الشيطان يريد من العاصي بلوغ مرحلة اليأس من النفس، يُشعره بأنه لا يمكن أن يصبح إنسانًا سويًّا وأنه كاذب في التوبة. لذا لا ينبغي للعاصي أن يمنح الشيطان هذه الفرصة؛ فالله لا يمل حتى يمل العبد، معناها أن الله لا ينقطع عن مغفرته حتى ينقطع العبد عن توبته.
من موانع إجابة الدعاء أن يدعو الإنسان بقلب لاهٍ غافل؛ فمن يدعو وهو يفكر في الدنيا وأشغاله فذلك ليس دعاءً بل هو لعب. الدعاء المقبول هو الذي يكون بقلب حاضر، يستحضر فيه الداعي فاقته ومسكنته ويتضرع بين يدي الله. قال النبي: «اعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل».
«ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل»— مستدرك الحاكم، حديث أبي هريرة
الشرط الثالث للانتفاع بالأدوية الشرعية هو الابتعاد عن موانع استجابة الدعاء، ومنها: الأكل الحرام، ورين الذنوب والمعاصي وما شابهها، فهذه الأمور قد تحرم الإنسان من بركة استشفائه بكتاب ربه.
نبّه الشيخ على ضرورة ألا يغترّ المؤمن بما يراه من ضحك أهل الفساد ومرحهم، إذ الذي يستلذّ هو الجسد لا القلب، وقلوبهم ميتة موحشة لكنهم لا يُبوحون بذلك. فالضنك والضيق فيهم لا يُشاهَد في وسائل التواصل.
حذّر ابن القيم من مغالطة النفس بالاتكاء على عفو الله ومغفرته مع الإصرار على المعصية، والتسويف بالتوبة، أو الاعتماد على المندوبات كقيام الليل والاستغفار دون مجاهدة حقيقية. فهذه الطريقة توظيف فاسد لقانون السببية.
أورد ابن القيم نماذج من المغالطة، منها: من يفعل الذنب ثم يقول «سبحان الله وبحمده» مئة مرة ظناً أنه محا آثار المعاصي، ومن يطوف بالبيت بعد الذنب ظناً أنه تكفير له. وهذا توظيف خاطئ للنصوص الشرعية يخالف مقاصدها.
«من قال في يوم سبحان الله وبحمده 100 مره حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر»— متفق عليه
أوضح ابن القيم أن صيام يوم عاشوراء ويوم عرفة إنما يُكفّر الذنوب بشرط اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، فمن أصرّ على الكبائر لم ينتج صومه المغفرة المتوقعة. والاعتماد على هذه الأيام مع الإصرار توظيف خاطئ.
نبّه الشيخ على أن تعلّم العقيدة الصحيحة ليس مجرد أمر نظري، بل له أثر مباشر على السلوك، وضرب أمثلة: الإرجاء يُهوّن من شأن العمل، والجبر يُعطّل الإرادة والاختيار، ونفي السببية يُفسد الانتفاع بالدعاء والقرآن.
وضّح ابن القيم أن المسيء المصرّ على المعاصي لا يتصور منه حسن الظن بالله، مضرباً المثل بالعبد الآبق الهارب من سيده المصرّ على هربه ثم يزعم أن سيده سيكافئه. فمن يظن ذلك يخدع نفسه ولا يُنزّل النص في موضعه.
نبّه ابن القيم على فساد الاستدلال بقوله تعالى «ولسوف يعطيك ربك فترضى» على أن النبي ﷺ لن يرضى بعذاب أحد من أمته، وهذا من أقبح الجهل لأنه ﷺ يرضى بما يرضاه ربه، والله يرضى تعذيب الظلمة والمصرين على الكبائر.
بيّن ابن القيم أن قوله تعالى «إن الله يغفر الذنوب جميعاً» خاصة بالتائبين، وليست عاماً للمصرين على ذنوبهم، بدليل آية النساء «ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» التي تُقيّد وتُخصّص. ولو كانت تشمل غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها.
﴿ قل يا/عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ﴾
من أبرز صور مغالطة النفس في توظيف قانون السببية أن يتكل الإنسان على الاستغفار والأذكار الماحية للذنوب مع الاستمرار فيها دون مجاهدة. فالاستغفار سبب للمغفرة بشرطه الذي هو السعي إلى اجتناب الذنوب، وأما مع الاستمراء فإن السبب لن يولّد مسبَّبه، بل الاستمرار على الذنوب سبب في مقت الله وغضبه.
ميّز ابن القيم تمييزاً جلياً بين مقامين يخلط الناس بينهما: حسن الظن بالله وهو أن يُحسن العمل والاستقامة ثم يرجو المغفرة، والاغترار بستر الله وهو أن يستمرئ الذنوب مع دعوى حسن الظن. والضابط: أن حسن الظن هو حسن العمل نفسه، فمن أحسن عمله فهو المحسن الظن، ومن استمرأ الذنوب فهو المغتر بستر الله لا المحسن الظن.
«الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله»— الترمذي والمسند من حديث شداد بن أوس
قرر ابن القيم أن من اعتمد على عفو الله مع إصراره على الذنب فهو معاند لله؛ لأنه يعرف الذنب ويعرف مدخله إليه ومع ذلك يُصرّ على البقاء فيه. والله يمهل العاصي المعاند لكنه لا يُهمله، فعلى صاحب هذا الحال أن ينتبه لنفسه.
حذّر الحسن البصري من قوم ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة، مستندين إلى قولهم إنهم يحسنون الظن بالله مع تسويف التوبة إلى ما بعد متعة الشباب. وردّ عليهم بقوله: «كذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل». وهذا يكشف خطورة اليقين الزائف بالمغفرة دون بذل أسباب التوبة.
نبّه ابن القيم إلى خداع آخر للنفس وهو أن يرى الإنسان أن الله يزيده في العطاء كلما أذنب فيظن أنه على خير. وأصّل ذلك بحديث: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج»، وبقوله تعالى: {فلما نسوا ما ذُكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة}.
﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ﴾
الدنيا بكل ما فيها لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولذلك أعطاها الله للكافرين أيضاً. فمن اغتر بعطاء الدنيا وظن أنه دليل محبة الله له فقد وقع في الغرور، والعاقل يفرح بالإيمان ومجالس الخير لا بالأرصدة والشهوات.
«إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب»— جامع الترمذي، حديث صحيح
رد الله على من يظن أن توسعة الرزق إكرام وتضييقه إهانة بقوله تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعّمه فيقول ربي أكرمن}. فالله قد يُكرم عبده بالابتلاء ليوقظه قبل أن تتيه به خطاه، وكثير من الموسَّع عليه رزقه مفتون، وكثير من المضيَّق عليه معافى.
﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ﴾
قسّم ابن القيم الغرور إلى مراتب، وأعظمها من اغترّ بالدنيا وآثرها على الآخرة حتى بلغ ببعضهم حد القول «الدنيا نقد والآخرة نسيئة»، وهذا القول قد يُفضي بصاحبه إلى الكفر إذا كان استهتاراً. ورد عليه ابن القيم بأن مقارنة الدنيا بالآخرة كمقارنة انغماس الإصبع في البحر بالبحر كله.
«ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع»— المسند من حديث ابن شداد
حلّل ابن القيم المعضلة التي تجمع بين الإيمان بالدار الآخرة والإصرار على المعاصي، وأرجعها إلى جملة من الأسباب المتراكمة: ضعف اليقين بسبب البعد عن مواطن الذكر والعلم، وعدم استحضار عظمة الله والدار الآخرة بسبب الانشغال بالدنيا، وغلبات الهوى واستيلاء الشهوة، وتسويل النفس الأمارة بالسوء، وغرور الشيطان، واستبطاء الوعد بالجنة، وطول الأمل، ورقدة الغفلة، وحب العاجل، والإلف بالمعاصي والعوائد.
نبّه الشيخ إلى أن طالب العلم الذي يُسرّ المعصية في خلواته ولا يبالي بها أشد خطراً من المجاهر بالمعاصي؛ لأن المجاهر مكشوف لا يُغتر به، أما من يتصنّع الصلاح للناس ويعيش الفجور في باطنه فمصيبته أعظم عند الله، ولا ينبغي أن يأمن مكر الله.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن محقرات الذنوب لأنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه، وضرب لها مثلاً بقوم يجمعون الحطب الصغير فيُشعلون ناراً كبيرة. فليس من الإيمان أن يستقل المسلم أي معصية يفعلها لأنها قد تكون فاتحة لباب شر لا يُغلق عليه.
«إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه»— المسند من حديث ابن مسعود
لحديث «احفظ الله يحفظك» منطوق ومفهوم مخالفة: فمن أدمن على المعاصي ولم يحفظ الله تركه الله ونسيه، وليس نسياناً جهلياً بل هو نسيان التخلّي كما قال تعالى: {نسوا الله فنسيهم}. ومن تخلّى الله عنه بات يصارع الحياة وحيداً بلا رعاية ولا حفظ.
المصيبة الأولى في التاريخ البشري وهي نزول الجنس البشري إلى الأرض كان سببها معصيةٌ واحدة وقع فيها آدم عليه السلام. ومعصية آدم أورثت الجنس البشري أجمع النزول إلى الأرض وبدء الاختبار والامتحان. فإذا كانت معصيةٌ واحدة من نبيٍّ فعلت كل هذا التغيير، فما بالك بما تفعله معاصيك في حياتك أنت.
استعرض ابن القيم أن كل العقوبات الكبرى في تاريخ البشرية كانت بسبب الذنوب: إغراق قوم نوح، وريح عاد، وصيحة ثمود، وقلب قرى لوط، وإغراق فرعون، وخسف قارون. وقصص القرآن كلها أُريد بها أن نعتبر بعاقبة الذنوب والمعاصي، لا الكفر فحسب بل كل معصية لأمر الله.
في حديث أم سلمة قالت: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمّهم الله بعذاب من عنده». فسألت: أما فيهم يومئذٍ أناسٌ صالحون؟ قال: «بلى، يُصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان». فانتشار المعاصي في المجتمع يُطال العذابُ فيه أهلَ الصلاح أيضاً في الدنيا، وإن كانوا معذورين ومأجورين عند الله.
«إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمّهم الله بعذاب من عنده»— مسند أحمد، من حديث أم سلمة رضي الله عنها
روى النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا خفيت الخطيئة لم تضرّ إلا صاحبها، وإذا ظهرت فلم تُغيَّر ضرّت العامة». فالمعاصي التي تظهر في المجتمع وتُشاع يجب الإصرار على تغييرها أو على الأقل إخفائها، أما السكوت عنها فيجعل الضرر يشمل المجتمع كله.
«إذا خفيت الخطيئة لم تضرّ إلا صاحبها، وإذا ظهرت فلم تُغيَّر ضرّت العامة»— رواه الأوزاعي
قال السلف: المعاصي بريد الكفر، أي طريق يُوصل إليه. فالمعصية لا يقف أثرها عند لحظتها، بل قد تمتدّ حتى تُخرج الإنسان من دائرة الإسلام. كالقُبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزنا، والنظر بريد العشق. فعلى الإنسان ألّا يُمازح في هذا المفهوم ولا يستهين بالمعاصي الصغيرة.
حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من محقرات الذنوب، وضرب لها مثل القوم نزلوا أرضاً فلاةً وكلٌّ جاء بعود حتى أوقدوا ناراً عظيمة. كذلك معصيةٌ من هنا ونظرة من هناك تتجمع فتُهلك الإنسان يوم القيامة، حتى وإن ظنّها صغيرة أو نسيها.
«إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يُهلكنه»— مسند أحمد، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «إنكم لتعملون أعمالاً هي أدقّ في أعينكم من الشعر، وإن كنّا لنعدّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات». فكثير مما نستهين به اليوم من الذنوب كان الصحابة يعدّونه من أكبر الكبائر، مما يدلّ على شدة الاستهانة بشعائر الله في عصرنا.
«إنكم لتعملون أعمالاً هي أدقّ في أعينكم من الشعر، وإن كنّا لنعدّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات»— صحيح البخاري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه
نبّه ابن القيم على خطر أن الناس لا يرون تأثير الذنب في الحال، فيُقنعهم الشيطان بأنها «مشت» ومرّت دون عقوبة. لكن الحقيقة أن عقوبة الذنب قد تتأخر سنوات أو عقوداً ثم تحل في الذرية أو الصحة أو المال. وكم أهلكت هذه الطريقة في التفكير من العلماء والفضلاء.
يُبيّن ابن القيم من خلال النصوص الواردة أن كل العقوبات المذكورة ليست فقط لمن فعل المعصية، بل كثير منها لمن تركَ الإنكار عليها. فإذا كان تارك الإنكار يستحق هذا الوعيد الشديد، فما بالك بمن يرتكب المعصية نفسها. وهذا يُؤكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقدر المستطاع.
العلم نورٌ يقذفه الله في القلب، والمعاصي تطفئ ذلك النور وتُحرم صاحبها من البركة في الحفظ والفهم. ولهذا كان نصح مالك للشافعي: 'يا بني إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعصية'.
كل ساعة يقضيها العبد في معصية هي بعينها ساعة حُرم فيها من طاعة، لأن الوقتين لا يجتمعان. وكمثل من أكل وجبةً مضرة فأصابه مرض حرمه من الطعام الجيد أسابيعَ، كذلك شهوة المعصية العاجلة قد تُحدث انقطاعًا عن الطاعة يمتد طوال العمر.
المعصية تُولِّد معصيةً بعدها، وهذه تُولِّد ثالثة، حتى تصير الذنوب هيئةً راسخة وملكةً ثابتة في النفس ويعزّ على العبد الخروج منها. كمن أدمن النظر الحرام حتى صارت معصيته برنامج حياة ومنهجًا يوميًا.
من أخوف آثار المعاصي أنها تُضعف إرادة التوبة شيئًا فشيئًا حتى تُصبح ثقيلةً على القلب، ثم تنسلخ منه بالكلية فلا يُريد التوبة أصلًا. وهذا حال كثير ممن تراهم ولو مات نصفهم ما تابوا. والتوبة الصحيحة هي التي تعالج جذور المعصية وتُغلق أبوابها.
من لا يُغلق باب المعصية ولا يعالج أسبابها تكون توبته توبة كذابين؛ يستغفر بلسانه وقلبه معقود بالمعصية عازمٌ على العودة إليها. والتوبة الصادقة هي التي يُغلق فيها العبد كل مدخل يأتيه منه الحرام قبل أن يزعم أنه تاب.
من آثار الإدمان على المعاصي أن ينسلخ من القلب استقباحها فتصير عادةً عادية، ولا يعود العاصي يستحي من نفسه ولا من الناس. وهذا الانسلاخ من علامات موت القلب، وصاحبه يسير نحو الجهر بالمعصية والفخر بها.
من جاهر بمعصيته أو حدَّث الناس بها بعد أن ستره الله، فإن الله يغلق عليه باب التوبة في الغالب. وكل أمتي معافى إلا المجاهرون، ومن صور الجهر أن يفعل الذنب في السر ثم يُحدِّث به من لم يعلم.
«كل أمتي معافى إلا المجاهرون وإن من الإجهار أن يستر الله العبد ثم يصبح يفضح نفسه»
الذنوب إذا تكاثرت طبعت على القلب فصار صاحبه من الغافلين. فالقلب يصدأ من المعصية كما يصدأ الحديد من العوامل الجوية، ثم يغلب الصدأ حتى يصير طبعًا وختمًا وغشاوة، فيُسلَّم القلب لعدوه يقوده حيث أراد.
من آثار الذنوب أنها تُدخل العبد تحت لعنة رسول الله ﷺ؛ فقد لعن النبي ﷺ على معاصٍ كثيرة، وما لم يثبت لعنه عليه من المعاصي الأشد يدخل فاعلها تحت اللعنة من باب القياس. واللعن معناه الطرد من رحمة الله، وهو وحده كافٍ لأن يدفع العاقل عن ارتكابها.
من آثار الذنوب حرمان العبد من دعاء رسول الله ﷺ ودعاء الملائكة؛ فالله أمر نبيه باستغفاره للمؤمنين والمؤمنات، والملائكة تدعو للذين تابوا واتبعوا سبيل الله، فالعاصي المصرّ على ذنبه يخرج من قوله تعالى (اتبعوا سبيلك) فيُحرم من استغفار الملائكة.
﴿ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ﴾
كلما اشتدت ملابسة الإنسان للذنوب والمعاصي خرجت من قلبه الغيرة؛ أولاً على نفسه فيصير لا يكترث أن يراه الناس في المعصية، ثم على أهله وزوجته وبناته، حتى يصل إلى مرحلة يُحسّن فيها الفواحش لغيره ويزيّنها ويدعو إليها. وهذا ما عُرف بالديًاثة.
من أشد عقوبات الذنوب أنها تستدعي نسيانَ الله للعبد وتركَه وتخليتَه بينه وبين نفسه وشيطانه، وعند ذلك يكون الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة. ولهذا كان من أعظم أدعية السلف: «اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين».
﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ﴾
قال ابن القيم: إنساء الله العبدَ نفسَه معناه إنساؤه مصالحَ نفسه وما يُنجيها من عذابه وما يوجب له الحياة الأبدية. فيصير العاصي لا يعرف ما الذي ينبغي أن يعيش من أجله، ويعيش فقط لشهواته وملذاته، غافلاً عن المصلحة العظمى وهي النجاة من عذاب الله.
﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ﴾
المعاصي وإن كانت لا تُخرج صاحبها من دائرة الإسلام ابتداءً، إلا أنها قد تكون بريدًا إلى الكفر؛ إذ كثيرًا ما يصاب المُصرّ على المعاصي بخذلان الله له فيقع في أفكار شركية أو في سخط على القضاء والقدر. ومن هنا اشتدّ خوف السلف، حتى قال أحدهم: أنتم تخافون الذنوب وأنا أخاف الكفر.
الوحشة التي يشعر بها العاصي سببها الحجاب الحاصل بينه وبين الله بسبب ذنوبه وغفلته، وكلما غلُظ هذا الحجاب من الغفلة إلى المعصية إلى البدعة إلى الشرك زادت الوحشة وازداد الفراغ النفسي. وهذا الفراغ هو الذي يفسر تزايد الانتحار والأمراض النفسية في المجتمعات البعيدة عن الله.
«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»— متفق عليه
البعد عن الله مراتب بعضها أشد من بعض: الغفلة وهي أخفّها، ثم المعصية وهي أشد، ثم البدعة وهي أشد من المعصية لأن صاحبها لا ترجى توبته إذ يظن أنه يتقرب إلى الله بفعله، ثم الشرك وهو أسوأها. وصاحب العقيدة السليمة وإن وقع في معصية ترجى توبته بخلاف المبتدع.
الموت يأتي فجأة في أي حال كان عليها الإنسان، ومن كانت خاتمته في مجلس علم أو ذكر أو طاعة فتلك خاتمة خير. ولذلك يجب على المسلم الحرص على أن لا يكون في مجالس المعصية، إذ لا يدري متى تأتيه المنية. ومشهد الزلزال الذي ثبت فيه أهل المسجد وهلع فيه أهل العرس المختلط خير شاهد على هذا.
من عقوبات الذنوب أنها تمحق البركة في كل شيء: بركة الرزق فلا يُبارَك في الدينار والدرهم، وبركة العمر فتمر السنون دون إنجاز، وبركة العلم والعمل والطاعة. وقد دلّت الآيات على أن الاستقامة تفتح أبواب البركات من السماء والأرض، وأن المعاصي هي سبب تكدير الحياة وضيق الأرزاق.
﴿ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ﴾
نبّه ابن القيم إلى خطورة اعتقاد التكافؤ بين الصعود والنزول، إذ ثبت في الصحيح أن العبد ليتكلم بالكلمة الواحدة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. فالنزول بمعصية واحدة قد يكون بالغاً جداً، ولا يُوازيه صعودُ أيام من الطاعة.
«إن العبد ليتكلم بالكلمة الواحدة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب»— الصحيح
بيّن ابن القيم أن بعض المعاصي قد تكون في علم الله رحمةً للعبد إذا أورثته توبةً نصوحاً وانكساراً وذلاً بين يدي مولاه؛ فتُزيل عنه داء العجب والاغترار بالطاعة، وتُشعره بفقره الحقيقي إلى الله. ومع ذلك ينبغي للعبد أن يسأل الله العافية ولا يتمنى المعصية.
أخرج الله الأبوين من الجنة بذنب واحد ارتكباه، ولعن إبليس وطرده من ملكوت السماوات والأرض بذنب واحد. وفي ذلك تحذير شديد من استصغار المعصية، فأدم أُكل من شجرة ففقد جنةً عرضها السماوات والأرض. ونحن نصل الذنوب بالذنوب ونرتجي درج الجنان.
أشد ما تخون المعاصي صاحبها عند الاحتضار والانتقال إلى الله؛ فقد يتعذر على العبد النطق بالشهادة، ويذكر ما كان مشغوفاً به في حياته من تجارة أو غناء أو معشوق. وسببُ خاتمة السوء دسيسةٌ في القلب من المعاصي السرية المُصَرّ عليها. وساعة الاحتضار ثمرةُ نشاط العمر كله.
﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ﴾
«وسبب خاتمه السوء دسيسه في قلب الانسان يعني اشكاليه من المعاصي هو مدمن عليها لا يعرفها الناس وهو متهاون في علاجها مستمرا لها عندئذ تخونك في ساعه الاحتضار»
في لحظات الاحتضار يجمع الشيطان كل قوته وهمته ليحشد على العبد ويحاول انتزاع كلمة الكفر منه؛ فهو أقوى ما يكون والعبد أضعف ما يكون. ومن كان غافلاً في حياته عن ذكر الله ولم يُعدّ قلبه فهو أولى وأحرى بأن تُخونه في تلك الساعة الحاسمة.
«وجمع الشيطان له كل قوته وهمته وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه فرصته فان ذلك اخر العمل فاقوى ما يكون عليه ذلك الوقت واضعف ما يكون هو في تلك الحال»
من عقوبات الذنوب أنها تعمي القلب وتضعف بصيرته حتى يرى الباطل حقاً والحق باطلاً والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، فينتكس في سيره ويرجع عن سفره إلى الله. ومن أعرض عن ذكر الرحمن قيّض الله له شيطاناً فهو له قرين يصده عن السبيل ويحسب أنه مهتدٍ.
﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ﴾
شبّه ابن القيم ساعات اليوم برأس مال التاجر؛ فمن استعملها في الطاعة تضاعف ربحه وقرّب من الله، ومن استغلها في المعصية تضاعفت خسارته وبعد عن الله. والساعة التي تُصرف في المعصية بدلاً من الطاعة تفوّت على العبد ربحاً مضاعفاً كان يمكن تحصيله.
يصوّر ابن القيم أن إبليس يخطب في جنوده من الجن حاثّاً إياهم على إيصال بني آدم إلى النار، مستنداً إلى ما ناله من خزي وإبعاد بسبب آدم، فيريد منهم أن يجعلوا الإنس شركاءهم في هذه البلية.
حذّر السلف كالحارث المحاسبي ليس من النظر الحرام فحسب، بل من فضول النظر المباح أيضاً. فالشيء الذي لا يعني الإنسان ينبغي صرف البصر عنه، حتى زينة الحياة الدنيا المباحة، لأن الإطلاق في المباح يفتح الطريق إلى الحرام.
﴿ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ﴾
الإنسان الذي لا يحضر إلا مجالس الغفلة والشهوات يضمن إبليس عدم دخول كلام الخير إلى أذنه. لذا أقل ما يستطيعه المسلم ولو كانت عنده ذنوب ومعاصٍ هو حضور مجلس علم أو اثنين في الأسبوع تثبيطاً لإبليس.
من أساليب إبليس إيهام الناس بأن فهم القرآن أمر عسير لا يتاح إلا للراسخين والأولياء، أو تهوين القرآن والإيحاء بأن الانشغال بالحياة المعاصرة وأفكارها أجدى وأعلى. كلا الأمرين حبالة ابليسية للصرف عن القرآن.
ليس المطلوب من الجميع حفظ القرآن فهذه قدرات تتباين فيها الناس، لكن المطلوب من الجميع فهمه وتدبره حتى يكون سلوكاً في حياتهم كما كان عند الصحابة. فالحفظ وسيلة لتركيز الفهم لا غاية في ذاتها.
من أكبر مخادعات إبليس أنه يُخرج الحق -القرآن ومجالس العلم والأمر بالمعروف- في قالب ثقيل مكروه حتى تنفر منه النفس، ويُخرج الباطل في قالب جميل مرغوب. فإذا وجدت نفسك تتثاقل عن مجالس الخير فاعلم أن الذي رسم ذلك هو إبليس.
إحالة إلى آية — يُرجع نصها من المصدر القرآني الموثوق.
يصوّر شياطين الإنس الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر على أنه تدخل في خصوصيات الناس وكثرة فضول. وهذا مما نبّه عليه ابن القيم صريحاً، وهو ما يجري في الواقع المعاصر، وينبغي على المسلم ألا ينخدع بهذا القالب الابليسي.
يريد إبليس من الإنسان أحد مطلبَين: إما أن يتكلم بالباطل فيكون شيطاناً ناطقاً، وإما أن يسكت عن الحق فيكون شيطاناً أخرس. وربما كان الأخرس أنفع لإبليس أحياناً لأن صاحب السمعة الحسنة إذا سكت عن الحق اقتدى به الناس وأحسنوا الظن بالباطل.
وصف ابن القيم بدقة ما تفعله مؤسسات الإعلام: يأتون بشخص يتكلم بالباطل ويأتون بجمهور يصفق له ليوهموا أن هذا الباطل أصبح رأياً عاماً وله قبول. وهذا تطبيق عملي لقوله عن إبليس: «لينطق أحدكم بالكلمة ويكون الآخر على لسان السامع فينطق باستحسانها».
إحالة إلى آية — يُرجع نصها من المصدر القرآني الموثوق.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه كلها، فقعد على طريق الإسلام والهجرة والجهاد والصدقة والحج وسائر طرق الخير بالتنفير عنها وذكر صعوباتها، وقعد على طرق المعاصي فحسّنها في أعين بني آدم.
يقول إبليس لجنوده: «استعينوا بجندَي عظيمَين لن تُغلبوا معهما: جند الغفلة وجند الشهوة». فإذا غفل القلب عن الله تمكّنوا منه وأغووه، ثم يتكاتف الجندان: استعينوا على الغفلة بالشهوات وعلى الشهوات بالغفلة.
الورد القرآني اليومي هو الذي يُذكّر بالله والدار الآخرة. أما القلب الذي يمضي أشهراً لا يفتح القرآن فهو قلب منتن ليس عنده زاد لهذه المعركة. والذي يقرأ القرآن دون تركيز وتدبر تصله موعظته ضعيفة هزيلة لا تُفك أسره إبليس.
حذّر ابن القيم من مجالسة الغافلين، مستشهداً بقوله تعالى: «ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا». فمع كل غافل شيطانه، فإذا كان ذاكر واحد بين غافلين فهو بمواجهة خمسة؛ وشيطان الذاكر نفسه سينضم إلى الأربعة فيغلبونه.
﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ﴾
يسعى إبليس دائماً لإيصال الإنسان إلى مرحلة التطبيع مع الباطل؛ أن يصبح الحرام أسلوب حياة لا يستنكره، وأن يعدّ من ينكره رجعياً ومتخلفاً. ولعل نسبة كبيرة من الواقع الإسلامي المعاصر قد بلغت هذه المرحلة.
الإنسان الذي يمضي نهاره في بيئة عمل يُشاع فيها الموسيقى والاختلاط والاستهزاء بالدين محروم تعبان. وسلامة القلب الديني ينبغي أن تكون المعيار الأول عند اختيار بيئة العمل، حتى لو تطلّب ذلك التضحية براتب عالٍ.
أوصى إبليس جنوده بأنه إذا رأوا جماعة مجتمعة على ذكر الله ومذاكرة دينه ولم يقدروا على تفريقهم، فليستعينوا عليهم بشياطين الإنس من البطّالين وليقرّبوهم منهم ليشوّشوا عليهم.
من عقوبات الذنوب أنها تُنسي العبد نفسه، وإذا نسي نفسه أهملها وأفسد وأهلك. فمن نسي الله عاقبه الله بعقوبتين: أن الله ينساه أي يتركه ويخذله، وأن الله يُنسيه نفسه فلا يعود ينظر في صالح نفسه ولا يفعل الأعمال التي تقوده إلى الخير.
﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ﴾
من عقوبات الذنوب أنها تُنسي العبد حظه من التجارة الرابحة مع الله، وتشغله بالتجارة الخاسرة التي تُوبق في الدنيا والآخرة. فالله سبحانه وتعالى قدّم عقد التجارة الرابحة الأولى بالجهاد في سبيله، والثانية بالتوبة والعبادة والحمد والسياحة والركوع والسجود.
﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ﴾
من يصرف حياته في المعاصي والشهوات وينكشف له الخداع يوم القيامة حيث يظهر الغبن الحقيقي في الصفقة التي عقدها لنفسه في الدنيا. وسُمِّي يوم القيامة يوم التغابن لأنه يظهر فيه كم كان الإنسان يخدع نفسه ويمنيها بالأماني والشهوات والملذات.
وظيفة مجالس العلم والتذكر والمحافظة على الأذكار وقراءة القرآن هي أن تُبقي المعاني الإيمانية دائماً حاضرة في أعلى السطح حتى لا تضيع مع الشهوات. فالإنسان يحتاج إلى الوعظ والتذكير باستمرار لأن الحياة الدنيا كفيلة بإغراق هذه الأفكار في بحار الشهوات.
من عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم الحاضرة وتقطع النعم الواصلة؛ فنعم الله ما حُفظ موجودها بمثل طاعته، ولا استُجلب مفقودها بمثل طاعته. وقد جعل الله لكل شيء سبباً وآفةً: فجعل أسباب النعمة طاعتَه وآفاتها معصيتَه.
من أكبر الأخطاء والمغالطات أن يعتبر الإنسان نفسه مستثنىً من عقوبات الله، فيرى غيره يُبتلى بسبب الذنوب لكنه يظن أنه لن يصيبه ذلك. فإذا كان الله أمهلك فاعلم أنه يُمهل ولا يُهمل، وربما تكون مستدرجاً بالنعم وأنت لا تدري.
إذا أصبح ابن آدم ابتدره الملك والشيطان كلاهما؛ فإن ذكر الله وكبّره وحمده طرد الشيطان وتولّاه الملك، وإن افتتح يومه بغير ذلك ذهب الملك عنه وتولّاه الشيطان. فالشاب الذي يستيقظ بعد صلاة الفجر وإهمال أذكار الصباح يكون قد سلّم نفسه لإبليس.
يُقرّر ابن القيم قاعدةً جليلة: لا يوجد ذنبٌ بلا عقوبة البتة، مهما كان العبد وليًّا أو صالحًا. فأدنى عقوبة هي النكتة السوداء على القلب، وقد لا يشعر بها العبد لغفلته، لكن عدم الإحساس بالعقوبة هو نفسه نوعٌ من العقوبة.
«إذا أذنب الإنسان نكتت على قلبه نكتة سوداء»— كما ذكره الشيخ
يُحذّر الشيخ من خطأٍ شائع وهو أن يرى الإنسان أن الدنيا تسير بخير بعد ذنبه فيظنّ أن الله قد عفا عنه، وهذا خطأٌ محض. فقد تتأخر العقوبة سنواتٍ بل عقودًا، وهو مكرٌ واستدراج، والشيطان يستغلّ هذا الوهم ليقنع العبد بالمزيد من المعاصي.
يجمع ابن القيم المصطلحاتِ القرآنية الدالة على مرض القلب في مجموعة واحدة مترابطة: الختم، والطبع، والتقليب، والأكنّة، والرين، والأقفال، والغشاوة. وكلها تحوم حول معنى واحد وهو وجود حاجزٍ بين القلب وبين معاني الإيمان فلا تصل إليه.
﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ﴾
من أشد عقوبات القلب أن يُثبّط الله العبد عن الطاعة ويُقعده عنها جزاءً على معاصيه؛ فيجد نفسه فجأةً قد ترك حفظ القرآن، أو مجالس العلم، أو العمل التطوعي، أو قيام الليل لا لبديل خيرٍ أعلى، بل لا لشيء. وهذا علامةٌ خطيرة تستوجب المراجعة الفورية.
من أعظم عقوبات القلب نكسه حتى يرى الباطل حقاً والحق باطلاً والمعروف منكراً، فيُفسد وهو يرى أنه يُصلح، ويصدّ عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليها؛ وهذا يكثر فيمن ينسب إلى العلم ممن يؤلف على باطله يحسب أنه ينصر الهدى.
الله سبحانه رتّب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره، فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعّم في الدنيا بأصناف النعم ففي قلبه وحشة وذل وحسرات تقطع القلوب، إنما يواريها عنه سكر الشهوات والعشق وحب الدنيا.
﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾
لا تتم سلامة القلب حتى يسلم من خمسة حجب: (1) شرك يناقض التوحيد، (2) بدعة تخالف السنة، (3) شهوة تخالف أمر الله، (4) غفلة تناقض الذكر، (5) هوى يناقض التجريد والإخلاص؛ وهذه الخمسة هي الأغلفة التي تحرم صاحبها من الأنس بالله.
«ولا تتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسه اشياء قال من شرك يناقض التوحيد وبدعه تخالف السنه وشهوه تخالف الامر وغفله تناقض الذكر وهوا يناقض التجريد والاخلاص»
يُنبّه ابن القيم إلى أن الذنوب البهيمية إذا أُدمن عليها فتحت أبواباً على الذنوب السبعية، ثم الشيطانية، ثم الملكية التي قد تصل إلى منازعة الربوبية والشرك؛ فالذنوب دهليز الكفر، ولذا يُحذَّر من الاستهانة بصغائر الذنوب.
«ومن تامل هذا حق التامل تبين له ان الذنوب دهليز الشرك والكفر ومنازه الله في ربوبيته ان الذنوب البهيميه كلما ادمنت عليها فتحت الابواب على الذنوب السبعيه والشيطان والربوبيه»
الصغائر التي يعفو الله عنها هي الفلتات التي تقع في لحظات الضعف الإنساني، أما الصغائر التي يُدمن عليها الإنسان ويُصرّ فهي بحدّ ذاتها كبيرة. فلا يصح أن يطمئن المرء إلى وعد مغفرة الصغائر وهو مدمن عليها، لأن الإصرار يُخرج الذنب من دائرة الصغيرة.
من أعظم فوائد الاستمرار في قراءة كتب معالجة الذنوب أن يبقى هذا الملف مفتوحًا أمام العبد، فلا يغفل عن أخطائه ولا ينسى ضرورة المعالجة. فإن الإنسان لا يدري من أي سطر أو فكرة سيُصيب قلبَه كلامُ أهل العلم فيُغيّر حياته.
البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن المعصية يُتاب منها ويُستغفر، بينما البدعة لا يتاب منها لأن صاحبها يحسب أنه يحسن صنعًا. وقال إبليس: أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك بثثتُ فيهم الأهواء.
«أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا»
المذنب ضرره يعود في الغالب على نفسه أو على من فعل معه المعصية، أما المبتدع فضرره يتعدى إلى النوع الإنساني كله لأنه يدعو إلى بدعته ويقيم المحاضرات ويكتب الكتب في نشرها، فتؤثر في مجتمعات وشعوب وعقول.
الفرق الجوهري بين العاصي والمبتدع: العاصي مؤمن موحد يسير إلى الله بسير بطيء متعثّر لكنه يسير لحاله. أما المبتدع فيقطع على الناس طريق الآخرة، يصدّهم ويدعوهم إلى أفكار منحرفة تقودهم إلى النار، ويقاتل لأن يكون الناس على عقيدته.
حصر ابن القيم مداخل الشيطان على النفس في أربعة أبواب مرتبة ترتيباً منطقياً سلوكياً: اللحظات (النظر)، ثم الخطرات (الأفكار)، ثم اللفظات، ثم الخطوات. فمبادئ الفساد تبدأ من العين التي تُشكّل الخطرات، فالألفاظ، فالأفعال. وكلما أُغلق باب أبكر كان الوقاية أيسر.
قال ابن القيم إن الاشتغال بخطرات الوصال الباطلة والأماني الكاذبة هي رؤوس أموال المفلسين ومتاجر البطالين، لأنها تتولد من العجز والكسل وتولّد التفريط والحسرة والندم. والإنسان الذي عنده أعمال وإنتاج ومشاريع ترِد عليه الخطرات لكنها لا تمتلكه.
من سياسة النفس المهمة أن مجرد قرار ترك الخطرات الرديئة لا يكفي ما لم يُصاحبه استبدالٌ بخطرات نافعة. فالنفس كالرحى تطحن ولا تسكن، فإن لم تضع فيها أفكاراً نافعة من مجالس الخير وملازمة أهل العلم عادت للطحن الرديء. وهذا سبب انتكاس كثير من الشباب بعد التوبة.
نقل ابن القيم عن الشافعي قوله بعد صحبة الصوفية: لم أستفد منهم إلا كلمتين: الوقت سيف إن قطعته وإلا قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. وهذا مطابق لمبدأ الطاحون: العقل لا يسكن، فإن لم تُعبئه بأفكار صالحة طحن الرديء من الخطرات.
قال ابن القيم: وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة وهو مادة حياته الأبدية في النعيم أو مادة معيشته الضنك في العذاب، وهو يمر أسرع من مر السحاب. فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وما عدا ذلك فهو عيش البهائم. ومن قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة فموته خير من حياته.
ذكر ابن القيم الحديث: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وهذا يشمل الكلام والأفعال والأفكار، وأورد حديثاً آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قيل له عن رجل توفي: أبشره بالجنة. قال: وما يدريك؟ لعله تكلم فيما لا يعنيه. فالاشتغال بما لا يعني من أكثر أسباب التقصير في هذا الزمان.
«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»— رواه الترمذي بإسناد صحيح
«وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره»— رواه الترمذي وقال حسن
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس بن مالك في الصحيحين أن من أشراط الساعة: رفع العلم وظهور الجهل وشرب الخمر وظهور الزنا وقلة الرجال وكثرة النساء؛ فانتشار الزنا علامة على خراب العالم وفساده.
«من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل وشرب الخمر ويظهر الزناء ويقل الرجال وتكثر النساء»— الصحيحان، عن أنس بن مالك
أي إنسان يداوم على معصية في السر ولا يجاهد نفسه على تركها - مهما كان في الظاهر صالحاً - فإنه لا يُوفَّق إلى حسن الخاتمة؛ لأن المعصية المستمرة تملك قلبه وتُسلب فؤاده حتى لا تنفع فيه تذكرة ولا تنجع فيه موعظة.
«اذا كان هناك معصيه من المعاصي في الخلوات او الجلوات انت مصر عليها ومداومته عنها ولا تجاهد نفسك على تركها فمثل هذا باستقراء اهل العلم قالوا مثل هذا لا يوفق الى حسن الختام»
ذكر عبد الحق الإشبيلي أن لسوء الخاتمة أسباباً أعظمها: الانكباب على الدنيا والإعراض عن الآخرة، والجرأة على معاصي الله؛ وإذا غلبت معصية على قلب الإنسان ملكته وسلبت عقله وأطفأت نوره حتى لا تنفع فيه موعظة ولا تذكرة.
«اعظمها الانكباب على الدنيا والاعراض عن الاخره والاقدام والجراه على معاصي الله عز وجل وربما غلب على الانسان ضرب من الخطيئه فملك قلبه وسب عقله واطفا نوره»
أكد عبد الحق الإشبيلي أن سوء الخاتمة لا تكون أبداً لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، وأنما تكون لمن كان عنده فساد في العقيدة أو إصرار على الكبائر؛ فمن أقبل على إصلاح ظاهره وباطنه فلن يُخذله الله في آخر لحظة، إذ يُخالف ذلك رحمة الله وكرمه.
ضرب ابن القيم أمثلة موثقة لسوء الخاتمة: رجل لما يُلقَّن (لا إله إلا الله) قال (الناصر مولاي) لتعلقه بالسلطان، وآخر جعل يوصي ببيع الدار والبستان، وثالث تلفَّظ بالربا، ورابع كان آخر كلامه (أين الطريق إلى حمام من جابي) لتعلقه بصورة محرمة.
بكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح فلما قيل له: أكل هذا خوفاً من الذنوب؟ أخذ أبنة من الأرض وقال: الذنوب أهون من هذا، وإنما أبكي من خوف سوء الخاتمة؛ وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت.
«ولقد بكى سفيان الثوري ليله الى الصباح فلما اصبح قيل له كل هذا خوفا من الذنوب فاخذت ابنه من الارض وقال الذنوب اهون من هذا وانما ابكي من خوف سوء الخاتمه»
الصبر النافع ليس أن تضع الحرام بين يديك وتحاول مقاومته، بل هو صبر مغادرة البيئة الفاسدة والتخلص من وسائل التواصل المُفضية إلى الحرام، ومعالجة نقطة الضعف من جذرها. فمن لم يُغلق منافذ المعصية فصبره نظري لا قيمة له.
من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه الله بمحبة غيره فيعذَّب بها في الدنيا والبرزخ والآخرة؛ فإما أن يُعذَّب بمحبة الأوثان أو الصلبان أو المردان أو النسوان أو الأموال وغيرها. وكل من تعلّق بشيء فهو عبد له.
﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ﴾
يغلط أكثر الناس غلطًا قبيحًا إذ يقصدون حصول اللذة بما يُعقب عليهم أعظم الألم. فمن ينظر إلى الصورة المحرمة يُظن أنه يشفي قلبه، لكنه في الحقيقة يزيد مرضه ويُضاعف ألمه وحسرته، ثم تتكرر الجولة كلما غالط نفسه برجاء اللذة من جديد.
من خصائص العقل الإنساني التفكير في عواقب الأفعال قبل الوقوع فيها. لذا ينبغي قبل الإقدام على أي حرام أن يتوقف المرء ويتخيل مشاعره بعد المعصية، لأن النظر في العواقب يُعينه على حزم النفس والإحجام عن الحرام ابتداءً، لا بعد إشعال الشهوة حين يصعب التراجع.
قد يُشكَّك في كون المعاصي توجب الألم بدليل أن كثيرًا من أهلها يبدون في غبطة. وجواب ابن القيم: هؤلاء في سكرة الشهوات كمريض الجسد الذي أخذ مسكِّنًا، فالمرض يشتد وهو لا يشعر؛ حتى إذا زالت السكرة وكشف عنه الغطاء وجد الألم قد تفشَّى أضعافًا مضاعفة.
من وقع في معصية وشعر بعدها بالألم فينبغي أن يُعالج علاجًا حقيقيًا بالعودة إلى الله والتوبة إليه، لا أن يأخذ المسكِّن بمعاودة المعصية؛ فذلك يزيد الألم ولا يشفيه. والمسكنات لا تعالج، بل إن الانغماس في المعصية مرة أخرى يضاعف الداء ويُضعف الإيمان.
يُنبِّه ابن القيم إلى الألمين العظيمين اللذين يحملهما من عصى: ألم عدم الأنس بالله والاشتغال بذكره في الدنيا، وألم العذاب يوم القيامة. ويتساءل لماذا يحمل الإنسان الضعيف نفسه هذين الألمين مع أن بإمكانه تحمل ألم الكف عن الحرام المؤقت بدلًا من ذلك.
العشق المحرم لا يتمكن إلا من قلب فارغ خالٍ من همّ الأمة والأهداف السامية؛ فالقلب المشغول بالله وبمشاريع حقيقية لا يجد العشق فيه مكانًا، بينما القلب الذي لا هدف له يجد في العشق ملأً لفراغه.
لذات أهل الفواحش والظلم والبغي في الحياة الدنيا هي استدراج من الله يُذيقهم به أعظم الآلام ويحرمهم أكمل اللذات. وكما قال بعض السلف في قوله تعالى «سنستدرجهم»: كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة. فالمؤمن حين يرى النعمة تتجدد مع الذنب ينتبه لهذا الاستدراج الخطير.
﴿ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ﴾
المطلوب من طالب العلم ليس مجرد ختم المصنفات وطيّ الصفحات، فما أسهل الختم وأيسر القراءة. إنما المطلوب هو التركيز على العمل وإصلاح الخلل وتدارك النفس ويقظة القلب. والكتب العلمية توضعك على الطريق لكن أنت من يسير وأنت من يبذل ويصبر.
«المطلوب ليس هو مجرد الختام وانما المطلوب ان يحسن الانسان العمل واما ختم المصنفات فما اسهل هذه العمليه ولكن الجهد الذي ينبغي على طالب العلم ان يركز على العمل وعلى اصلاح الخلل»