خلص ابن القيم إلى أن جميع أسباب تخلف العمل وسقوط الإنسان في الذنوب تجتمع في قضيتين: ضعف البصيرة في الدين، وضعف الصبر على الشهوات والفتن. وعلاج ضعف البصيرة بالعلم وقراءة كلام العلماء والنظر في السيرة النبوية، وعلاج ضعف الصبر بالتصبر والتحلم والمجاهدة النفسية.
﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ﴾
نقل الشيخ عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: «إنما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين». وهذا مستخرج من قوله تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}. فزيادة اليقين بالتعلم والتفقه في الدين، والصبر بالتحمل والرباط، هما طريق الإمامة الربانية.
﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ﴾
شبّه ابن القيم حال العبد المذنب بحال رجل معه سيف قد غشيه الصدأ ولزم قرابه، فإذا جاءه عدو يريد قتله واجتهد ليخرجه لم يخرج معه فدهمه العدو وظفر به. كذلك القلب يصدأ بالذنوب فإذا احتاج صاحبه إلى محاربة العدو والبلاء لم يجد عنده شيئاً ينفعه.
الثبات أمام البلاء ليس قراراً لحظياً بل هو ثمرة شحذ السيف وإعداد القلب بالطاعة والمجاهدة طوال الحياة. من أعدّ قلبه صبر على البلاء الكبير، ومن أهمل إعداده فزع وجزع من أدنى شيء. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى.
الإمامة في الدين لا تُنال إلا بالصبر واليقين، كما قال تعالى (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون). فاصبر على فعل الطاعة واصبر على ترك المعصية، وترك المعصية يكون فيه مرارة على النفس لكن سيعقبه أنس ولذة وسعادة وطمأنينة.
﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ﴾
الحياة الدنيا في حقيقتها صبر ساعة؛ إما أن تصبر هذه الساعة فتحصل سعادة الأبد، وإما أن تبيعها بعرض من الدنيا بخس فتضيع سعادة الأبد. والصبر بطبيعته مرٌّ وفيه تعب، لكن الله يريد للعبد أن يتعب هذه الساعة في مقابل النعيم المقيم.
النصر عند الله ليس مقصوراً على الغلبة المادية، بل هو الثبات على العقيدة والقتال من أجلها حتى آخر نَفَس ولقاء الله غير مبدِّل؛ وأما انتصار الدنيا فقد سماه سبحانه «وأخرى تحبونها» دلالةً على أنه ثانوي في الميزان الإلهي.
﴿ وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ﴾
أصحاب الأخدود انتصروا بموازين الله رغم فنائهم جميعاً، لأنهم رفضوا العودة عن دينهم وألقوا بأنفسهم في النار ثباتاً على الحق؛ فالله أراد بذلك أن يُعلّم أهل الإيمان أنه إنما يريد منهم الثبات على المبادئ الدينية والقيم الشرعية، وما سيحصل بعد ذلك في الدنيا فهو بتدبيره وحده.
الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده. فإغلاق الباب الأول -وهو باب النظر- أسهل من إغلاق الأبواب الأخرى؛ فإذا فُتح الباب الأول صارت الأبواب التالية صعبة الإغلاق لكثرة الدوافع. فنصيحة الشيخ: اسعَ لإغلاق الباب الأول وهو أسهل، وأما الأبواب الأخرى فأمرها لا يكون تحت السيطرة دوماً.
ركّب الله في الإنسان نفسَين: نفساً أمارةً تحب الهوى وتكره العمل لله، ونفساً مطمئنةً تكره الهوى والباطل وتُحبّ الطاعة. وهما نفسٌ واحدة تتحول من حال إلى حال بحسب الزاد والعمل، والحرب بينهما مستمرة حتى آخر رمق، والنصر مع الصبر والمرابطة والتقوى.
﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ﴾
حتى لو ثبت طبياً ونفسياً أن إنساناً مُبتلى بميول تجاه جنسه، فهذا بلاء عليه أن يصبر عليه ويكافحه كما يصبر الرجل على غريزته تجاه النساء الأجنبيات؛ ولا يكون الابتلاء مبرراً للإقرار بالفاحشة بل يدعو إلى الصبر والعلاج والمراجعة.
يحتاج صاحب النفس إلى أمرين: بصيرة صحيحة يفرّق بها بين درجات المحبوب والمكروه فيؤثر الأعلى على الأدنى، وقوة عزم وصبر يتمكّن بهما من الفعل والترك. فكثيراً ما يعرف الرجل قدر التفاوت لكن يأبى له ضعف نفسه وهمته.
﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ﴾
الصبر النافع ليس أن تضع الحرام بين يديك وتحاول مقاومته، بل هو صبر مغادرة البيئة الفاسدة والتخلص من وسائل التواصل المُفضية إلى الحرام، ومعالجة نقطة الضعف من جذرها. فمن لم يُغلق منافذ المعصية فصبره نظري لا قيمة له.
متى كان العبد بالله هانت عليه المشاق وانقلبت المخاوف أماناً؛ فبالله يهون كل صعب ويسهل كل عسير ويقرب كل بعيد، وبالله تزول الهموم والغموم والأحزان. وإنما يجد الهمّ من فاته معنى هذه الباء.
جاء الأمر بالذبح في المنام لا عن طريق جبريل مباشرةً؛ لأن الوحيَ المباشر يزيل كل منازعة نفسية، أما الرؤيا فتتيح للشيطان أن يوسوس ويُشكِّك، فيكون تنفيذ المأمور به أشدَّ ابتلاءً وأعظم امتحانًا. وقد بيَّن ابن القيم أن هذا ما جعل البلاء أشق على إبراهيم عليه السلام.
الأمور في الحياة أربعة: مكروه يوصل إلى مكروه (لا يفعله عاقل)، ومكروه يوصل إلى محبوب (كالجهاد)، ومحبوب يوصل إلى محبوب (كالطعام الحلال والنكاح)، ومحبوب يوصل إلى مكروه (كالمعاصي). ومعترك الابتلاء هو الموازنة بين القسمين الأخيرين.
﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾
في أشد لحظات اشتعال الشهوة وتحكم سلطانها ينبغي تصبير النفس بقول: «يا نفس اصبري فما هي إلا ساعة ثم تنقضي». فإن النصر صبر ساعة، والفتن محيطة بنا لكن الصبر المؤقت على ألم الكف أيسر بكثير من ألم الحسرة وعذاب الآخرة.
لو قُبل تسمية قتيل العشق شهيداً على أثر ابن عباس فذلك مشروط بأن يكون قادراً على الوصول إلى الحرام ومع ذلك آثر مراضي الله فتركه، فصبر لله وكتم لله وعفّ لله. أما من كانت الظروف تمنعه من الوصول أصلاً فليس في موضع هذا الشرط.
﴿ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ﴾
«وهذا لا يكون الا مع قدرته على معشوقه انا متى اعتبر شهيد العشق هذا الذي يتكلم عنه انما هو الذي يستطيع الوصول اليها وممارسه الحرام معها لكنه اختار مراد الله»
الإنسان المبتلى بعشق ويصبر على الهوى ولا يقارب حراماً هو في جهاد حقيقي في سبيل الله، ليس سهلاً أن يصبر على العشق دون ارتكاب محرم. وقد قيل إنه من أحق من دخل تحت قوله تعالى «وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى».
﴿ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ﴾
«الانسان العاشق الذي يصبر ولا يرتكب الحرام ويصبر على الهواى ويرفض اي شيء معصيه نعم نسال الله ان يغفر له بسبب ماذا هذا الصبر لانه حقيقه ليس سهل ان تصبر على العشق ولا تقارب حراما جهاد في سبيل الله»