام هو اشتغال القلب بخوف مُقلق أو حب مُزعج. فمتى خلا القلب من خوف فوات الجنة أو من خوف دخول النار، أو من محبة الله التي تشغله عن الصور السفلية، لم يجد بداً من عشق الصور.
لتقوية الخوف المُقلق والحب المُزعج ينبغي: القراءة في نعيم الجنة وعذاب النار، والتعرف على الله وصفاته، وتدبّر القرآن بوعي وفهم، وقراءة السيرة النبوية وسير العلماء والسلف، وحضور مجالس العلم. فالقرآن أعظم ما يورث هذين الأمرين بشرط التدبّر.
قرّر ابن القيم أنه لا يمكن أن يجتمع في القلب حبّ الله وعشق الصور؛ فهما ضدّان لا يتلاقيان. فمن كانت قوة حبّه كله للمحبوب الأعلى صرفه ذلك عن محبة ما سواه، ومن تعلّق قلبه بصورة سفلية فاعلم أن محبة الله في قلبه ضعيفة جداً.
من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه الله بمحبة غيره فيعذَّب بها في الدنيا والبرزخ والآخرة؛ فإما أن يُعذَّب بمحبة الأوثان أو الصلبان أو المردان أو النسوان أو الأموال وغيرها. وكل من تعلّق بشيء فهو عبد له.
﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ﴾
الإنسان عبد محبوبه كائناً من كان؛ كما قيل: أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي. فكل من تعلّق بشيء صار عبداً له، فينبغي للإنسان أن يختار ما يستحق أن يكون عبداً له وأن يبذل حياته من أجله.
العبادة هي الحب مع الخضوع والذل للمحبوب، والتعبد هو آخر مراتب الحب. فمن أحبّ شيئاً وخضع له فقد تعبّد قلبه له، لأن التعبد يعني الذل والانقياد التام لمن يُحبّ.
للحب مراتب تتصاعد: العلاقة، ثم الصبابة، ثم الغرام (وهو لزوم الحب للقلب)، ثم العشق (وهو إفراط المحبة)، ثم الشوق (وهو سفر القلب إلى المحبوب)، ثم التتيم (وهو التعبد). وكلمة الغرام جاءت في قوله تعالى: إن عذابها كان غراماً أي ملازماً.
﴿ والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ﴾
الشوق إلى لقاء الله جائز بل محمود، وقد جاء في حديث عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو: «واسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة». والحياة الطيبة التي ذكرها الله في القرآن هي حياة الشوق لله والأنس بقربه.
﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾
الحياة الطيبة في قوله تعالى «فلنحيينه حياةً طيبة» ليست الحياة المادية من طعام وشراب ومال، بل هي حياة القلب والأنس بالله وجمع الهموم في مرضاته. وقد يزيد أعداء الله على أوليائه في المادة أضعافاً مضاعفة، فالمقياس شدة شوق القلب إلى الله.
﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾
تضمّن حديث الولاية أن أحبّ ما يتقرب به العبد إلى الله الفرائض ثم النوافل، وأن العبد لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبّه الله. فإذا أحبّه الله كان سمعه وبصره ويده ورجله، وهذه باء المصاحبة والمعية الخاصة لا باء الحلول.
«ما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها»— صحيح البخاري
قوله في الحديث «بي يسمع وبي يبصر» ليست باء الاستعانة المشتركة بين المؤمن والكافر، بل هي باء المصاحبة والولاية والمعية الخاصة التي تعني التأييد والتوفيق والصرف عن الخطأ، وهذا أعلى مقاماً. وباء المعية مفيدة لمعنى المصاحبة بخلاف لام الغاية.
متى كان العبد بالله هانت عليه المشاق وانقلبت المخاوف أماناً؛ فبالله يهون كل صعب ويسهل كل عسير ويقرب كل بعيد، وبالله تزول الهموم والغموم والأحزان. وإنما يجد الهمّ من فاته معنى هذه الباء.
العبودية في حقيقتها هي أعلى مراتب الحب والتعلق بالله، وهي الحرية الحقيقية لأنها تُطلق القلب من التعلق بكل المخلوقين وتُعبّده لمن يستحق هذا المقام. أما تصوير العبودية للناس على أنها مجرد تكاليف ومسؤوليات فهو تشويه لهذا المقام وإنقاص لجماليته.
﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ﴾
أصل الشرك بالله هو الإشراك في المحبة، إذ توزيع حب التعبد بين الله وغيره يجعل محبة الله ضعيفة ناقصة. والله لا يغفر أن يُشرك به في هذه المحبة، ولهذا كان الشرك أعظم الذنوب؛ لأنه تزاحم في مقام العبودية وتعلق القلب بغير الله.
﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ﴾
المحبة أربعة أنواع: محبة الله (ولا تكفي وحدها للنجاة)، ومحبة ما يحب الله (وهي التي تُدخله في الإسلام)، والحب في الله ولله (وهي من لوازم محبة ما يحبه الله)، والمحبة الشركية (وهي محبة شيء مع الله حب تعبد وتتيم). وهذه الأخيرة تخلّد صاحبها في النار.
من شروط وجدان حلاوة الإيمان ثلاث خصال: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار.
«ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار»— متفق عليه
الخُلَّة تتضمن كمال المحبة ونهايتها بحيث لا يبقى في قلب المحب سعة لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما. وقد اختص الله بهذه المرتبة الخليلَين إبراهيم ومحمدًا صلى الله عليهما، دون سائر الخلق؛ ولهذا جمع الله بينهما في ختام كل تشهد في الصلاة.
«إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا»
«لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن صاحبكم خليل الله»— الصحيح
لم يكن المقصود من أمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل الذبحَ الحسي الظاهر، وإنما المقصود ذبحه من القلب، بأن ينتزع الله من قلب خليله كل شكل من أشكال التعلق بغيره حتى ولو كان تعلق الأبوة الطبيعية، ليخلص القلب كله لله وحده. وهذا هو معنى قول ابن القيم: «غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره».
جاء الأمر بالذبح في المنام لا عن طريق جبريل مباشرةً؛ لأن الوحيَ المباشر يزيل كل منازعة نفسية، أما الرؤيا فتتيح للشيطان أن يوسوس ويُشكِّك، فيكون تنفيذ المأمور به أشدَّ ابتلاءً وأعظم امتحانًا. وقد بيَّن ابن القيم أن هذا ما جعل البلاء أشق على إبراهيم عليه السلام.
خطأ من يظن أن مرتبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أعلى من مرتبة إبراهيم لأنه «حبيب الله»، إذ المحبة عامة والخُلَّة خاصة وهي نهاية المحبة. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله اتخذه خليلًا كما اتخذ إبراهيم، ونفى أن يكون له خليل من البشر مع حبه لعائشة وأبي بكر وعمر وغيرهم.
لن يترك الإنسان تعلقه بشيء إلا إذا انتقل إلى حب أعلى منه يملأ قلبه، فالقلب بطبيعته يؤثر أعلى المحبوبين. ولذلك لن يرسخ العبد في محبة الله حتى يعظم محبته في قلبه درجة يقدمها فيها على محبة من سواه.
يقتضي العقلُ تقديمَ أعلى المحبوبين، غير أن تطبيق ذلك يحتاج إلى أمرين: قوة الإدراك بأن يدرك العبد فعلًا أن الله أعلى من كل شيء في حياته، وشجاعة قلب وتصميم على اتخاذ قرار تقديم هذه المحبة عملًا لا نظرًا. وكثير من الناس يُقرُّون بالأول في الكلام لكنهم يُخالفونه في أحوال البلاء.
﴿ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾
حين قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: «أنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي»، أمره النبي بأن يكون أحبَّ إليه من نفسه. فذهب عمر وجلس مع نفسه يُعيد ترتيب أولويات المحبة بإدراك وبصيرة، ثم عاد في ساعات وقال: «أنت الآن أحب إليّ من نفسي». وهذا نموذج عملي على أن إصلاح الإدراك يعيد سلم المحبة.
«لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك»— صحيح البخاري
بعض الناس يعلم أن الله أهم لكنه يفتقر إلى الإرادة والتصميم على تقديم هذه المحبة. وعلاج هذا الضعف يكون بالتوبة المستمرة ومعالجة أسباب الضعف، بتقوية القرآن والذكر ومجالس العلم وصحبة الصالحين، والابتعاد عمَّا يذكِّر بالمعشوق الفاسد.
لم يجد العقلاء في جميع طرق البشر التي يسعون بها لدفع الهم والغم طريقًا موصلةً للسعادة إلا الإقبالَ على الله ومعاملته وحده وإيثار مرضاته على كل شيء. فإن فاته حظه من الدنيا ظفر بالحظ العالي الذي لا فوت معه.
المحبوبات تنقسم إلى محبوب لذاته ومحبوب لغيره، وما كان محبوبًا لغيره لا بد أن ينتهي إلى محبوب لذاته دفعًا للتسلسل المحال عقلًا. وليس شيء يُحب لذاته إلا الله وحده، وكل ما سواه من زوجة وأبناء وأموال وأولياء وأنبياء فمحبته تبعٌ لمحبة الرب وينبغي أن تُفضي إليه.
إذا صحت محبة الله وجب على العبد أن يُحب كل ما يحبه الله من أنبيائه وأوليائه ومحاسنه، وأن يبغض كل ما يكرهه الله. فالولاء في حقيقته هو موافقة الولي الحميد في محابِّه ومساخطه، ولا تصح موالاة الله إلا بمعاداة كل ما يضاد هذه المحبة الإلهية.
«لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به»— الأربعون النووية
من رأيناه يحب ما يكرهه الله ويكره ما يحبه الله علمنا أن محبته لله ناقصة وفيه من معاداة الرب بحسب ذلك. وكمال الإيمان لا يتحقق بمجرد ترك المعصية خوفًا من الله، بل حتى يكره العبد المعصية من داخله؛ فمن تركها وهو يتمناها لم يبلغ أعلى المراتب.
إذا زاحمت محبةُ غير الله محبةَ الله، بدأت تنقص الإيمان رويدًا رويدًا، وإن اصطدمت بأصل محبة الله كانت كفرًا أو شركًا أكبر. والتعلق بامرأة أو مال أو شهوة يصطدم بكلمة التوحيد مباشرةً وينقص من مقامها في القلب.
لا يمكن أن ترسخ محبة الله في القلب حتى تُعادي كل ما يقف ضدها، من شهوة امرأة وشهوة مال وشهوة منصب وجاه. وقد اقتدى بذلك إبراهيم الخليل حين قال لقومه: «إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله».
﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ﴾
كلمة لا إله إلا الله هي الكلمة الباقية في عقب إبراهيم وهي التي قامت بها الأرض والسماوات، وهي العمود الحامل للفرض والسنة، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. وقصة الحياة البشرية من آدم إلى قيام الساعة هي من أجل تحقيق هذه الكلمة وما تستلزمه من الحب والإخلاص لله.
روح كلمة التوحيد وسرها إفراد الرب بالمحبة والإجلال والخوف والرجاء والتوكل والإنابة، فلا يُحب سواه وكل ما يُحب لغيره، ولا يُخاف سواه ولا يُسجد إلا له ولا يُذبح إلا باسمه. وتحقيق هذه الشهادة يحرِّم صاحبها على النار.
من عاش على تحقيق كلمة التوحيد والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى، وعيشه أطيب عيش. وجنة الدنيا هي معرفة الله ومحبته والأنس به والشوق إلى لقائه، وهي مأوى روحه في هذه الدار؛ فلا بد لمن أراد جنة الآخرة أن يدخل جنة الدنيا أولًا.
المؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشًا وأنعمهم بالًا وأشرحهم صدرًا، حتى لو ضاقت عليه الدنيا؛ وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة. أما الفجار فهم في جحيم قلبي ومعنوي حتى لو اتسعت عليهم الدنيا، لأنهم حُرموا الوصال بالعظيم سبحانه.
﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ﴾
المحبة هي أصل كل حركة في العالم العلوي والسفلي، وهي العلة الفاعلة التي تُحرِّك الإنسان والعلة الغائية التي يريد الوصول إليها. فلولا الحب ما دارت الأفلاك ولا تحركت الكواكب ولا هبت الرياح ولا تحركت الأجنة في بطون الأمهات، وكل هذه الحركات الطبيعية تنتهي إلى الله المحرك الأول.
﴿ تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ﴾
إذا حصل العبد على الله لم يفقد شيئًا، وإذا فقد الله لم يحصل على شيء ولو ملك الدنيا بأسرها. وفي الأثر الإلهي: «ابن آدم اطعني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فُتِّك فاتك كل شيء». فالله هو كل شيء وفقده فقد لكل شيء.
«ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطعني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فاتك فاتك كل شيء»— أثر إلهي
كل حركة يقوم بها الإنسان إنما تصدر عن محبته وإرادته، فلا يتحرك أحد نحو شيء إلا لأنه يحبه لذاته أو لما يترتب عليه من مصلحة. وهذا المبدأ هو الذي ينبغي أن يحرك المؤمن نحو تعلقه بالله وعبادته.
لا يستقيم حال الموجودات ولا تستريح ولا تطمئن إلا بالاتصال بمركز الكون وهو الله، كما أن القلب البشري خُلق ليتعلق بالله؛ فمتى خرج عن هذه السكة وتعلق بغيره دبّ فيه التشويش والخلل.
كل محبة لها توابع من الفرح والحزن والوجد والشوق والبكاء، وهذه التوابع محمودة أو مذمومة بحسب طبيعة المحبة نفسها؛ فتوابع محبة الله كلها محمودة، وتوابع العشق المحرم من ضيق وقلق وحزن على الفراق كلها مذمومة.
كل ما أمر الله به فلا بد أنه يحبه، وكل ما نهى عنه فلا بد أنه يبغضه. وعلى العبد أن يمتثل الدين الشرعي على قاعدة المحبة والرضا، كما قال النبي ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا».
«ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا»
رأى بعضهم أن للعشق فوائد كرقة الطبع والشجاعة والكرم والمروءة، فردّ ابن القيم بأن هذه أخلاق مصطنعة تزول بزوال المعشوق وليست أخلاقاً حقيقية راسخة. والأخلاق الحقيقية تلك التي تتجلى في المحبة الصادقة لله والجهاد في سبيله.
أعظم المحبة وأوجبها وأعلاها محبة الله التي فُطرت القلوب على التألّه بها، وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله، إذ الإله هو الذي تتألّهه القلوب بالمحبة والإجلال. وقد دلّ على وجوب محبته جميعُ كتبه المنزلة ودعوةُ جميع رسله وفطرتُه التي فطر عباده عليها.
﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ﴾
كل من يُحبّك من الخلق إنما يريدك لنفسه ولذة له بك، أما الله سبحانه فهو الوحيد الذي يريدك لك ويعطيك لمصلحتك لا لمصلحته، لأنه الغني عنك. وفي الأثر الإلهي: «عبدي كل يريدك لنفسه وأنا أريدك لك»، فكيف يستحي العبد أن يكون ربه بهذه المنزلة وهو معرض مشتغل بحب غيره؟
مجرد أن الله يسترك وأنت تعصيه، وهو قادر على إهلاكك في تلك اللحظة لأنك تستخدم أدواته التي أعطاك في معصيته، هذا من أكبر الدواعي إلى محبته. فخيره إليك نازل وشرّك إليه صاعد، ومع ذلك يتحبب إليك بنعمه وهو الغني التام عنك.
كمال اللذة والفرح والسرور ونعيم القلب تابع لأمرين: كمال المحبوب في نفسه وجماله، وكمال محبته واستفراغ الوسع فيها. والله كامل في صفاته وأسمائه وجلاله وجماله، فكل ما سواه يُحبّ تبعاً لمحبته. وكلما اشتدت المحبة اشتدت لذتها كلذة الظامئ بالماء الزلال.
اللذات ثلاثة أنواع: لذة تُوصل إلى لذة الآخرة فهذه أعظمها وأكملها، ولذة تمنع لذة الآخرة وتعقب ألماً فهذه مذمومة ومحرمة، ولذة لا تُعين ولا تمنع فهذه المباحة التي ينبغي ألا يطول بها المكث. وأعظم لذات الدنيا المُوصِلة إلى الآخرة هي لذة معرفة الله ومحبته.
﴿ يا/قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار ﴾
«فلذه معرفه الله سبحانه وتعالى ولذه محبته فان ذلك هو ما هو اللذه الدنيويه التي توصلك الى اللذه الاخرويه اعظم لذه دنيويه توصلك الى اللذه الاخرويه هي لذه ان تعرف الله في الدنيا ولذه ان تحب الله في الدنيا»
أعظم نعيم الآخرة ولذاتها هو النظر إلى وجه الرب جل جلاله وسماع كلامه والقرب منه. فإذا تجلى للأهل رأوه فنسوا ما هم فيه من النعيم. وأعظم ما يوصل إلى هذه اللذة هو لذة معرفة الله ومحبته في الدنيا، وأما الذات الدنيوية القاطعة عن الله فتنقلب ألماً وعذاباً.
«فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه»— الصحيح - حديث الرؤية
من علامات محبة الله محبة كلامه القرآن والالتذاذ بسماعه. فمن كان ذوقه ووجده في سماع الأبيات والألحان دون سماع الآيات فذلك من أقوى الدلائل على فراغ قلبه من محبة الله. ومن أحب محبوباً كان كلامه أحب شيء إليه.
في محبة الله وكلامه ورسوله صلى الله عليه وسلم أضعاف أضعاف ما يذكره المدافعون عن العشق من فوائد كالشجاعة والكرم ورقة الطبع. فلا حب على الحقيقة أنفع من محبة الله، وكل حب لا يسوقك إلى الله ولا يُعين على لذة الآخرة فهو باطل.
محبة الزوجات من الفطرة وكمال الإنسانية ولا تتعارض مع محبة الله بل امتنّ الله بها على عباده وجعل المرأة سكناً للرجل. والنبي صلى الله عليه وسلم قال «حُبِّب إليّ من دنياكم النساء والطيب»، وحُبّ النساء من كمال الإنسان، والمذموم هو التبعات المحرمة لا أصل الميل الفطري.
﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾
طلب النبي صلى الله عليه وسلم من ابن مسعود أن يقرأ عليه القرآن قائلاً «إني أحب أن أسمعه من غيري»، فلما بلغ قوله تعالى «فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد» قال: حسبك. فرفع ابن مسعود رأسه فإذا عينا رسول الله تذرفان. وهذا من أروع مشاهد محبة كلام الله وتأثيره في القلوب.
﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ﴾
زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش كان تشريعاً إلهياً لإبطال أثر التبني وبيان أن زوجة المتبنّى حلال بعد طلاقها، ولم يكن عشقاً محرماً كما زعم بعضهم. فزيد كان عازماً على طلاقها من قبل، وأخفى النبي في نفسه أنه سيتزوجها لا أنه خبّب عليه. وعقد الله نكاحها فوق عرشه.
﴿ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا ﴾
«حاشا صلى الله عليه وسلم ان يكون تكلم بكلمه امام زينب هي التي دفعتها ان تكره زوجها على طلاقها والنبي عليه الصلاه والسلام لم يقل لزينب شيئا ولم يخبب على زيد»