التوسل الصحيح المشروع هو التوسل بالأسماء الحسنى والصفات العُلا، أو بالأعمال الصالحة؛ أما التوسل بذوات البشر والمخلوقين فلا حاجة إليه وليس من صنيع السلف الصالح. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن اسم الله الأعظم في آيات من القرآن.
«اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد... لقد سأل الله بالاسم الذي إذا سُئل به أعطى»— السنن وصحيح ابن حبان، حديث عبد الله بن بريدة
«ألظوا بـ يا ذا الجلال والإكرام»— الحاكم في مستدركه، حديث أبي هريرة وأنس وربيعة
قد يدعو إنسان عند قبر رجل صالح في حالة اضطرار فيُستجاب له، فيظن الجاهل أن السر للقبر، والصواب أن السر لاضطرار الداعي وصدق لجئه إلى الله لا لصاحب القبر. والله سبحانه قد يجيب دعاء الكافر المضطر فما بالك بالمسلم المبتدع؟ ولو ذهب إلى مسجد بدلًا من القبر لكان ذلك أحب إلى الله.
﴿ هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ﴾
طائفة من الناس تركت الدعاء بحجة أن المقدَّر كائن والدعاء لا يغيره، وهذا قول بدعي مخالف للكتاب والسنة، وابن القيم يردّ بأن من قال بذلك يلزمه تعطيل جميع الأسباب في حياته، إذ لو كان الشبع مقدراً بلا سبب لكان الأكل لاغياً، وهذا ما لا يقوله عاقل.
الناس يؤمنون بالأسباب الحسية إيماناً راسخاً ويضعف إيمانهم بالأسباب الشرعية، فيعتقدون يقيناً أن الطعام سبب في الشبع والماء سبب في الري، لكنهم لا يعتقدون بالدرجة ذاتها أن الدعاء سبب في الشفاء، ومن هنا دخلت الآفة على أكثر الناس.
طائفة ثانية قالت: نحن ندعو تعبداً لا لأن الدعاء مؤثر في الأقدار، وهذا قول بدعي أيضاً. فمن قال ذلك لا فرق عنده بين الدعاء والإمساك عنه في التأثير، وهذا كلام فاسد مخالف للكتاب والسنة.
بيّن ابن القيم أن الأشاعرة يجعلون الأسباب مجرد علامات وأمارات لا أسباباً حقيقية، فالطعام عندهم علامة على الشبع لا سبب له، وهذا كلام مخالف للحس والعقل والشرع والفطرة، حتى إنه أضحك العقلاء.
أجاب ابن القيم عن شبهة الدعاء والقدر بأن القسمة ثلاثية لا ثنائية: الأول قدر يحصل بلا سبب، والثاني قدر يحصل بمباشرة السبب، والثالث شيء لم يُقدَّر فلن يحصل سواء أتيت بالسبب أم لا. ومن أسباب القسم الثاني: الدعاء.
صرّح ابن القيم بأن الدعاء من أقوى الأسباب وأبلغها في حصول المطلوب، بل هو أقوى حتى من الأسباب الحسية لمن استوفى شروطه وآدابه. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يعلمون ذلك فكانوا أقوم به من غيرهم.
﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ﴾
قال عمر رضي الله عنه: «لا أحمل همّ الإجابة ولكن هم الدعاء»، لأن الله إذا قدّر للعبد أن يدعو فقد قدّر أن يُجيب. فالخوف الحقيقي ينبغي أن يكون من أن يُحرم الإنسان من رفع يديه بالدعاء، لا من أن لا يُستجاب له.
قرّر ابن القيم قاعدة عظيمة: من ألهمه الله الدعاء فقد أراد به الإجابة، لأن الله لو لم يُرد إعطاءه لما وفّقه لمباشرة سبب الدعاء. فإذا ألهمك الله رفع يديك فاعلم أنه يريد أن يُعطي بعطائه الواسع.
أكد ابن القيم أن الطاعة والتقرب إلى الله والبر والإحسان من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من المعاصي والفساد من أكبر الأسباب الجالبة للشر. وهذا متفق عليه عند كل العقلاء عبر التاريخ.
استقرأ ابن القيم القرآن الكريم فوجد أن ترتيب الجزاء على الأعمال خيراً وشراً وارد في أكثر من ألف آية، بأدوات متعددة: الشرط والجزاء، وفاء السببية، ولام التعليل، وأداة «كي»، وباء السببية، وأداة «لما»، مما يثبت قانون السببية ثبوتاً قاطعاً.
قرّر ابن القيم أن الفقيه الكامل هو من يدفع القدر بالقدر، فيباشر الأسباب التي وضعها الله لدفع الأقدار السيئة: يدفع قدر المرض بالدواء، وقدر الجوع بالطعام، وقدر البلاء بالدعاء. ولا يجوز الاستسلام للأقدار السيئة بحجة التوكل.
بيّن ابن القيم أن القرآن والسنة يُرسيان القواعد الكلية لأسباب الخير والشر، وأن التاريخ هو تفصيل لجزئيات هذه القواعد وتطبيقاتها. فالنظر في مآلات الصالحين والأشرار عبر التاريخ يُعمّق المعرفة بسنن الله.
نبّه الشيخ على أن تعلّم العقيدة الصحيحة ليس مجرد أمر نظري، بل له أثر مباشر على السلوك، وضرب أمثلة: الإرجاء يُهوّن من شأن العمل، والجبر يُعطّل الإرادة والاختيار، ونفي السببية يُفسد الانتفاع بالدعاء والقرآن.
أورد ابن القيم حديث أبي هريرة: «من لم يسأل الله يغضب عليه»، مبيناً أن الله يعكس ما يفعله البشر تجاه السؤال؛ فالإنسان يُغضبه كثرة السؤال، أما الله فيغضب إذا تُرك سؤاله ولجأ العبد إلى غيره.
«من لم يسال الله يغضب عليه»— سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة
بيّن ابن القيم أن الله رتّب الحياة الطيبة على العمل الصالح، فمن قال «مكتوب لي حياة طيبة» وترك العمل الصالح فهو يجري على غير ناموس الله. ومن أعرض عن ذكره فله معيشة ضنكاً في الدنيا قبل الآخرة.
﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾
بنى الله هذا الكون على قانون السببية الذي يجري في الأمور الحسية والشرعية معاً. فكما أن الطعام سبب للشبع والنار سبب للحريق، فالقرآن والدعاء والذكر أسباب للشفاء الإيماني. ومن أنكر السببية في الكون أو نفاها تشبّه بأهل الفرق المبتدعة ووقع في خطأ عقدي جسيم.
الدنيا بكل ما فيها لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولذلك أعطاها الله للكافرين أيضاً. فمن اغتر بعطاء الدنيا وظن أنه دليل محبة الله له فقد وقع في الغرور، والعاقل يفرح بالإيمان ومجالس الخير لا بالأرصدة والشهوات.
«إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب»— جامع الترمذي، حديث صحيح
من عقيدة أهل السنة والجماعة أن التصديق والإيمان يزيد وينقص. فمن ظن أن العلم لا يتفاوت فقوله من أفسد الأقوال وأبطلها. والتصديق يضعف إذا تُركت عوامل القوة من قراءة القرآن وقيام الليل ومجالسة العلماء والصالحين، ويزداد إذا باشرها.
استدل ابن القيم بأن إبراهيم الخليل عليه السلام سأل الله أن يريه كيف يحيي الموتى مع علمه بقدرة الرب على ذلك، وهذا دليل على طلب زيادة الطمأنينة بتحويل المعلوم الغيبي إلى شهادة. فالإنسان الطبيعي هو الذي يبحث عن عوامل قوة الإيمان ويباشرها.
﴿ وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم ﴾
نقل الشيخ عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: «إنما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين». وهذا مستخرج من قوله تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}. فزيادة اليقين بالتعلم والتفقه في الدين، والصبر بالتحمل والرباط، هما طريق الإمامة الربانية.
﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ﴾
في حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «احفظ الله يحفظك، تعرّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة». ومعنى حفظ الله في الرخاء: صون الجوارح واللسان والقلب عن الحرام في وقت تكون فيه النفس مُقبِلة على شهواتها، فمن فعل ذلك نال حفظ الله الشامل في الدنيا والآخرة في نفسه وماله وذريته وأهله.
«يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة»— حديث ابن عباس رضي الله عنه
بيّن ابن القيم أن الرجاء الحقيقي يقوم على ثلاثة أركان: الأول محبة ما يُرجى، فلا رجاء دون محبة حقيقية. والثاني الخوف من فوات المرجوّ، بحيث يدفع هذا الخوف إلى الحرص والاجتهاد. والثالث السعي في تحصيله بحسب الإمكان، فمن اختلّ فيه ركنٌ واحد سقط عنه اسم الرجاء وصار في دائرة التمني.
استنبط ابن القيم من أركان الرجاء أن كل راجٍ لا بدّ أن يكون خائفاً من الفوات، وأن الخوف هو ركن في الرجاء لا ينفصل عنه. فمن عاش الدنيا آمناً لا يخشى الفوات فليس بصاحب رجاء حقيقي، لأن الرجاء والخوف متلازمان حتى تكون عبودية صادقة.
«من خاف أدلج»— جامع الترمذي، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
من يُغلق باب غرفته ويعمل المعصية خائفاً من أن يراه الناس أو أبوه دون أن يضطرب فؤاده من نظر الله إليه، قد جعل الله أهونَ الناظرين إليه. وهذا أعظم من المعصية ذاتها، لأنه استهانة بعظمة الله وإسقاطٌ لمقامه في القلب.
قال الأوزاعي: «لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت». فالمؤمن لا يزن المعصية بحجمها بل بعظمة ربّه الذي عصاه، وهذا من أعظم ما يُعين على ترك المعصية. وكلما تجذّر تعظيم الله في القلب كلما عَظُم أثر المعصية في النفس فيتركها.
في الأثر المروي: «قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة. فلا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك، ولكن توبوا إليَّ أَعطفهم عليكم». فالسلطان الظالم هو عقوبة من الله على ذنوب الرعية، ومن أراد رفع الظلم فعليه بالتوبة وإصلاح نفسه قبل الانشغال بالتحليل السياسي.
قوة المؤمن الحقيقية من قلبه، وكلما قوي قلبه قوي بدنه. والدليل التاريخي هو انتصار الصحابة على جيوش فارس والروم رغم تفوق هذه الجيوش جسديًا وعسكريًا، لأن الله ألقى الرعب في قلوب الأعداء.
عمر الإنسان الحقيقي هو مدة إقباله على ربه والتنعم بحبه وذكره وإيثار مرضاته. وما سوى ذلك من الحياة فغير محسوب. قال ابن القيم: 'وسر المسألة أن عمر الإنسان مدة حياته ولا حياة له إلا بالإقبال على ربه'.
من جاهد نفسه على الطاعة وألفها، أرسل الله بفضله عليه الملائكة تؤزه إليها وتحرضه عليها وتزعجه من فراشه لأدائها. أما من آثر المعاصي وألفها، فالله يُسخِّر له الشياطين تدفعه إليها دفعًا.
﴿ ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ﴾
المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه؛ فإذا هان العبد على الله لم يُكرمه أحد. قال الحسن البصري: 'هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم'. وهذا الهوان قد يُخفيه التعظيم الظاهري من الناس لكنه ثابت في قلوبهم.
﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ﴾
الله سبحانه أشد غيرةً من أن تُنتهك محارمه، كما ثبت في الصحيح (ما أحدٌ أغير من الله)، لكن غيرته لا تجعله يستعجل بالعقوبة؛ بل يُحب أن يعتذر إليه عبده ويُرسل الرسل ويُنزل الكتب إعذاراً وإنذاراً، وهذا غاية المجد والإحسان.
«ما أحدٌ أغيرُ من الله، يا أمة محمد ما أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته»— الصحيحان
من لطيف الفوائد أن من وافق الله في صفةٍ من صفاته التي أذن لنا في التخلق بها كالرحمة والغيرة والحياء والجمال قادته تلك الصفة إليه بزمامها وأدنته منه وقرّبته من رحمته. وهذا يدل على أن الطريق إلى الله هو التخلق بأسمائه وصفاته في الحدود المأذون بها.
قرّر ابن القيم أن أصل الدين الغيرة؛ فمن لا غيرة له لا دين له. والغيرة تحمي القلب فتحمل الجوارح على دفع السوء والفواحش، وعدم الغيرة يُميت القلب فتموت له الجوارح فلا يبقى عندها دفعٌ البتة.
من عقوبات الذنوب أنها تُخرج العبد من دائرة الإحسان وتمنعه من ثواب المحسنين؛ لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، ومن يفعل الذنوب لا يشعر بمراقبة الله ولا يرى الله، فيخرج من دائرة الإحسان إلى دائرة الإيمان، فإن استمر خرج إلى دائرة الإسلام فحسب.
«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»— الصحيحان
من أعظم آثار الذنوب أنها تُضمحل من القلب تعظيمَ الله وتعظيمَ حرماته، حتى تهون على صاحبها أوامره ونواهيه. والمؤمن إنما يعيش بتعظيمه لله؛ فإذا فقد هذا التعظيم لم يجد ما يحدث بينه وبين المعصية من حاجز.
قاعدة ربانية: على قدر محبة العبد لله يُحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق، وعلى قدر تعظيمه لله وحرماته يُعظّمه الناس. فمن استهان بشرع الله رفع الله مهابته من قلوب الخلق. ومن يهن الله فما له من مكرم.
﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ﴾
من أجمل ما أورده ابن القيم: «من كل شيء إذا ضيّعته عوض، وما من الله إن ضيّعت من عوض». فكل ما يُفقد في الدنيا يمكن تعويضه إلا الله؛ فإنه يُغني عن كل شيء ولا يُغني عنه شيء، ويُجير من كل شيء ولا يُجار منه شيء.
الله سبحانه رتّب في كتابه نحو مئة خصلة من الخير والجوائز والعطايا لمن هو في مرتبة الإيمان، من بينها: الأجر العظيم، والدفع عنهم، واستغفار الملائكة لهم، وموالاة الله لهم، وتثبيت الملائكة إياهم، والعزة، والمعية الخاصة، والرفعة في الدنيا والآخرة، والنور، والود بين الخلق، والأمن من الخوف يوم القيامة، وكون القرآن هدى وشفاءً لهم. فمرتكب الكبيرة يخسر هذا الملف كله.
﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ﴾
الحرية الحقيقية ليست هي الخروج من ربقة التشريع كما تنادي بعض الأصوات، بل هي كما قال الشاطبي: أن تخرج من داعية هواك إلى طاعة مولاك. فتتخلص من عبودية الشهوات وتتفرغ لعبودية الله، فتلك هي الحرية الحقيقية التي تُسعد صاحبها.
بيّن ابن القيم عظم الغبن في حق من يُفرّط في صفقة الله؛ إذ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، والضامن لهذا البيع رسول الله ﷺ. فمن يُفرّط في هذه الصفقة العليا من أجل لذة ساعة أو مسلسل أو مال حرام فقد غبن كل الغبن وباع ثمينًا بخسيس.
﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ﴾
من أعظم عقوبات الذنوب أنها توجب القطيعة بين العبد وربه؛ فإذا وقعت هذه القطيعة انقطعت عنه أسباب الخير كلها واتصلت به أسباب الشر، فلا فلاح ولا رجاء لمن انقطعت عنه أسباب الخير وقطع ما بينه وبين مولاه الذي لا غنى عنه طرفة عين.
أصل الإنسان الافتقار؛ فهو مفتقر بذاته إلى الله في كل خطرة وفي كل خطوة، وهذا الفقر ليس وصفاً طارئاً بل هو عِلّة ذاتية مستدامة في الدنيا والآخرة. ومن كان هذا شأنه فكيف يبتعد عمّن انفاسه وإراداته وسعادته بيده؟
﴿ يا/أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ﴾
بيّن الله في آية الكهف سببَين مستقلّين لوجوب عداوة إبليس: الأول أنه فسق عن أمر الله فعادى ملك الملوك، والثاني أنه عدوٌّ للإنسان يحاول صدّه عن طريق السعادة. وعتب الله على من اتخذوه ولياً بقوله (بئس للظالمين بدلاً) لأنهم استبدلوا موالاة الله بموالاة عدوّه.
﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ﴾
قاعدة ابن القيم: لا مبارَك إلا ما نُسب إلى ألوهيته ومحبته ورضاه؛ فكلامه مبارك ورسوله مبارك وأرض الشام مباركة، وكل ما أبعده الله عن نفسه من الأعيان والأقوال والأعمال فلا بركة فيه. وضد البركة اللعنة، فكل أرض أو شخص أو فعل لعنه الله يجب اجتنابه.
﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ﴾
خلق الله الإنسان مهيَّأً ليكون خليفته في الأرض وهو مقام شريف جداً، لكن بالذنوب والمعاصي يتنزل عن مقام الاستخلاف ويصبح في أسفل سافلين. وجعل الله أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة وأهل معصيته الأسفلين، وجعل العزة لهؤلاء والذلة والصغار لهؤلاء.
لا يوجد ذنب صغير في مقابل العظيم الكبير الجليل؛ فمقابلة العظماء والأجلاء بالرذائل يستقبحه كل أحد فكيف بملك الملوك؟ ولولا أن رحمته سبقت غضبه ومغفرته غلبت عقوبته لتزلزلت الأرض والسماوات. وقد أخرج الله أبوينا من الجنة بذنب واحد ولعن إبليس بذنب واحد.
﴿ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا ﴾
الطاعة حصن الرب الذي من دخله كان من الآمنين، وذكر الله وطاعاته والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقايةٌ ترد عن العبد كالقوة التي ترد المرض. فإذا ابتعد عن الطاعة وأدمن المعاصي فقد قوته وصار كمن خرج من الحصن فهجمت عليه قطاع الطريق.
مدار كمال الإنسان على أصلين: معرفة الحق من الباطل، والقوة على تنفيذ الحق واختياره. وبهذين الأمرين أثنى الله على الأنبياء بقوله (أولي الأيدي والأبصار). وقد انقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام، أشرفهم وأكرمهم من جمع كمال البصيرة وكمال تنفيذ الحق.
﴿ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار ﴾
الإمامة في الدين لا تُنال إلا بالصبر واليقين، كما قال تعالى (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون). فاصبر على فعل الطاعة واصبر على ترك المعصية، وترك المعصية يكون فيه مرارة على النفس لكن سيعقبه أنس ولذة وسعادة وطمأنينة.
﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ﴾
ورد في الحديث أن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلماً. ومعنى ذلك أن كل ما تعلق بالدنيا وشهواتها فهو خارج البركة وداخل في اللعنة، وما ارتبط بالله وطاعته أو بنشر العلم والتعلم فهو الذي فيه البركة الحقيقية.
«الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم»— الترمذي
روح القدس نفث في روع النبي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها، فالرزق المقدَّر لا يُحرم منه العبد بذنبه، لكن الذي يتأثر هو بركة الرزق لا أصله. وجعل الله الروح والفرح في الرضا واليقين، والهم والحزن في الشك والسخط.
«إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب»
كل شيء يفوت العبد يمكن أن يُعوَّض عنه: الدينار والزوجة والسكن. لكن إذا فاته الله فلا شيء يعوض عن الإله في حياة الإنسان وقلبه وروحه؛ وكيف يعوّض الفقير بالذات عن الغني بالذات؟ وكيف يعوّض العاجز عن القادر بالذات؟ وحياة الإنسان الحقيقية بحياة قلبه وروحه.
لمّا علم الله أن الإنسان مبتلى بهذا العدو أمدّه بعساكر وجند يلقونه بها، وأقام سوق الجهاد في هذه الدار طوال مدة العمر التي هي بالنسبة للآخرة كنفَس واحد من أنفاسها.
﴿ يا/أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ﴾
﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ﴾
اشترى الله من المؤمنين أنفسَهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وأكّد هذا الوعد في أشرف كتبه: التوراة والإنجيل والقرآن. ومَن أراد معرفة قدر هذه الصفقة فلينظر إلى المشتري وهو الله، وإلى الثمن وهو الجنة.
﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ﴾
لم يسلّط الله إبليسَ على عبده المؤمن إلا لأن الجهاد أحبُّ شيء إليه وأهله أرفع الخلق عنده درجات. وأول الجهاد وأساسه هو جهاد النفس ضد الخطرات، وكل مؤمن لا بد أن يأخذ حظه من هذه العبودية.
أمدّ الله الإنسانَ بثلاثة أسلحة لخوض معركة الحياة: الملائكة الموكّلون بحراسته، والوحي الإلهي (الكتاب والسنة) الذي يمدّ القلب بالقوة وزيادة الإيمان، والعقل الذي فُطر على طلب الحق والبحث عنه.
أقسم إبليس لربه أنه سيجلس للإنسان على صراطه المستقيم ويأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله. وقد أثبت الله هذا القسم في القرآن تحذيراً للإنسان كي يبقى متيقظاً في كل خطوة يخطوها في هذه الحياة.
ابتلي بعض غلاة الصوفية بعقيدة الاتحاد والحلول، فأباحوا النظر إلى النساء بحجة أن الله يحل في كل مكان. وهذا القول أفسد من قول النصارى لأنه يجعل الله يحل في كل المخلوقات. والمسلم الذي ينظر ويعرف أنه عاصٍ أهون عند الله ممن ينظر بهذه الحجج الكفرية.
إذا تولّى الملكُ العبدَ تولّى أنصح الخلق وأنفعهم له، فيُثبّته ويُعلّمه ويُقوّي جنانه. والملك وليٌّ للعبد في يقظته ومنامه وحياته وعند موته وفي قبره، ومؤنس في وحشته وصاحب في خلوته، ويحارب عنه عدوه ويُبشّره بالخير ويحثّه على التصديق بالحق.
﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ﴾
نبّه الله سبحانه على وجوب الاستحياء من الحافظين الكرام فقال: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}. فعلى المؤمن أن يستحيي منهم ويُكرمهم، وأن يجلّ أن يروا منه ما يستحي أن يراه مَن هو مثله من البشر.
العقوبات نوعان: شرعية وهي الحدود، وقدرية وهي ما يُنزله الله بقلب المذنب من سحب النعم وضيق القلب والغفلة والختم والطبع. فإذا أُقيمت العقوبة الشرعية على الجاني رفعت العقوبة القدرية عنه أو خففتها، وذلك من رحمة الله بعباده.
«حديث عبادة بن الصامت في أن إقامة الحد كفارة»— حديث عبادة بن الصامت
إذا امتنع الناس عن إقامة حدود الله فإن الله يحوّل العقوبات الشرعية إلى عقوبات قدرية عامة تحل بالشعوب والأمم؛ فتحل الزلازل والفتن والفيضانات وقلة الرزق وسحب المطر. والفرق بين العقوبتين أن الشرعية تخص من باشر الجناية أما القدرية فتعم.
«اذا امتنع الناس عن اقامه حدود الله سبحانه وتعالى فان الله ماذا يفعل بهذه الشعوب والامم يحول عقوباتهم الشرعيه الى عقوبات قدريه فتحل بهم الزلازل والفتن»
يُنبّه الشيخ على سرّ لطيف: ختمت الملائكة دعاءها في سورة غافر بـ«إنك أنت العزيز الحكيم» لا بـ«الغفور الرحيم»، لأن السياق سياق قضاء ويوم حكم، والقضاء يحتاج إلى عزّة وقدرة وحكمة. وهذا نفسه ما فعله عيسى عليه السلام في دعائه.
﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم ﴾
يُوضّح الشيخ أن وعد الله بجنات عدن وعدٌ مشروط بالأسباب لا مطلق، وأن الإنسان لا يدخل الجنة استحقاقًا مجردًا بل برحمة الله. ومن جملة الأسباب الموصلة إلى الجنة: الأعمال الصالحة، ودعاء الملائكة، وتوفيق الله.
﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم ﴾
يُقرّر ابن القيم أن الصمم والبكم والعمى الحقيقية إنما هي للقلب بالذات، وللجوارح بالعرض والتبعية. فإن الإنسان الفاقد للبصر الحسي وقلبه حيٌّ لا يُعدّ أعمى بالمعنى الشرعي الحقيقي، بينما صاحب القلب الميت أعمى حقًا وإن كان يرى.
﴿ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾
يستشهد الشيخ بحديث حذيفة بن اليمان الذي يُصنّف القلوب أربعةً: أولها القلب الأجرد المتجرد لله فيه سراج الإيمان وهو قلب المؤمن الصادق، وثانيها القلب الأغلف الذي غلّفته الذنوب فهو قلب الكافر، وثالثها القلب المنكوس الذي أقبل ثم انقلب وهو قلب المنافق، ورابعها القلب الذي تمدّه مادتان: مادة إيمان ومادة نفاق، ومآله بحسب ما يغلب.
«القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، وقلب أغلف، وقلب منكوس، وقلب تمده مادتان مادة إيمان ومادة نفاق»— ذكره الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه كما نقله الشيخ
يُركّز الشيخ على أن الحياة الحقيقية للقلب ليست في إشباع الشهوات والمال، بل في اتصاله بالله ومعرفته والأنس به والاعتماد عليه. وقد أشار القرآن إلى أهل الكفر بـ«الموتى» لأن قلوبهم ميتة، وإن كانت أجسادهم حية.
﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ﴾
النصر عند الله ليس مقصوراً على الغلبة المادية، بل هو الثبات على العقيدة والقتال من أجلها حتى آخر نَفَس ولقاء الله غير مبدِّل؛ وأما انتصار الدنيا فقد سماه سبحانه «وأخرى تحبونها» دلالةً على أنه ثانوي في الميزان الإلهي.
﴿ وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ﴾
أصحاب الأخدود انتصروا بموازين الله رغم فنائهم جميعاً، لأنهم رفضوا العودة عن دينهم وألقوا بأنفسهم في النار ثباتاً على الحق؛ فالله أراد بذلك أن يُعلّم أهل الإيمان أنه إنما يريد منهم الثبات على المبادئ الدينية والقيم الشرعية، وما سيحصل بعد ذلك في الدنيا فهو بتدبيره وحده.
الله سبحانه وتعالى ضمن في سورة النساء أن المجاهد في سبيل الله سواء قُتل أو غَلَب فسوف يؤتيه أجراً عظيماً، فكلتا الحالتين فوز؛ فمن استُشهد فاز بالشهادة والجنة، ومن غَلَب فاز بالنصر المادي.
﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾
الدنيا ليست داراً للجزاء المكتمل على الظالم والمظلوم، وقد يؤجّل الله محكمة العدل ليوم العرض الأكبر؛ فمن آمن بذلك خفّت عليه مرارة المشاهد المؤلمة ولم يُصَب بسوء الظن بالله أو الشك في حكمته.
«القضيه الثانيه التي تثبت الايمان هو ان يدرك الانسان ان العدل الالهي ليس شرطا ان يتحقق في الدنيا وانما وعد الله سبحانه وتعالى ان المشهد النهائي هو الذي سيتحقق فيه العدل وهو يوم القيامه»
الله تعالى جعل الحياة الطيبة لمن آمن وعمل صالحاً، وضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء في الدنيا بالحياة الطيبة وفي الآخرة بالجزاء الأحسن؛ فهم أحياء في الدارين بنعيمهم القلبي والأخروي.
﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾
القلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة، فسلم من كل آفة تبعده عن الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره، ومن كل إرادة تزاحم مراده، ومن كل قاطع يقطع عن الله.
من علامات القلب السليم أن يسلم من الشبهات التي تعارض نصوص الكتاب والسنة، فيتلقى النصوص بالتسليم والقبول؛ أما من لا يزال عنده شبهات تجاه الحجاب أو تحريم الربا أو نحوهما فقلبه لم يسلم بعدُ من هذا الباب.
يبيّن ابن القيم أن دعاء «اهدنا الصراط المستقيم» الذي يُردَّد في كل صلاة هو من أجمع الأدعية لأن الصراط المستقيم يشمل: استقامة الإرادات والخواطر والأفكار، وأعمال الجوارح الظاهرة، والتروك الباطنة، مما يجعله جامعاً لجميع ما يحتاجه العبد.
الذنوب الملكية هي أن يتعاطى الإنسان ما لا يصلح إلا لله من صفات الربوبية كالعظمة والكبرياء والجبروت واستعباد الخلق؛ ومنها الشرك بالله في أسمائه وصفاته، ومنها الرياء وهو شرك المعاملة الذي يُحبط العمل دون إيجاب دخول النار.
أورد ابن القيم جملةً من الأحاديث الصحيحة تُثبت انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر وتنصّ على أعيان الكبائر، منها حديث: «ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور»، وحديث: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وحديث أعظم الذنب عند الله: الإشراك به ثم قتل الولد ثم الزنا بحليلة الجار.
بنى ابن القيم تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر وتفاوتَها على مبدأ العدل الإلهي؛ إذ أخبر الله في كتابه أنه خلق السماوات والأرض ليقوم الناس بالقسط، فكلُّ ذنب كان أشدَّ منافاةً لهذا المقصود الإلهي كان أكبرَ وأشدَّ تحريمًا، وكلّ طاعة أعظمُ تحقيقًا له كان إيجابها في الشريعة أعلى.
﴿ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ﴾
جعل الله الشركَ أكبرَ الكبائر على الإطلاق لأنه ينافي العدل الإلهي بأعلى درجاته، إذ أساس العدل الإلهي هو توحيد الله وإفراده بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، والشرك ينقض هذا الأساس. ولذلك حرّم الله الجنة على كل مشرك ولا يغفر لمن مات عليه.
﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ﴾
التوحيد هو أعظم ما يقاتل ويُصال به، وليس بقومية ولا وطنية ولا عروبة من الرايات العمياء. وكلّما اختلّ التوحيد في حياة الأمة تأخّر نصرها، وكلما تحقّقت معاني التوحيد اقترب النصر. لذلك على المسلم أن لا تأخذه العاطفة فيُقدّم الاعتبارات الأخلاقية والسلوكية على الأمور العقدية التوحيدية.
قسّم ابن القيم الشرك إلى نوعين: الأول يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله وينقسم بدوره إلى شرك تعطيل وشرك اتخاذ إله آخر، والثاني يتعلق بمعاملة الله وعبادته وهو شرك من يوحّد الله في اعتقاده لكنه لا يُخلص له في أقواله وأفعاله وإراداته.
الذات إنما تكمل بأسمائها وصفاتها، فمن عطّل الله عن أسمائه الحسنى وصفاته العلى جعل بعض المخلوقين أكمل من الله، لأنه يُثبت للمخلوقين أسماء وصفات بينما ينفيها عن الله. وكل من كان أشد تعطيلًا كان أكثر انتقاصًا لربّه.
زعم المشركون أن اتخاذ الوسطاء والشفعاء تعظيمٌ لله لا استهانة به، بحجة أن مقامه عظيم فلا يُدخل عليه مباشرة، وهي نفس شبهة كفار قريش في قولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى). ردّ ابن القيم بأن هذا ظلمٌ لله إذ يُساوي العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات، وأن النهي عن الشرك واجب عقلًا وشرعًا وفطرةً معًا لا شرعًا فحسب.
﴿ ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾
من صور الشرك الأكبر في المعاملة أن يُحبّ الإنسان مخلوقًا كما يُحبّ الله، أو يخافه كما يخافه، أو يرجوه كما يرجوه فيجعله شريكًا لله في هذه الأعمال القلبية. وهذا الشرك لا يغفره الله، قال تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله).
﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ﴾
من صور الشرك الأكبر في الأفعال: السجود لغير الله، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس خضوعًا وتعبدًا لغيره، وتقبيل القبور واستلامها والسجود لها. ونصّ ابن القيم على أن الطواف بالقبور شرك لا مجرد ذريعة إليه، وأن هذه الصور من الشرك المُخرج من الملة.
«لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»— الصحيحان
«إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك»— صحيح مسلم
من حكمة النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها حمايةُ جناب التوحيد، لأن كثيرًا من المشركين في ذاك الزمان كانوا يسجدون للشمس في هاتين الحالتين، فنُهي عن الصلاة فيهما سدًّا لذريعة التشبه بعبّاد الشمس.
لفت ابن القيم إلى أن لفظ «لا ينبغي» إذا ورد في كلام الله وكلام رسوله فإنه لا يُستعمل إلا فيما اشتدّ قبحه وعظُم أمره، فهو في غاية الامتناع شرعًا وفي أعلى درجات التحريم، واستدل بقوله تعالى: (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا) وقوله: (وما ينبغي لهم وما يستطيعون).
من صور الشرك اللفظي: الحلف بغير الله وهو شرك أصغر، وقول «ما شاء الله وشئت» إذ ردّ النبيّ على قائله بقوله: «أجعلتني لله ندًّا؟ قل ما شاء الله وحده»، وكذلك قول «متوكل على الله وعليك» و«داخل على الله وعليك» ونحوها من الألفاظ التي تُسوّي بين الله والمخلوق.
«من حلف بغير الله فقد أشرك»— رواه أحمد وأبو داود، صححه الحاكم وابن حبان
«ما شاء الله وشئت، فقال النبي: أجعلتني لله ندًّا؟ قل ما شاء الله وحده»— ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم
خلاصة الشرك باستقراء أنواعه تدور على أمرين: إما أن يتشبه الإنسان بالخالق في أسمائه وصفاته وأفعاله، وإما أن يُشبّه مخلوقًا بالله. فأصحاب القبور يُشبّهون العاجزَ الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات بإعطاء النفع والضر والعطاء والمنع لهم، وهذا من أقبح أنواع التشبيه.
روى الإمام أحمد أن رجلًا أُتي به إلى النبي قد أذنب ذنبًا فوقف بين يديه وقال: «اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد»، فأجابه النبي: «عرف الحق لأهله». وهذا يدل على أن التوبة حق خالص لله، لا لنبيٍّ ولا لوليٍّ.
«اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، فقال النبي: عرف الحق لأهله»— مسند الإمام أحمد
شرك المعاملة ينقسم إلى أكبر وأصغر: الأكبر غير مغفور والأصغر يغفره الله بواسع رحمته. أما النوع الأول من الشرك وهو شرك التعطيل واتخاذ إله مع الله فلا ينقسم إلى أكبر وأصغر بل هو كله خارج الإسلام، وإنما ينقسم إلى كبير وأكبر إذ الإلحاد أسوأ من اتخاذ إله مع الله.
نبّه الشيخ على خطأ شائع في واقع الأمة: أن كثيرًا من الناس يستعظمون الزنا والفواحش أكثر مما يستعظمون الشرك بالله، فلا يجدون نفورًا كافيًا من عبادة القبور والأصنام. وهذا التهوين من عظم الشرك مشكلة كبيرة يجب معالجتها بتعليم الأسرة والمجتمع.
حقيقة الشرك أن تُشبّه المخلوق بالخالق فتُعطيه الخصائص الإلهية التي يجب أن ينفرد بها الإله، وهو مخلوق لا غنى له عن الله طرفة عين. فهذا من أعظم الافتراء على الله وأعظم الانتقاص لجنابه سبحانه.
العبادة في حقيقتها هي غاية الحب مع غاية الذل، فمتى أعطيت شيئًا كمال الحب والخضوع فقد عبدته. وهذا يختلف عن تعريف ابن تيمية للعبودية الذي هو أشمل؛ إذ التعريف الدقيق للعبادة ذاتها هو هذان الركنان: كمال المحبة وكمال الذل.
تتفاوت منازل الخلق في مقام العبودية لله بحسب تفاوتهم في ركني الحب والذل؛ فمن كان أكثر حبًا لله وأكثر خضوعًا له كان أكثر تعبدًا، وكلما ضعف أحد الأصلين في القلب تجاه الرب ضعفت درجة العبودية.
من صرف الحب والخضوع لغير الله فقد شبّه ذلك المخلوق بالخالق، وأعطى ما للخالق للمخلوق. فالشرك في جوهره إعطاء حق الله لغيره، سواء بالسجود أو التوكل أو التوبة أو الحلف بالتعظيم.
إذا كان الشرك تشبيه المخلوق بالخالق تشبيهًا خارجيًا، فإن تشبّه الإنسان بنفسه بالخالق هو أشد وأشنع؛ كمن يدعو الناس إلى تعظيمه وطاعته وتعليق القلوب به خوفًا ورجاءً، فقد نازع الله في ربوبيته وألوهيته وهو حقيق بأن يُهينه الله غاية الهوان.
«يقول الله عز وجل: العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدًا منهما عذّبته»— الصحيح
المصوِّر الذي يصنع التماثيل من ذوات الأرواح أو يرسمها أشد الناس عذابًا لأنه تشبّه بالله في مجرد صورة الخلق، فكيف بمن يتشبه بالله في خواص الربوبية والألوهية؟ والمراد بالمصور المذموم: الناحت للتماثيل أو الرسام لذوات الأرواح، لا مستخدم الأجهزة الفوتوغرافية.
«أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون، يقال لهم أحيوا ما خلقتم»— الصحيحين
«قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي؟ فليخلقوا ذرّة، فليخلقوا شعيرة»— الصحيحين
أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، لأن المسيء بالظن قد ظن به خلاف كماله المقدّس وما يناقض أسماءه وصفاته. والشرك في جوهره إساءة ظن بالله، إذ عبادة الغير تنبع من ضعف الثقة بالله والشك في كماله وغناه وقدرته.
﴿ وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ﴾
الله سبحانه غني عن الوسطاء والشفعاء لكمال علمه وقدرته ورحمته، بخلاف ملوك الأرض الذين يحتاجون إلى وسطاء لضعف علمهم وإطلاعهم. فإدخال الوسائط بين الله وخلقه نقص في حق ربوبيته وألوهيته وتوحيده، وتشبيه له بضعفاء المخلوقين.
﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ﴾
الله سبحانه يحب أن يدعوه العبد مباشرةً بلا واسطة، بل يغضب إذا لم يُسأل ولم تُرفع إليه الأيدي، وهذا عكس طبع ملوك الأرض الذين يغضبون إذا أُلح عليهم. فالدعاء المباشر هو منهج القرآن والصحابة والسلف.
﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ﴾
ضرب الله مثلًا من واقع الحياة: لا يقبل أحد أن يكون عبده أو أمته شريكًا له في رزقه، فكيف يقبل العقلاء أن يجعلوا لله من عبيده ومخلوقاته شركاء في العبودية والإلهية؟ هذا المثل يقيس بمنطق الحياة السوي لرفض الشرك.
﴿ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ﴾
تحريم الشرك ليس فقط بسبب النهي الشرعي، بل يستحيل على الله أن يشرع لعباده عبادة غيره، لأن قبح الشرك مستقر في كل فطرة وعقل سليم. غير أن الشياطين غيّرت فطر الخلق وعقولهم وأفسدت عليهم فطرتهم الأولى.
من لم يقدر الله حق قدره: من نفى حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العلى كالسمع والبصر والإرادة والعلو، ومن نفى حقيقة محبته ورحمته وغضبه وحكمته، ومن نفى حقيقة أفعاله الاختيارية كالاستواء والمجيء والتكلم.
أثبت ابن القيم بآية فرعون دليلًا على صفة العلو، إذ كان موسى عليه السلام يخبر فرعون أن الله فوق السماوات، فجاء فرعون يستهزئ ويطلب بناء صرح ليطّلع إلى إله موسى. فعقيدة الأنبياء جميعًا أن الله فوق سماواته على عرشه.
﴿ وقال فرعون يا/هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ﴾
نبّه الشيخ إلى أن أبا الحسن الأشعري في آخر أطواره، لا سيما في كتاب الإبانة، تأثر بأهل الحديث وأثبت علو الله فوق سماواته، خلافًا لمن جاء بعده من الأشاعرة الذين يقولون إن الله لا داخل العالم ولا خارجه.
قول الجبرية الذين يقولون إن الله يجبر العبد على الفعل ثم يعاقبه عليه أشد سوءًا من قول القدرية المعتزلة الذين يقولون إن العبد يخلق فعله بنفسه، لأن الجبرية أثبتوا الظلم لله صراحةً ونفوا المنطق في قضية الحساب، بينما القدرية أثبتوا على الأقل اختيارًا للعبد.
من لم يقدر الله حق قدره من نفى استواءه على عرشه وزعم أن الله في كل مكان، لأن لازم هذا القول أن الله موجود في أسوأ الأماكن وأقذرها. فهذا القول أشد انتقاصًا لله بالعقل والمنطق من القول بأن الله على عرشه فوق سماواته.
﴿ من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور ﴾
الصوفية الحلولية يقولون إن ذات الله حلّت في كل المخلوقات، وهذا أشد من قول النصارى الذين قصروا الحلول على عيسى. أما الاتحادية فيقولون إن الكون هو الله والله هو الكون. وكلا القولين كفر صريح شنّع عليه ابن تيمية.
من لم يقدر الله حق قدره الرافضة الذين يزعمون أن الله رفع أعداء الرسول وأهانه أولياءه، لأن هذا يستلزم أن الله خذل نبيه بعد وفاته فجعل الخليفة من بعده عدوًا له، وهذا مناقض لعدل الله وحكمته قبل النظر في الأدلة.
من لم يقدر الله حق قدره من قال إنه يجوز على الله أن يعذب أولياءه وينعم أعداءه، لأن العدل الإلهي والحكمة يرفضان ذلك عقلًا وفطرةً، لا فقط بالنص. والله سبحانه أنكر في كتابه على من جوّز ذلك غاية الإنكار.
﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ﴾
كل من عبد شيئًا من دون الله فقد عبد الشيطان حقيقةً، لأن الشيطان هو الذي وسوس له بذلك وأوهمه أنه يعبد ملكًا أو وليًا أو إلهًا. وقد أخبر الله عن المشركين أن سجودهم للشمس كان يقع للشيطان الذي يقارنها عند طلوعها.
﴿ ألم أعهد إليكم يا/بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ﴾
بعد الشرك تأتي المعصية الثانية في كبر المفسدة وهي القول على الله بغير علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، ووصفه بضد ما وصف به نفسه. وإن صدر ذلك عن علم ومعاندة فهو أقبح من الشرك عند الله.
﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾
المشرك الذي يُقرّ بصفات الرب ويثبتها لكنه أشرك معه غيره، خير حالًا من المعطّل الذي جحد صفات الله وكمالاته مع ادعاء التوحيد، إذا كان هذا التعطيل عن علم وعناد. أما الجاهل المتأوّل من الفرق الإسلامية فحاله أفضل من المشرك.
من يُؤثر هواه على طاعة مولاه فقد وقع في عدم تقدير الله حق قدره؛ سواء كانت التي ترفض الحجاب بحجة عدم الاقتناع، أو من يرفض ترك عمل فيه معاصٍ بحجة أنه مصدر رزقه. فهذا يجعل لله من قلبه وعقله ومالٍه الفُضلة، والهوى هو المقدَّم.
لا يُكتفى بترك المعاصي دون إتقان العبادات؛ فإن المطلوب من العبد هو القيام بالواجبات وأداؤها بالشكل الذي يريده الرب. والغرض من هذه العبادات ليس انتفاع الله بها بل انتفاع العبد نفسه، فالصلاة تنهاه عن الفحشاء والذكر يحيي النفس والقرآن يوضح البوصلة.
الكبر نوع من أنواع الشرك لأن الكبرياء رداء الله الخاص به، فمن تكبّر على الناس فقد أعطى نفسه شيئًا من خصائص الله سبحانه. وقد لا يكون الكبر من الشرك الأكبر لكنه شكل من أشكال الشرك الأصغر لأن صاحبه يتشبّه بالله بما هو من خصائص صفاته.
ردّ الشيخ على من يستهين بمسائل الأسماء والصفات ويقول إنها تفاصيل لا تؤثر، بأن ثلث القرآن ذهب في موضوع الأسماء والصفات والتعريف بالله، مما يدل على أن هذا الملف أولوية كبرى في النظر الإلهي ولا يصح إهماله.
نبّه الشيخ على ضرورة التوازن: لا يصح الانشغال بمسائل العقيدة وإهمال قضايا الأمة الكبرى من دماء ومستضعفين وأراضٍ، ولا يصح العكس بإهمال العقيدة تحت ذريعة الاهتمام بالقضايا الجماعية. فكل ما يحبه الله يجب أن يُعطى حقه من النظر والعمل.
قرر ابن القيم أنه ما أُوتي أحد بعد الإيمان أفضل من الفهم عن الله ورسوله، أي فهم معاني آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فهماً صحيحاً. وهذا الفهم إنما يُؤتى بالعلم وحضور مجالسه، إذ كثير من الناس تمر عليهم الآيات والأحاديث ولا يعرفون كيف يوجهونها.
جعل الله من أسباب وراثة الفردوس ودخول الجنة حفظَ الفرج عن الزنا، كما في سورتَي المؤمنون والمعارج اللتين رسّختا أن من صفات أهل الإيمان أنهم يحفظون فروجهم. فمن لم يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين ولا من الناجين.
الانشغال بإصلاح القلب والبحث عما يقرّب من الله ليس مجرد تعبئة لأوقات الفراغ بل هو واجب الوقت، لأن القلب الضعيف أو المريض يضعف أمام شدائد الفتن، وسقط من سقط وضلّ من ضلّ وقنط من قنط بسبب ضعف القلوب. والقلب المؤسَّس على التوحيد قلب لا يُقهر بخلاف القلب المشرَّب بالشركيات.
«فالانسان لما يحضر مثل هذه المجالس او يقرا مثل هذه الكتب او ينشغل بمثل هذه المواضيع هو حقيقه ليس مجرد تعبئه لاوقات الفراغ هذا ليس يعني جهد سهل بل هذا واجب الوقت»
خلاصة ما تدندن عليه كتب السلوك والتزكية يقوم على ثلاثة محاور: معرفة الله بجماله وجلاله وكماله فكلما ازددت به معرفةً ازددت به حباً، ومعرفة النفس بعجزها وضعفها وفاقتها إلى الله، وإزالة الحجب التي تمنع الوصول إليه وهي المعاصي والذنوب. فمن أحكم هذه المعاني وصل إلى الله ومن قصّر في أحدها بَعُد عنه بقدر تقصيره.
قسّم ابن القيم الخطرات النافعة إلى أربعة: خطرات يُستجلب بها منافع الدنيا، وخطرات يُستدفع بها مضار الدنيا، وخطرات يُستجلب بها مصالح الآخرة، وخطرات يُستدفع بها مضار الآخرة. والإنسان الناجح هو الذي تدور خطراته وتفكيره في هذه الأقسام الأربعة فحسب.
بيّن ابن القيم أن أعلى أنواع الخطرات وأجلها ما كان لله والدار الآخرة، وفصّل أنواعها الخمسة: التفكر في آيات القرآن وتدبرها، والتفكر في الآيات الكونية المشهودة والاستدلال بها على أسماء الله وصفاته، والتفكر في آلاء الله وإحسانه ونعمه، والتفكر في عيوب النفس وآفاتها، والتفكر في واجب الوقت ووظيفته.
الأنواع الثلاثة الأولى من التفكر في الله (التفكر في آياته المسطورة، وآياته المشهودة، وآلائه ونعمه) تستخرج من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه، ودوام التفكر في ذلك مع الذكر يصبغ القلب في المعرفة والمحبة صبغةً تامةً تصرف عنه الخطرات الرديئة.
قال ابن القيم: وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة وهو مادة حياته الأبدية في النعيم أو مادة معيشته الضنك في العذاب، وهو يمر أسرع من مر السحاب. فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وما عدا ذلك فهو عيش البهائم. ومن قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة فموته خير من حياته.
أثنى ابن القيم على الصوفية في تركيزهم على حفظ الخواطر وتفريغ القلب من الرديء، لكن انتقدهم لاكتفائهم بالتخلية دون التحلية، إذ لم يعبئوا قلوبهم بخطرات الكتاب والسنة وحمل الدين والعمل في ميدان الأمة. فالكمال في امتلاء القلب من الخطرات والإرادات والفكر في تحصيل مراد الرب من العبد ومن الناس.
نقل ابن القيم أثراً ثابتاً عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة. وبيّن أن هذا لا يتعارض مع الخشوع بل هو من باب تداخل العبادات لمن بلغ مرتبة عمر في الإيمان، إذ استطاع الجمع بين الخشوع في الصلاة والجهاد في آن واحد. وهذا باب عزيز لا يدخله إلا حاذق القلب متضلع في العلم عالي الهمة.
استنبط ابن القيم الأبواب الأربعة من آيتين قرآنيتين: الأولى (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) تشمل اللحظات والخطرات، والثانية (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) تشمل الخطوات واللفظات؛ فهذه الأبواب الأربعة مستمدة من القرآن الكريم لا من اجتهاد ابن القيم وحده.
يغار الله سبحانه وتعالى أن تُنتهك حرماته، ولذلك حرَّم الفواحش وشدَّد فيها؛ وقد ورد في الصحيحين (لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، وهذا سرٌّ عظيم في مشروعية الحدود.
«لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن»— الصحيحان
بيَّن ابن القيم أن كمال الإيمان يقتضي أمرين: قوة تُقيم بها أمر الله بلا رأفة في تعطيل الحد، ورحمة يرحم بها المحدود من جهة أنه أوقع نفسه في هذا الموقف الصعب لا من جهة التشكيك في مشروعية الحد.
إذا فشا الشذوذ في بلد وسكت عنه العلماء والدعاة وأصبح مُقنَّناً، فهذا مؤذن بعقاب الله للجميع مَن وقع ومَن لم يقع؛ والواجب على المسلمين الوقوف وقفة واحدة ضد كل من يروِّج لهذه الجريمة أو يُسنِّنها، لأن تقنينها من أكبر المجاهرة والتحدي لله.
«الشذوذ اذا قن وسن وسكت الشيوخ والدعاه واصبح شيئا يسمع ويروى ويشاهد والكل صامت فهذه جريمه لن يسكت عنها وسيذهب خراب هذا البلد الذي تظهر فيه هذه الفاحشه بكل من فيه»
من فوائد غضّ البصر أنه يورث القلب ثباتاً وشجاعةً وقوةً، وقد جعل الله العزة قرين طاعته والذل قرين معصيته. فالإنسان الذي امتلأ قلبه بالمعاصي قلبٌ جبان يهزّه أيُّ شيء، بخلاف من مرأ قلبه بالإيمان وغضّ بصره.
﴿ يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ﴾
قرّر ابن القيم أنه لا يمكن أن يجتمع في القلب حبّ الله وعشق الصور؛ فهما ضدّان لا يتلاقيان. فمن كانت قوة حبّه كله للمحبوب الأعلى صرفه ذلك عن محبة ما سواه، ومن تعلّق قلبه بصورة سفلية فاعلم أن محبة الله في قلبه ضعيفة جداً.
الإنسان عبد محبوبه كائناً من كان؛ كما قيل: أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي. فكل من تعلّق بشيء صار عبداً له، فينبغي للإنسان أن يختار ما يستحق أن يكون عبداً له وأن يبذل حياته من أجله.
العبادة هي الحب مع الخضوع والذل للمحبوب، والتعبد هو آخر مراتب الحب. فمن أحبّ شيئاً وخضع له فقد تعبّد قلبه له، لأن التعبد يعني الذل والانقياد التام لمن يُحبّ.
الشوق إلى لقاء الله جائز بل محمود، وقد جاء في حديث عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو: «واسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة». والحياة الطيبة التي ذكرها الله في القرآن هي حياة الشوق لله والأنس بقربه.
﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾
الحياة الطيبة في قوله تعالى «فلنحيينه حياةً طيبة» ليست الحياة المادية من طعام وشراب ومال، بل هي حياة القلب والأنس بالله وجمع الهموم في مرضاته. وقد يزيد أعداء الله على أوليائه في المادة أضعافاً مضاعفة، فالمقياس شدة شوق القلب إلى الله.
﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾
تضمّن حديث الولاية أن أحبّ ما يتقرب به العبد إلى الله الفرائض ثم النوافل، وأن العبد لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبّه الله. فإذا أحبّه الله كان سمعه وبصره ويده ورجله، وهذه باء المصاحبة والمعية الخاصة لا باء الحلول.
«ما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها»— صحيح البخاري
قوله في الحديث «بي يسمع وبي يبصر» ليست باء الاستعانة المشتركة بين المؤمن والكافر، بل هي باء المصاحبة والولاية والمعية الخاصة التي تعني التأييد والتوفيق والصرف عن الخطأ، وهذا أعلى مقاماً. وباء المعية مفيدة لمعنى المصاحبة بخلاف لام الغاية.
متى كان العبد بالله هانت عليه المشاق وانقلبت المخاوف أماناً؛ فبالله يهون كل صعب ويسهل كل عسير ويقرب كل بعيد، وبالله تزول الهموم والغموم والأحزان. وإنما يجد الهمّ من فاته معنى هذه الباء.
العبودية في حقيقتها هي أعلى مراتب الحب والتعلق بالله، وهي الحرية الحقيقية لأنها تُطلق القلب من التعلق بكل المخلوقين وتُعبّده لمن يستحق هذا المقام. أما تصوير العبودية للناس على أنها مجرد تكاليف ومسؤوليات فهو تشويه لهذا المقام وإنقاص لجماليته.
﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ﴾
أصل الشرك بالله هو الإشراك في المحبة، إذ توزيع حب التعبد بين الله وغيره يجعل محبة الله ضعيفة ناقصة. والله لا يغفر أن يُشرك به في هذه المحبة، ولهذا كان الشرك أعظم الذنوب؛ لأنه تزاحم في مقام العبودية وتعلق القلب بغير الله.
﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ﴾
المحبة أربعة أنواع: محبة الله (ولا تكفي وحدها للنجاة)، ومحبة ما يحب الله (وهي التي تُدخله في الإسلام)، والحب في الله ولله (وهي من لوازم محبة ما يحبه الله)، والمحبة الشركية (وهي محبة شيء مع الله حب تعبد وتتيم). وهذه الأخيرة تخلّد صاحبها في النار.
من شروط وجدان حلاوة الإيمان ثلاث خصال: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار.
«ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار»— متفق عليه
الخُلَّة تتضمن كمال المحبة ونهايتها بحيث لا يبقى في قلب المحب سعة لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما. وقد اختص الله بهذه المرتبة الخليلَين إبراهيم ومحمدًا صلى الله عليهما، دون سائر الخلق؛ ولهذا جمع الله بينهما في ختام كل تشهد في الصلاة.
«إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا»
«لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن صاحبكم خليل الله»— الصحيح
لم يكن المقصود من أمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل الذبحَ الحسي الظاهر، وإنما المقصود ذبحه من القلب، بأن ينتزع الله من قلب خليله كل شكل من أشكال التعلق بغيره حتى ولو كان تعلق الأبوة الطبيعية، ليخلص القلب كله لله وحده. وهذا هو معنى قول ابن القيم: «غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره».
من قواعد الأحكام الشرعية أن الله إذا رفع شيئًا لا يرفعه رأسًا بل يُبقي بعضه أو يُبدِّله بما هو خير منه، كما جعل مكان ذبح إسماعيل الذبحَ العظيم الذي نضحي به في عيد الأضحى، وكما أبقى ثواب الخمسين صلاةً في خمس صلوات، وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة.
﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾
لم يجد العقلاء في جميع طرق البشر التي يسعون بها لدفع الهم والغم طريقًا موصلةً للسعادة إلا الإقبالَ على الله ومعاملته وحده وإيثار مرضاته على كل شيء. فإن فاته حظه من الدنيا ظفر بالحظ العالي الذي لا فوت معه.
المحبوبات تنقسم إلى محبوب لذاته ومحبوب لغيره، وما كان محبوبًا لغيره لا بد أن ينتهي إلى محبوب لذاته دفعًا للتسلسل المحال عقلًا. وليس شيء يُحب لذاته إلا الله وحده، وكل ما سواه من زوجة وأبناء وأموال وأولياء وأنبياء فمحبته تبعٌ لمحبة الرب وينبغي أن تُفضي إليه.
إذا صحت محبة الله وجب على العبد أن يُحب كل ما يحبه الله من أنبيائه وأوليائه ومحاسنه، وأن يبغض كل ما يكرهه الله. فالولاء في حقيقته هو موافقة الولي الحميد في محابِّه ومساخطه، ولا تصح موالاة الله إلا بمعاداة كل ما يضاد هذه المحبة الإلهية.
«لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به»— الأربعون النووية
إذا زاحمت محبةُ غير الله محبةَ الله، بدأت تنقص الإيمان رويدًا رويدًا، وإن اصطدمت بأصل محبة الله كانت كفرًا أو شركًا أكبر. والتعلق بامرأة أو مال أو شهوة يصطدم بكلمة التوحيد مباشرةً وينقص من مقامها في القلب.
لا يمكن أن ترسخ محبة الله في القلب حتى تُعادي كل ما يقف ضدها، من شهوة امرأة وشهوة مال وشهوة منصب وجاه. وقد اقتدى بذلك إبراهيم الخليل حين قال لقومه: «إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله».
﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ﴾
كلمة لا إله إلا الله هي الكلمة الباقية في عقب إبراهيم وهي التي قامت بها الأرض والسماوات، وهي العمود الحامل للفرض والسنة، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. وقصة الحياة البشرية من آدم إلى قيام الساعة هي من أجل تحقيق هذه الكلمة وما تستلزمه من الحب والإخلاص لله.
روح كلمة التوحيد وسرها إفراد الرب بالمحبة والإجلال والخوف والرجاء والتوكل والإنابة، فلا يُحب سواه وكل ما يُحب لغيره، ولا يُخاف سواه ولا يُسجد إلا له ولا يُذبح إلا باسمه. وتحقيق هذه الشهادة يحرِّم صاحبها على النار.
شهادة التوحيد في قلوب الناس على مراتب: فمنهم من شهادته ميتة، ومنهم من هي نائمة قد تنتبه إذا نُبِّهت، ومنهم من هي مضجعة أقرب إلى القيام. وروح الشهادة في القلب كروح البدن: روح ميتة وروح مريضة وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن.
«إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحًا»— الصحيح
من عاش على تحقيق كلمة التوحيد والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى، وعيشه أطيب عيش. وجنة الدنيا هي معرفة الله ومحبته والأنس به والشوق إلى لقائه، وهي مأوى روحه في هذه الدار؛ فلا بد لمن أراد جنة الآخرة أن يدخل جنة الدنيا أولًا.
عبودية البشر تختلف عن عبودية الملائكة، فعبودية الملائكة فطرية جُبلوا عليها لا ينازعهم فيها داعٍ، أما عبادة الإنسان فتقوم على مقاومة الشهوات وقهرها لله. فالعبد الذي يغلب شهوته تغليبًا لمقام الله أعلى عند الله منزلةً من الملك، لأنه أتى بالطاعة بعد مجاهدة.
﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ﴾
المحبة هي أصل كل حركة في العالم العلوي والسفلي، وهي العلة الفاعلة التي تُحرِّك الإنسان والعلة الغائية التي يريد الوصول إليها. فلولا الحب ما دارت الأفلاك ولا تحركت الكواكب ولا هبت الرياح ولا تحركت الأجنة في بطون الأمهات، وكل هذه الحركات الطبيعية تنتهي إلى الله المحرك الأول.
﴿ تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ﴾
الحركات ثلاثة: اختيارية إرادية، وطبيعية، وقسرية. وجميع حركات الكون الطبيعية تنتهي إلى الله وتسبح بحمده. أما الإنسان فقد أُعطي حركة اختيارية؛ والأصل أن يصبَّها في اتجاه الله ليوافق الحركة الطبيعية للكون، فإذا أعمل اختياره في طاعة الله كان أفضل من الملائكة، وإن خالف أُوخذ.
إذا حصل العبد على الله لم يفقد شيئًا، وإذا فقد الله لم يحصل على شيء ولو ملك الدنيا بأسرها. وفي الأثر الإلهي: «ابن آدم اطعني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فُتِّك فاتك كل شيء». فالله هو كل شيء وفقده فقد لكل شيء.
«ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطعني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فاتك فاتك كل شيء»— أثر إلهي
كل حركة يقوم بها الإنسان إنما تصدر عن محبته وإرادته، فلا يتحرك أحد نحو شيء إلا لأنه يحبه لذاته أو لما يترتب عليه من مصلحة. وهذا المبدأ هو الذي ينبغي أن يحرك المؤمن نحو تعلقه بالله وعبادته.
لا يستقيم حال الموجودات ولا تستريح ولا تطمئن إلا بالاتصال بمركز الكون وهو الله، كما أن القلب البشري خُلق ليتعلق بالله؛ فمتى خرج عن هذه السكة وتعلق بغيره دبّ فيه التشويش والخلل.
من أعرض عن الله وتعلق قلبه بغيره عاش في ضنك ومعيشة متعبة، لأنه خرج عن النظام الإلهي الذي وُضع للإنسان؛ ولن يعود إلى الحياة الطيبة إلا بترتيب الأولويات القلبية كما أرادها الخالق.
﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾
استدل ابن القيم على أن الله لم يقل في الآية «لَمَا وُجِدَتا» بل قال «لَفَسَدَتا»، فالفساد يقتضي البقاء مع الخلل والاضطراب لا الانعدام. وهذا ينطبق على القلب الذي فيه آلهة متعددة: يبقى لكن في فساد وعدم استقامة.
﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ﴾
قرّر ابن القيم أن المسلمين لم يُهزموا في معاركهم مع أعدائهم إلا حين تعدد الأمراء وتشتت القيادة، واستدل بسقوط الأندلس عندما تفرقت بين ملوك الطوائف. وهذه سنة جارية في كل زمان ومكان.
الاتزان الذي نراه في حركة السماوات والأرض والأنهار والبحار هو أكبر دليل على أن مدبّر هذا الكون إله واحد، إذ لو كان فيها آلهة متعددة لتصادمت أوامرهم ولاستحالت الحياة.
رجّح ابن القيم فهم شيخه ابن تيمية أن معنى الآية: لو كانت هناك آلهة أخرى لرأت جبروت الله فخضعت له وتقربت إليه، لا أنها تغالبه. واستدل على ذلك باستخدام حرف «إلى» الدال على التقرب لا حرف «على» الدال على المغالبة.
﴿ قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ﴾
للدين معنيان: معنى القهر والذل من الأعلى للأسفل، ومعنى الخضوع والطاعة من الأدنى للأعلى. والدين الذي كلّفنا الله به هو الدين الشرعي الأمري، والدين الحسابي الجزائي هو محاسبة الله عباده يوم القيامة على التزامهم بهذا الشرع.
كل ما أمر الله به فلا بد أنه يحبه، وكل ما نهى عنه فلا بد أنه يبغضه. وعلى العبد أن يمتثل الدين الشرعي على قاعدة المحبة والرضا، كما قال النبي ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا».
«ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا»
من أنكر البعث والجزاء فقد قدح في ربوبية الله وحكمته وعدله؛ لأن الإيمان بأن الله رب مدبّر عادل يقتضي وجود يوم يُقتص فيه للمظلوم من الظالم. ولذلك احتج الله على منكري البعث بعجزهم عن رد روح الميت حين تبلغ الحلقوم.
من عرف التوحيد وفهم مقتضياته وعلم أن كل قضاء الله وقدره صادر عن عدله وحكمته، مَنَحه ذلك قوة صلبة على مواجهة أشرس قوى الأرض؛ كما أظهره نبي الله هود حين قال لقومه: «فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون».
﴿ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ﴾
ربط ابن القيم بين حديث الهم والغم الذي فيه «ماضٍ في حكمك عدل في قضائك» وبين قول هود عليه السلام «إن ربي على صراط مستقيم»، مبيّنًا أن الحديث مشتق من هذه الآية في إثبات عدل الله في حكمه الأمري والكوني معًا.
﴿ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ﴾
إذا بلغ التعلق بالمعشوق حدّ تقديم رضاه على رضا الله وتلبية مراده المحرم مع العلم بتحريمه، فقد أصبح ذلك شركًا وكفرًا؛ لأن العبد أعطى المعشوق حقيقة العبودية التي لا تليق إلا بالله.
علاج العشق المحرم يقوم على أربعة محاور: معرفة التوحيد ومقتضياته، والإكثار من العبادات الظاهرة والباطنة، واللجأ إلى الله بالدعاء الصادق للشفاء، وقطع أسباب التعلق وجذوره مهما كلّف ذلك.
أعظم المحبة وأوجبها وأعلاها محبة الله التي فُطرت القلوب على التألّه بها، وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله، إذ الإله هو الذي تتألّهه القلوب بالمحبة والإجلال. وقد دلّ على وجوب محبته جميعُ كتبه المنزلة ودعوةُ جميع رسله وفطرتُه التي فطر عباده عليها.
﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ﴾
كل من يُحبّك من الخلق إنما يريدك لنفسه ولذة له بك، أما الله سبحانه فهو الوحيد الذي يريدك لك ويعطيك لمصلحتك لا لمصلحته، لأنه الغني عنك. وفي الأثر الإلهي: «عبدي كل يريدك لنفسه وأنا أريدك لك»، فكيف يستحي العبد أن يكون ربه بهذه المنزلة وهو معرض مشتغل بحب غيره؟
كمال اللذة والفرح والسرور ونعيم القلب تابع لأمرين: كمال المحبوب في نفسه وجماله، وكمال محبته واستفراغ الوسع فيها. والله كامل في صفاته وأسمائه وجلاله وجماله، فكل ما سواه يُحبّ تبعاً لمحبته. وكلما اشتدت المحبة اشتدت لذتها كلذة الظامئ بالماء الزلال.
زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش كان تشريعاً إلهياً لإبطال أثر التبني وبيان أن زوجة المتبنّى حلال بعد طلاقها، ولم يكن عشقاً محرماً كما زعم بعضهم. فزيد كان عازماً على طلاقها من قبل، وأخفى النبي في نفسه أنه سيتزوجها لا أنه خبّب عليه. وعقد الله نكاحها فوق عرشه.
﴿ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا ﴾
«حاشا صلى الله عليه وسلم ان يكون تكلم بكلمه امام زينب هي التي دفعتها ان تكره زوجها على طلاقها والنبي عليه الصلاه والسلام لم يقل لزينب شيئا ولم يخبب على زيد»