الذنوب والمعاصي هي الداء الجامع الذي يؤثر على حياة الإنسان ودينه وأرزاقه وسعادته وطمأنينته؛ فضيق القلب والنكد والهموم المتواصلة لا تكون إلا بذنب أصابه الإنسان، وكثير من مظاهر ضعف الإيمان — كعدم التلذذ بذكر الله وعدم الإقبال على العلم — أساسها المعاصي التي أنهكت القلب.
أصعب البلاء الذي يمكن أن يبتلي الله به العبد هو أن يبتعد قلبه عن الله، وأن يُحرم الأنسَ بالله واللذةَ عند ذكره. وهذا أشد من كل بلاء حسي، كما دل عليه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي»، فكل بلاء يهون إذا كان العبد في رضا الله.
«اللهم اني اشكو اليك ضعف قوتي وقله حيلتي ... ان لم يكن بك غضب علي فلا ابالي»
من توفيق الله للعبد أن يستحضر أن المعاصي بلاء وهلاك، ويسعى للخروج منها؛ فكم من إنسان مريض القلب وهو لا يعرف، وكم من إنسان حُرم الأنسَ بالله وهو لا يشعر. أما من يعلم أن قلبه بعيد ويحاول فهو في يقظة، والأصعب أن يكون القلب ميتًا وصاحبه لا يدري.
ابن القيم بدأ جوابه بزرع الأمل في المبتلى، فاستشهد بأحاديث: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء» و«لكل داء دواء فإذا أصاب دواءُ الداء برأ بإذن الله»، وحمل هذه الأحاديث على الداء الحسي والداء المعنوي معًا، فما أنزل الله من مرض قلبي أو آفة دينية إلا لها دواء يعرفه أهل طب القلوب.
«ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء»— صحيح البخاري، حديث أبي هريرة
«لكل داء دواء فإذا أصاب دواء الداء برأ بإذن الله»— صحيح مسلم، حديث جابر
«إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله، إلا داء واحدًا: الهرم»— مسند الإمام أحمد، حديث أسامة بن شريك، قال الترمذي: صحيح
دلَّ النبي صلى الله عليه وسلم على أن المرض المعنوي يصح تسميته داءً، بدليل أنه سمَّى العيَّ — وهو الجهل — داءً، وجعل دواءه سؤال أهل العلم والذهاب إلى مجالس العلم. وفي الحديث أن أصحاب النبي أفتوا بغير علم فأدى ذلك إلى وفاة صاحبهم، فقال: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال».
«فإنما شفاء العي السؤال»— أبو داود في سننه، حديث جابر
القرآن الكريم هو أعظم دواء لأمراض القلوب والأبدان معًا؛ فلم يُنزِل الله شفاءً أعمَّ ولا أنفعَ ولا أعظمَ في إزالة الداء منه. وقوله تعالى: «وننزِّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين»، «مِن» فيها لبيان الجنس لا للتبعيض، أي أن القرآن كله شفاء. وكان العلماء يُنهون عن الكتابة في علم السلوك خشية أن يُعرض الناس عن طلب الشفاء من القرآن.
﴿ ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾
الشرط الأول لانتفاع العبد بالقرآن والأذكار والأدعية في العلاج هو «قبول المحل»؛ فإذا كان العضو أو المحل يُستعمل في المعصية لم يقبل القرآن. وكذلك إذا كان الجسد مغذًّى بالحرام، أو إذا قُرئت عليه آية لا تناسب طبيعة الداء — كل ذلك من أسباب عدم قبول المحل لتأثير العلاج الشرعي.
الدواء الشرعي كالدواء الحسي في أنه متى تخلَّف أثره كان لأحد أسباب ثلاثة: إما ضعف الفاعل (عدم ثقته)، أو عدم قبول المنفعل (المحل)، أو وجود مانع قوي. فالقلب إذا أخذ الرقية والتعاويذ بقبول تام ونفس فعّالة من الراقي لا بد وأن ينتفع بها.
الدعاء هو الدواء الثاني بعد القرآن لعلاج الذنوب والمعاصي؛ وهو عدو البلاء يدفعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل. ومن أقوى الأدعية لمن ابتُلي بإدمان النظر للحرام: «رب اصرف عني السوء والفحشاء»، مأخوذًا من قصة يوسف عليه السلام.
﴿ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ﴾
اسم ابن القيم الحقيقي هو محمد بن أبي بكر الزرعي، ولُقِّب بـ«ابن قيم الجوزية» لأن والده كان قيِّمًا — أي مديرًا — على المدرسة الجوزية في الشام، فسُمِّي الابن بـ«ابن مدير المدرسة الجوزية». وهو صاحب كتاب «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» المعروف بـ«الداء والدواء».
بيّن الشيخ أن أساس علاج المعاصي والذنوب هو الأدوية الشرعية المتمثلة في ثلاثة أسلحة: القرآن والذكر والدعاء، وأن ابن القيم أولى بيانها والتفصيل في كيفية استعمالها بصورة صحيحة لأن كثيراً من الناس يستخدمها دون أن ينتفع بها.
الشرط الأول للاستشفاء بالقرآن والدعاء هو أن يكون المحل قابلاً لهذا الدواء، فمما يمنع القبول: أن ينبت الجسد من حرام، وأن تُستخدم الجارحة المبتلاة في الحرام، وعدم اختيار الآية أو الدعاء المناسب لطبيعة الداء.
«قبول المحل ان يكون المحل الذي تقرا عليه القران او المحل الذي تدعو الله سبحانه وتعالى له او تذكر الله عليه ان يكون هذا المحل يقبل ماذا هذا الدواء الشرعي»
الناس يؤمنون بالأسباب الحسية إيماناً راسخاً ويضعف إيمانهم بالأسباب الشرعية، فيعتقدون يقيناً أن الطعام سبب في الشبع والماء سبب في الري، لكنهم لا يعتقدون بالدرجة ذاتها أن الدعاء سبب في الشفاء، ومن هنا دخلت الآفة على أكثر الناس.
نبّه الشيخ على ضرورة ألا يغترّ المؤمن بما يراه من ضحك أهل الفساد ومرحهم، إذ الذي يستلذّ هو الجسد لا القلب، وقلوبهم ميتة موحشة لكنهم لا يُبوحون بذلك. فالضنك والضيق فيهم لا يُشاهَد في وسائل التواصل.
حذّر ابن القيم من مغالطة النفس بالاتكاء على عفو الله ومغفرته مع الإصرار على المعصية، والتسويف بالتوبة، أو الاعتماد على المندوبات كقيام الليل والاستغفار دون مجاهدة حقيقية. فهذه الطريقة توظيف فاسد لقانون السببية.
نبّه الشيخ على أن تعلّم العقيدة الصحيحة ليس مجرد أمر نظري، بل له أثر مباشر على السلوك، وضرب أمثلة: الإرجاء يُهوّن من شأن العمل، والجبر يُعطّل الإرادة والاختيار، ونفي السببية يُفسد الانتفاع بالدعاء والقرآن.
بيّن ابن القيم أن حسن الظن بالله إنما يكون مع الإحسان والمجاهدة على ترك المعاصي، لا مع الإصرار عليها. وقد قال الحسن البصري: «المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، والفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل».
وضّح ابن القيم أن المسيء المصرّ على المعاصي لا يتصور منه حسن الظن بالله، مضرباً المثل بالعبد الآبق الهارب من سيده المصرّ على هربه ثم يزعم أن سيده سيكافئه. فمن يظن ذلك يخدع نفسه ولا يُنزّل النص في موضعه.
روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ لما حُدّثت بقاء ستة دنانير لم تُفرَّق في مرض وفاته قال: «ما ظن محمد بربه لو لقي الله وهذه عنده»، وهذا دليل على أن أعلى الخلق إيماناً لم يتكل على حسن ظنه بالله بل خشي على أقل التقصير.
نبّه ابن القيم على فساد الاستدلال بقوله تعالى «ولسوف يعطيك ربك فترضى» على أن النبي ﷺ لن يرضى بعذاب أحد من أمته، وهذا من أقبح الجهل لأنه ﷺ يرضى بما يرضاه ربه، والله يرضى تعذيب الظلمة والمصرين على الكبائر.
بنى الله هذا الكون على قانون السببية الذي يجري في الأمور الحسية والشرعية معاً. فكما أن الطعام سبب للشبع والنار سبب للحريق، فالقرآن والدعاء والذكر أسباب للشفاء الإيماني. ومن أنكر السببية في الكون أو نفاها تشبّه بأهل الفرق المبتدعة ووقع في خطأ عقدي جسيم.
ميّز ابن القيم تمييزاً جلياً بين مقامين يخلط الناس بينهما: حسن الظن بالله وهو أن يُحسن العمل والاستقامة ثم يرجو المغفرة، والاغترار بستر الله وهو أن يستمرئ الذنوب مع دعوى حسن الظن. والضابط: أن حسن الظن هو حسن العمل نفسه، فمن أحسن عمله فهو المحسن الظن، ومن استمرأ الذنوب فهو المغتر بستر الله لا المحسن الظن.
«الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله»— الترمذي والمسند من حديث شداد بن أوس
استدل الشيخ بآيتين قرآنيتين على أن الذين يستحقون رجاء رحمة الله هم الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، وأما الظالمون والفاسقون فليسوا أهلاً للرجاء ولا للتعلق بنصوصه. فالعالم يضع الرجاء مواضعه والجاهل يضعه في غير مواضعه.
﴿ إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ﴾
نقل الشيخ عن معروف الكرخي أحد أئمة السلوك قوله: «رجاؤك لرحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق»؛ إذ كيف يرجو الإنسان الكرم ممن يعصيه ليلاً ونهاراً وكأنه ينتظر حسن المعاملة ممن يؤذيه باستمرار. وهذا من أوضح صور الغفلة والحمق في التعامل مع الله.
سئل الحسن البصري عن صحبة من يُخوّف حتى تكاد القلوب تطير، فأجاب: «والله لأن تصحب أقواماً يخوّفونك حتى تدرك أمناً خيرٌ لك من أن تصحب أقواماً يؤمّنونك حتى تلحقك المخاوف». فالخوف المُوصِل إلى بر الأمان أنفع من الأمان المكذوب المُوصِل إلى النار.
أورد ابن القيم حديثاً في الصحيحين عن رجل يُلقى في النار وتتقطع أمعاؤه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيُسأل عن سببه فيقول: كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه. وفيه تحذير شديد لطالب العلم الذي يعظ الناس ويخالف في سره.
«يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقطاب بطنه فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيطوف به أهل النار فيقولون: ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه»— الصحيحين من حديث أسامة بن زيد
التصدر العلمي ليس مكسباً على كل الجهات بل هو مسؤولية خطيرة أمام الله. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان من كل منافق عليم اللسان؛ يُحسن الكلام والوعظ ويُبكي النفوس لكن قلبه كقلوب الذئاب، يأمر الناس بما لا يفعله وينهاهم عمّا يرتكبه.
قسّم ابن القيم الغرور إلى مراتب، وأعظمها من اغترّ بالدنيا وآثرها على الآخرة حتى بلغ ببعضهم حد القول «الدنيا نقد والآخرة نسيئة»، وهذا القول قد يُفضي بصاحبه إلى الكفر إذا كان استهتاراً. ورد عليه ابن القيم بأن مقارنة الدنيا بالآخرة كمقارنة انغماس الإصبع في البحر بالبحر كله.
«ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع»— المسند من حديث ابن شداد
نبّه ابن القيم إلى أن الشريعة الإسلامية جاءت بالترغيب والترهيب معاً، كما جاءت للحث على الاستباق إلى جنات النعيم والتخويف من دار الجحيم. فلا ينبغي للإنسان أن يأخذ من الشريعة جزء نصوص الرجاء ويُغفل جزء نصوص الخوف والعقاب، لأن كل نص له محله وسياقه.
من عقيدة أهل السنة والجماعة أن التصديق والإيمان يزيد وينقص. فمن ظن أن العلم لا يتفاوت فقوله من أفسد الأقوال وأبطلها. والتصديق يضعف إذا تُركت عوامل القوة من قراءة القرآن وقيام الليل ومجالسة العلماء والصالحين، ويزداد إذا باشرها.
حلّل ابن القيم المعضلة التي تجمع بين الإيمان بالدار الآخرة والإصرار على المعاصي، وأرجعها إلى جملة من الأسباب المتراكمة: ضعف اليقين بسبب البعد عن مواطن الذكر والعلم، وعدم استحضار عظمة الله والدار الآخرة بسبب الانشغال بالدنيا، وغلبات الهوى واستيلاء الشهوة، وتسويل النفس الأمارة بالسوء، وغرور الشيطان، واستبطاء الوعد بالجنة، وطول الأمل، ورقدة الغفلة، وحب العاجل، والإلف بالمعاصي والعوائد.
خلص ابن القيم إلى أن جميع أسباب تخلف العمل وسقوط الإنسان في الذنوب تجتمع في قضيتين: ضعف البصيرة في الدين، وضعف الصبر على الشهوات والفتن. وعلاج ضعف البصيرة بالعلم وقراءة كلام العلماء والنظر في السيرة النبوية، وعلاج ضعف الصبر بالتصبر والتحلم والمجاهدة النفسية.
﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ﴾
نقل الشيخ عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: «كما أن خير الناس الأنبياء فشر الناس من تشبه بهم يوهم أنه منهم وليس منهم». فالذي يُظهر الصلاح ويُبطن الفجور، أو يتصدر طلب العلم ظاهراً وهو كاذب باطناً، أشد خطراً وأعظم مصيبة عند الله من صاحب المعاصي الظاهرة.
نبّه الشيخ إلى أن طالب العلم الذي يُسرّ المعصية في خلواته ولا يبالي بها أشد خطراً من المجاهر بالمعاصي؛ لأن المجاهر مكشوف لا يُغتر به، أما من يتصنّع الصلاح للناس ويعيش الفجور في باطنه فمصيبته أعظم عند الله، ولا ينبغي أن يأمن مكر الله.
حذّر الشيخ طلاب العلم من الافتتان بثناء الناس عليهم، فكم من إنسان مفتون بالثناء وهو لا يعلم يظن أنه على خير وصلاح وهو عند الله مردود. والعبرة ليست بالمعايير الدنيوية بل بمدى الاستقامة على الكتاب والسنة، وهذا شيء يعرفه الإنسان من باطنه في علاقته مع الله.
خلاصة الفرق بين حسن الظن والغرور أن حسن الظن يُثمر العمل الصالح ويحثّ عليه، أما الاغترار بستر الله فيُورث العمل السيئ والاستمرار عليه. فمن كان مُصرّاً على المعصية وأموره تسير حسناً فعليه أن يعلم أنه مغترّ بستر الله لا محسن ظنٍّ به.
ضرب ابن القيم مثلاً لمن يحسن الظن بالله دون عمل: كصاحب أرض لم يزرعها ولم يبذرها ويظن أنها ستُثمر، فهذا في حكم المجانين. أما الذي زرع وبذر وأخذ بالأسباب ثم حسن ظنه بالله أن تُثمر، فهذا العاقل. وكذلك حسن الظن بالله لا يصحّ إلا بعد الأخذ بأسباب الطاعة والتوبة والاستغفار.
سألت عائشة رضي الله عنها النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة}: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون؟ فقال: «لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون». فأهل القلوب الوجلة هم أهل الطاعة الذين يخشون ألّا يُقبل منهم، لا المدمنون على المعاصي والملاهي.
﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ﴾
تأمّل أحوال الصحابة رضي الله عنهم يُثبت أنهم كانوا في غاية العمل الصالح مع غاية الخوف من الله في آنٍ واحد. فأبو بكر كان يمسك لسانه ويبكي كثيراً، وعمر مرض حين قرأ {إن عذاب ربك لواقع}، وعثمان كان يبكي عند القبر حتى يَبلُل لحيته، وعلي كان يخاف من طول الأمل واتباع الهوى. وهذا يؤكد أن العمل الصالح يزيد الخوف لا يُزيله.
قال ابن أبي مُليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخافون النفاق على نفسه، ما منهم أحدٌ يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل. وكان عمر بن الخطاب يسأل حذيفةَ إن كان النبي سمّاه في المنافقين، خوفاً منه على نفسه. فنحن أولى وأحرى بالخشية على أنفسنا.
قرّر ابن القيم أن الذنوب والمعاصي تضرّ ولا بدّ، وأن ضررها على القلب كضرر السموم على الأبدان على اختلاف درجاتها، بل لا يوجد في الدنيا والآخرة شرٌّ وداءٌ إلا سببه الذنوب والمعاصي. فمن أراد أن يعافي قلبه وحياته فعليه بالتخفف من الذنوب.
إبليس كان من أعبد خلق الله حتى سُمّي طاووسَ الملائكة في العبادة، فرفضه لسجدة واحدة لآدم جعله ملعوناً مطروداً، مُسِخَ باطنه وظاهره، وبُدِّل بالقرب بُعداً وبالرحمة لعنةً. فإذا كانت معصيةٌ واحدة أهلكت أعبد الخلق هذا الهلاك المبين، فلا ينبغي للإنسان أن يستخفّ بالمعصية.
قال ابن عباس رضي الله عنه: يا صاحب الذنب لا تأمن سوء عاقبته، وأن ما يتبع الذنب قد يكون أعظم من الذنب ذاته، كضحكك بعد المعصية كأنّك لم تفعل شيئاً، وفرحك بالذنب إذا ظفرتَ به، وحزنك إذا فاتك، وخوفك من الريح أن تكشف سِتر بابك ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك. هذه كلها أعظم من الذنب نفسه.
من يُغلق باب غرفته ويعمل المعصية خائفاً من أن يراه الناس أو أبوه دون أن يضطرب فؤاده من نظر الله إليه، قد جعل الله أهونَ الناظرين إليه. وهذا أعظم من المعصية ذاتها، لأنه استهانة بعظمة الله وإسقاطٌ لمقامه في القلب.
من آثار الذنوب القبيحة حرمان العلم، لأن العلم نورٌ يقذفه الله في القلب، والمعصية تُطفئ هذا النور. فكلما كان الإنسان أكثر إقبالاً على الطاعة كان أوفر حظّاً من نور العلم، وكلما تمادى في المعاصي زادت الحجب على قلبه وأُغلقت عنه أبواب الفهم والحكمة.
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: ليحذر امرؤٌ أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، ثم بيّن: إن العبد يخلو بمعاصي الله فيُلقي الله بُغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر. فالمعاصي السرية وإن خفيت على الناس إلا أن الله يُلقي بغض صاحبها في القلوب دون أن يعلم السبب.
في الحديث النبوي: «إن المؤمن إذا أذنب ذنباً نُكتت في قلبه نُكتةٌ سوداء، فإذا تاب ونزع واستغفر صُقِل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الرانُ الذي ذكره الله تعالى». فالذنوب المتراكمة تُغلّف القلب بطبقة من الظلمة تحجبه عن نور الهداية.
قال الفضيل بن عياض: «بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله». لأن الذنب حين يصغر في عين صاحبه جمع بين المعصية والاستهانة بالله، فعظم جرمه. أما حين يعظم الذنب في عين صاحبه فيجلد نفسه ويبكي، فإنه أتى بالمعصية دون الاستهانة بالله فصغر ذنبه.
التوبة الحقيقية ليست الكلمات السريعة على اللسان، بل هي أن ينظر الله في قلب العبد فيجد ندمًا حقيقيًا وبكاءً حقيقيًا وإقلاعًا حقيقيًا. ومن اكتفى بلفظ الاستغفار دون أن يصحبه ذلٌّ في القلب فلا يجزمن بأن توبته قُبلت.
من أشد آثار المعاصي الأثرُ النفسي الوجداني وهو الوحشة بين العبد وربه؛ فيشعر بانقطاع القلب عن الله وبفراغ داخلي لا يملأه إلا صحيح العلاقة بالخالق. وهذه الوحشة وحدها كافية لترك الذنوب لمن تأمّلها.
من يعصي ويشعر بالوحشة والألم من معصيته فهذا دليل على بقاء حياة في قلبه، أما من يعصي ولا يشعر بأي أثر سيئ فقلبه ميت. وعلى من بقي في قلبه شيء من الحياة أن يُبادر إلى التوبة.
من آثار الذنوب أن الله يُلقي بُغض العاصي في قلوب من يلقاه، فيستوحش منه الناس ولا سيما أهل الخير والصالحون. وكلما قويت هذه الوحشة بعُد العاصي عن مجالس الخير وحُرم بركة الانتفاع بأهله.
الطاعة نور والمعصية ظلمة، وظلمة المعصية تبدأ في القلب ثم تسري إلى الوجه حتى يُرى عليه. وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرة العبد حتى يقع في البدع والضلالات. والشاهد الحسي على ذلك ما يشعر به المرء من الضيق في اليوم الذي تفوته فيه صلاة الفجر.
المعاصي تُضعف القلب والبدن معًا؛ فالوهن النفسي الذي يشعر به كثيرون اليوم سببه الأكبر الذنوب. وقد يصل هذا الوهن إلى إزالة الحياة بالكلية في حالات الاكتئاب الحاد والانتحار الشائعة في المجتمعات الغارقة في المعاصي.
المدمن على المعصية لا يجد فيها لذةً حقيقية بعد حين، لكنه يستمر فيها لأنه يشعر بألم تركها. وهذا من أشد العقوبات؛ أن يفعل الحرام بلا لذة، ولا يستطيع تركه. ومن بلغ هذه الحال فليعلم أنه قد وقع في قمة الخذلان.
من أخوف آثار المعاصي أنها تُضعف إرادة التوبة شيئًا فشيئًا حتى تُصبح ثقيلةً على القلب، ثم تنسلخ منه بالكلية فلا يُريد التوبة أصلًا. وهذا حال كثير ممن تراهم ولو مات نصفهم ما تابوا. والتوبة الصحيحة هي التي تعالج جذور المعصية وتُغلق أبوابها.
من آثار الإدمان على المعاصي أن ينسلخ من القلب استقباحها فتصير عادةً عادية، ولا يعود العاصي يستحي من نفسه ولا من الناس. وهذا الانسلاخ من علامات موت القلب، وصاحبه يسير نحو الجهر بالمعصية والفخر بها.
المؤمن يرى ذنوبه كأنها جبل يخشى أن يقع عليه، بينما الفاجر يراها كذباب وقع على أنفه فأطاره. وكلما استهان العبد بالذنب وصغر في عينه عظم عند الله، وكان ذلك علامة على هلاك القلب.
«إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار»— صحيح البخاري عن ابن مسعود
للعقل نور والمعصية تطفئه؛ فيفقد العبد الحكمة والبصيرة في الحكم على الأمور، ويبدأ يدافع عن الباطل وينكر الحق. وكثير من التشوه الفكري والانحراف في المواقف الشرعية سببه فساد العقل بالذنوب.
قال بعض السلف: ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله؛ لأنه لو حضره عقله وعلم أنه في قبضة الرب وتحت قهره وهو مطلع عليه لما استطاع المعصية. فكل من ارتكب معصية إنما فعلها في حالة غيبة وجدانية عن الله.
الذنوب إذا تكاثرت طبعت على القلب فصار صاحبه من الغافلين. فالقلب يصدأ من المعصية كما يصدأ الحديد من العوامل الجوية، ثم يغلب الصدأ حتى يصير طبعًا وختمًا وغشاوة، فيُسلَّم القلب لعدوه يقوده حيث أراد.
النفس الإنسانية لها أحوال متعاقبة من الإقبال على الطاعة والإدبار عنها، وهذا أمر طبيعي أخبر به النبي ﷺ. فلا ينبغي للإنسان أن يتوهّم حين يشعر بالضعف أنه أصبح إنساناً سيئاً أو أنه فسق، بل هذا من طبيعة النفس التي تصعد وتهبط.
على المسلم أن يستعدّ لساعات ضعفه الإيماني في وقت إقباله وقوته؛ فيحفظ آيةً مؤثرة أو حديثاً نبوياً أو كلاماً لأحد السلف يجعله حاجزاً بينه وبين المعصية. فهذه المجالس العلمية وقراءة القرآن وكلام السلف مخزون معرفي إيماني يُستحضر في ساعة الغفلة.
من حذائر إبليس مع من يسلك طريق الاستقامة بعد سنوات من الضياع: أن يتركه أولاً يمارس الطاعة ويرتفع في مستوياتها، ثم يستغل لحظة ضعفٍ ليُوقعه في معاصٍ أشدّ مما كان عليه قبل الالتزام، ليشعره باليأس من نفسه وأنه إنسان مؤوس منه لا يصلح.
إذا وقع المسلم في المعصية بعد فترة استقامة فلا ينبغي له أن ييأس من نفسه أو يظن أن باب التوبة أُغلق، بل يستغفر ويتوب ويعود إلى المجاهدة مرة أخرى؛ فإن هذه اللحظة بالذات هي التي يريد فيها إبليس أن يُقنطه من رحمة الله وقدرته على إصلاح نفسه.
الشيطان أينما استولى على إنسان نُزعت البركة من عمره وعمله وقوله ورزقه؛ ولهذا يجد من استولى الشيطان عليه أنه لا بركة في حياته مهما كان راتبه كبيراً. والطاعة هي التي تجلب البركة في القليل وتُوسّعه، والمعصية تنزع البركة من الكثير وتُضيّقه.
من عقوبات الذنوب أنها تُطفئ من القلب نار الغيرة التي هي مادة حياته وصلاحه كالحرارة الغريزية للبدن. فالغيرة كالمنفاخ تطرد الخبث والأوصاف المذمومة من القلب، وإذا ذهبت غدا القلب مستنقعاً للأوساخ والقاذورات.
الغيرة الحقيقية الممدوحة تجمع بين أمرين: الغيرة على محارم الله والحكمة في معالجة المنكر؛ فمن اشتدت غيرته ودفعته إلى الإيقاع السريع بدون إعذار فهذا مذموم، ومن توسّع في المعاذير حتى ميّع الثوابت فهذا مذموم أيضاً. والكمال الجمع بين الخصلتين.
«إن من الغيرة ما يحبها الله ومنها ما يبغضها الله، فأما التي يبغضها فالغيرة من غير ريبة»
كلما اشتدت ملابسة الإنسان للذنوب والمعاصي خرجت من قلبه الغيرة؛ أولاً على نفسه فيصير لا يكترث أن يراه الناس في المعصية، ثم على أهله وزوجته وبناته، حتى يصل إلى مرحلة يُحسّن فيها الفواحش لغيره ويزيّنها ويدعو إليها. وهذا ما عُرف بالديًاثة.
قرّر ابن القيم أن أصل الدين الغيرة؛ فمن لا غيرة له لا دين له. والغيرة تحمي القلب فتحمل الجوارح على دفع السوء والفواحش، وعدم الغيرة يُميت القلب فتموت له الجوارح فلا يبقى عندها دفعٌ البتة.
من عقوبات الذنوب ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب وأصل كل خير. فالحياء مشتقٌ من الحياة كما يُسمى الغيث حياءً لأن به حياة الأرض، فمن لا حياء فيه فهو ميت في الدنيا شقي في الآخرة.
«الحياء خير كله»— صحيح مسلم
«إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»— صحيح البخاري
لحديث «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» ثلاثة وجوه في الفهم: الأول: التهديد والوعيد. الثاني: من لا يستحي من الله صنع كل شيء، دلالةً على خطورة انعدام الحياء. الثالث - الذي أورده ابن القيم -: أن الفعل الذي لا تشعر بحياء أن يراك الله عليه يدل أنه مباح، وما شعرت فيه بالحياء من الله فاتركه، وهو استفتاء للقلب السوي.
ضبط ابن القيم مراحل تطور المعصية في النفس: الخاطرة ← إذا استُرسل معها صارت وسوسةً متكررة ← ثم صارت إرادة ← ثم عزيمة ← ثم فعلاً ← ثم صفةً لازمة وهيئةً راسخة (الإدمان). فالعاقل يعالج نفسه من الخاطرة الأولى بدفعها والاستعاذة والانشغال بغيرها قبل أن تتحول إلى فعل يصعب الخروج منه.
عند ورود الخاطرة الأولى للمعصية على الإنسان ينبغي ألا يستغرق معها في الخيال، بل يستغفر الله أولاً ثم يشغل نفسه بفعل آخر كالرياضة أو المكالمة أو الذهاب إلى المسجد؛ لأن البقاء في نفس الوضعية مع الاسترخاء يُعين على استحكام الخاطرة وتحوّلها إلى وسواس.
من عقوبات الذنوب أنها تُخرج العبد من دائرة الإحسان وتمنعه من ثواب المحسنين؛ لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، ومن يفعل الذنوب لا يشعر بمراقبة الله ولا يرى الله، فيخرج من دائرة الإحسان إلى دائرة الإيمان، فإن استمر خرج إلى دائرة الإسلام فحسب.
«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»— الصحيحان
من أعظم آثار الذنوب أنها تُضمحل من القلب تعظيمَ الله وتعظيمَ حرماته، حتى تهون على صاحبها أوامره ونواهيه. والمؤمن إنما يعيش بتعظيمه لله؛ فإذا فقد هذا التعظيم لم يجد ما يحدث بينه وبين المعصية من حاجز.
الإحسان أعلى مراتب الدين، وهو أن تعبد الله كأنك تراه. والعاصي لا يمكن أن يكون في هذه الدائرة لأن من وصل إليها لا يفكر في المعصية فضلًا عن أن يواقعها. فالمعاصي تحرم صاحبها من القرب من الله ومن ثواب المحسنين.
«أن تعبد الله كأنك تراه»— حديث جبريل في تفسير الإحسان
من كمال مراتب الإحسان أن يستحيي العبد من أن ينظر الله إلى قلبه فيرى فيه مجرد التفكير في شهوة من الشهوات، لا فقط فعل المعصية. وهذا دليل على عمق المراقبة لله في أدق الأحوال.
الإنسان الذي يُكثر من صغائر الذنوب ينزل من مرتبة الإحسان إلى مرتبة الإيمان، والذي يرتكب الكبائر ينزل من مرتبة الإيمان إلى مرتبة الإسلام. وأهل السنة لا يكفّرون بالذنوب والكبائر، لكن العاصي ينحط في مرتبته الإيمانية.
«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»— متفق عليه
من عقوبات الذنوب أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة على ثلاث مراتب: الأولى الإضعاف فيمشي لكن بضعف، والثانية العوق فيتقطع ثم يعود، والثالثة والأشد الوقوف التام فلا تنهض همته لشيء من الطاعة. والقلب إنما يسير إلى الله بقوته لا بالألقاب والمظاهر.
العبرة في السير إلى الله ليست بالظاهر ولا بالشكل ولا بالألقاب الجامعية، بل بقوة القلب وما وقر فيه من إيمان وما طهر فيه من ذنوب ومعاصي. فإذا قوي القلب شعر صاحبه بالهمة والنشاط في كل مجالات الخير، وسبيل ذلك الاستغفار والتوبة والمحاسبة.
الذنب له أثر على كل مستوى في درجات التقرب من الله: فهو يحجب من وصل إلى نهاية طريق الطاعة، ويقطع من كان في منتصف المسير، وينكّس في بداية الطريق من كان طالبًا. فلا أمان من هذا الخطر حتى في أواخر العمر.
«وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها»— متفق عليه
من عقوبات الذنوب أنها توقع الوحشة العظيمة في قلب المذنب، فتقع الوحشة بينه وبين ربه وبين الخلق وبين نفسه. وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة. وأطيب العيش عيش المستأنس بالله الذي طهر قلبه، لا عيش المستوحش الخائف.
الوحشة التي يشعر بها العاصي سببها الحجاب الحاصل بينه وبين الله بسبب ذنوبه وغفلته، وكلما غلُظ هذا الحجاب من الغفلة إلى المعصية إلى البدعة إلى الشرك زادت الوحشة وازداد الفراغ النفسي. وهذا الفراغ هو الذي يفسر تزايد الانتحار والأمراض النفسية في المجتمعات البعيدة عن الله.
«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»— متفق عليه
من عقوبات الذنوب أنها تصرف القلب عن صحته إلى مرضه وانحرافه، فيجد صاحبه أنه يقرأ القرآن ويذكر الله ويدعو لكنه لا يجد لذلك أثرًا في قلبه. وهذا لأن القلب في حالة مرض شديد لا يمتص الأغذية الإيمانية. وعلاجه كثرة طرق الباب بالتوبة والاستغفار.
الذنوب أمراض القلوب، ولا دواء لها إلا تركها. وقد أجمع السائرون إلى الله أن القلوب لا تُعطى مناها حتى تصل إلى مولاها، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة. وأصل العلاج مخالفة الهوى، فالهوى هو مرض القلب وشفاؤه مخالفته.
﴿ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ﴾
قوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾ ليس مقصورًا على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل يشمل الدور الثلاثة: دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار. فالأبرار في نعيم الرضا والإقبال على الله، والفجار في جحيم الضنك والبعد والحسرة.
من عقوبات الذنوب أنها تعمي بصيرة القلب وتطمس نوره وتسد طرق العلم وتحجب موادّ الهداية. وقد قال الإمام مالك للشافعي حين رأى مخائل النور على وجهه: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعصية. ولا يزال هذا النور يضعف وظلام المعصية يقوى حتى يصير القلب كالليل البهيم.
«ومن عقوباتها انها تعمي بصيره القلب وتطمس نوره وتسد طرق العلم وتحجب مواد الهدايه وقد قال مالك للشافعي لما اجتمع به وراى تلك المخايل اني ارى الله قد القى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمه المعصيه»
الشيطان ذئب الإنسان كما في الحديث، والتقوى وقاية وجنة حصينة بينه وبين ذئبه. وكلما كانت الشاة أقرب من الراعي كانت أسلم من الذئب، وكلما بعدت كانت أقرب إلى الهلاك. كذلك الإنسان: كلما قرب من الله كان في أمان، وكلما ابتعد عن درب الاستقامة ومجالس الصالحين سهُل على الشيطان اقتناصه.
البعد عن الله مراتب بعضها أشد من بعض: الغفلة وهي أخفّها، ثم المعصية وهي أشد، ثم البدعة وهي أشد من المعصية لأن صاحبها لا ترجى توبته إذ يظن أنه يتقرب إلى الله بفعله، ثم الشرك وهو أسوأها. وصاحب العقيدة السليمة وإن وقع في معصية ترجى توبته بخلاف المبتدع.
من عقوبات الذنوب أنها تسقط جاه العاصي ومنزلته عند الله وعند خلقه، فأكرم الخلق عند الله أتقاهم. فإذا عصى العبد سقط من عين الله فأسقطه من قلوب عباده، فعاش خامل الذكر ساقط القدر لا حرمة له ولا فرح.
﴿ يا/أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ﴾
من عقوبات الذنوب أنها تُنقص عقل صاحبها؛ فالعقل الكامل الذي يحقق السعادة الدينية والدنيوية والأخروية لا يكون إلا مع الإيمان. أما الغرب فيُنكر بعضٌ نقصان عقولهم بسبب إنجازاتهم التقنية، لكن هذه الإنجازات في جانب واحد مادي فقط، وهم ساقطون في كل النواحي الأخرى الأخلاقية والاجتماعية والدينية.
﴿ الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا/أولي الألباب ﴾
أصل الإنسان الافتقار؛ فهو مفتقر بذاته إلى الله في كل خطرة وفي كل خطوة، وهذا الفقر ليس وصفاً طارئاً بل هو عِلّة ذاتية مستدامة في الدنيا والآخرة. ومن كان هذا شأنه فكيف يبتعد عمّن انفاسه وإراداته وسعادته بيده؟
﴿ يا/أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ﴾
المعصية سبب محق البركة لأن شيطاناً موكَّل بها وبأصحابها، وكل ما اتصل به الشيطان فبركته ممحوقة. ومن فتح باب المعصية فقد فتح لشيطانه الباب على رزقه وعمره وبيته، كما أن مجرد ترك التسمية عند الأكل يدخّل الشيطان، فكيف بحياة كلها معصية؟
بيّن ابن القيم أن بعض المعاصي قد تكون في علم الله رحمةً للعبد إذا أورثته توبةً نصوحاً وانكساراً وذلاً بين يدي مولاه؛ فتُزيل عنه داء العجب والاغترار بالطاعة، وتُشعره بفقره الحقيقي إلى الله. ومع ذلك ينبغي للعبد أن يسأل الله العافية ولا يتمنى المعصية.
من الآثار المفيدة للمعصية عند من وُفِّق للتوبة الكاملة: أنها تُنفي عنه داء العجب بالأعمال، وتُخلّصه من الثقة بنفسه وادّلاله على ربه بطاعاته، وتضع خدّه على عتبة باب سيده ومولاه ذلاً وانكساراً، وتُعرّفه قدرَه وتُشهده فقره وضرورته إلى حفظ الله وعفوه.
من عقوبات الذنوب أنها تجرّئ على العبد من لم يكن يتجرأ عليه من أصناف المخلوقات: الشياطين تجرأ عليه بالأذى والوسوسة، وشياطين الإنس تتجرأ عليه بالأذى، بل أهله وخدمه وجيرانه وحتى الحيوانات. قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خُلق امرأتي ودابتي.
معركة الإنسان الحقيقية هي مع نفسه الأمارة بالسوء لا مع الخارج؛ فمن ملك زمام نفسه نجا حتى لو اجتمع عليه أهل الأرض، ومن غلبته نفسه الأمارة أصبح عبداً لها تقوده حيث شاءت. والمعاصي تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه فتُشوّش بصيرته في معرفة أسباب السعادة والشقاء.
شبّه ابن القيم حال العبد المذنب بحال رجل معه سيف قد غشيه الصدأ ولزم قرابه، فإذا جاءه عدو يريد قتله واجتهد ليخرجه لم يخرج معه فدهمه العدو وظفر به. كذلك القلب يصدأ بالذنوب فإذا احتاج صاحبه إلى محاربة العدو والبلاء لم يجد عنده شيئاً ينفعه.
الثبات أمام البلاء ليس قراراً لحظياً بل هو ثمرة شحذ السيف وإعداد القلب بالطاعة والمجاهدة طوال الحياة. من أعدّ قلبه صبر على البلاء الكبير، ومن أهمل إعداده فزع وجزع من أدنى شيء. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى.
أشد ما تخون المعاصي صاحبها عند الاحتضار والانتقال إلى الله؛ فقد يتعذر على العبد النطق بالشهادة، ويذكر ما كان مشغوفاً به في حياته من تجارة أو غناء أو معشوق. وسببُ خاتمة السوء دسيسةٌ في القلب من المعاصي السرية المُصَرّ عليها. وساعة الاحتضار ثمرةُ نشاط العمر كله.
﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ﴾
«وسبب خاتمه السوء دسيسه في قلب الانسان يعني اشكاليه من المعاصي هو مدمن عليها لا يعرفها الناس وهو متهاون في علاجها مستمرا لها عندئذ تخونك في ساعه الاحتضار»
في لحظات الاحتضار يجمع الشيطان كل قوته وهمته ليحشد على العبد ويحاول انتزاع كلمة الكفر منه؛ فهو أقوى ما يكون والعبد أضعف ما يكون. ومن كان غافلاً في حياته عن ذكر الله ولم يُعدّ قلبه فهو أولى وأحرى بأن تُخونه في تلك الساعة الحاسمة.
«وجمع الشيطان له كل قوته وهمته وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه فرصته فان ذلك اخر العمل فاقوى ما يكون عليه ذلك الوقت واضعف ما يكون هو في تلك الحال»
من عقوبات الذنوب أنها تعمي القلب وتضعف بصيرته حتى يرى الباطل حقاً والحق باطلاً والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، فينتكس في سيره ويرجع عن سفره إلى الله. ومن أعرض عن ذكر الرحمن قيّض الله له شيطاناً فهو له قرين يصده عن السبيل ويحسب أنه مهتدٍ.
﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ﴾
مدار كمال الإنسان على أصلين: معرفة الحق من الباطل، والقوة على تنفيذ الحق واختياره. وبهذين الأمرين أثنى الله على الأنبياء بقوله (أولي الأيدي والأبصار). وقد انقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام، أشرفهم وأكرمهم من جمع كمال البصيرة وكمال تنفيذ الحق.
﴿ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار ﴾
ابتلى الله الإنسانَ بعدوٍّ لا يفارقه طرفة عين ولا ينام ولا يغفل عنه، يراه هو وقبيله من حيث لا يراه الإنسان، ويبذل جهده في معاداته في كل حال، ويستعين عليه بشياطين الجن وشياطين الإنس.
يصوّر ابن القيم أن إبليس يخطب في جنوده من الجن حاثّاً إياهم على إيصال بني آدم إلى النار، مستنداً إلى ما ناله من خزي وإبعاد بسبب آدم، فيريد منهم أن يجعلوا الإنس شركاءهم في هذه البلية.
لمّا علم الله أن الإنسان مبتلى بهذا العدو أمدّه بعساكر وجند يلقونه بها، وأقام سوق الجهاد في هذه الدار طوال مدة العمر التي هي بالنسبة للآخرة كنفَس واحد من أنفاسها.
﴿ يا/أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ﴾
﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ﴾
عقد الله لواء هذه الحرب للقلب باعتباره محل المعرفة والمحبة والعبودية والإخلاص والتوكل، وأيّده بجند من الملائكة لا يفارقونه. وعلى الإنسان أن يحافظ على وجود هؤلاء الملائكة بالمحافظة على الأذكار والابتعاد عن أماكن السوء.
﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾
جمع الله فلسفة هذه الحرب في أربع كلمات: الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى. والمرابطة تعني لزوم ثغر القلب والعين والأذن واللسان والبطن واليد والرجل، وهذه الثغور يدخل منها العدو إذا تُركت بلا حراسة.
﴿ يا/أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾
سأل إبليس عن أقرب جنود القلب إليه فأُجيب بأنها النفس. فأوصى جنوده بأن يدخلوا عليها من مرادها وينقشوا صورة المحبوب فيها حتى تطمئن إليه، فتخون القلب وتتواطأ مع إبليس فتنهدم الحصون الأخرى كلها تباعاً.
يصف إبليس مسيرة الإفساد عبر العين بقوله: «أبذر من خلال العين في القلب بذر الشهوة، ثم أسقيه بماء الأمنية، ثم لا أزال أعده وأمنّيه حتى تتحوّل الشهوة إلى فعل». لذلك أمر الله بغض البصر تزكيةً للقلب.
﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ﴾
فتنة النساء هي أعظم فتنة أُبقيت على رجال هذه الأمة وهي أول فتنة دخل بها الشر على بني إسرائيل. وقد جعل الله غريزة في كل من الرجل والمرأة تجاه الآخر، وهي أشد أنواع البلايا وأضعف ما يكون الإنسان تجاهها، حتى الرجل الحازم في كل شيء قد يضعف أمام امرأة.
﴿ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ﴾
حذّر ابن القيم من مجالسة الغافلين، مستشهداً بقوله تعالى: «ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا». فمع كل غافل شيطانه، فإذا كان ذاكر واحد بين غافلين فهو بمواجهة خمسة؛ وشيطان الذاكر نفسه سينضم إلى الأربعة فيغلبونه.
﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ﴾
أعلى درجات انتصار إبليس أن يعقد القلبُ «نكاحاً» مع النفس الأمارة فيصبح يرى الباطل حقاً والحق باطلاً. وهذا أشد خطراً ممن يعصي وهو يعلم أنه مخطئ. وتحققُ هذا التشوه في الرؤية هو قمة الانتهاء في حياة الإنسان.
أصل الذنوب والمعاصي في الإنسان تنتج إما من القوة الشهوانية أو من قوة الغضب؛ فالشهوة هي التي تدعو إلى الزنا والنظر الحرام وأكل أموال الناس بالباطل، والغضب هو الذي يدعو إلى الحسد والقتل والحقد والغل. وهاتان القوتان لا يمكن انتزاعهما لأنهما فطريتان، لكن على الإنسان أن يُحسن توجيههما في الاتجاه الصحيح.
من حكمة ابن القيم أن الإنسان الموفق هو الذي يُحسن تصريف قوة الشهوة فيما يرضي الله من السبل الحلال كالزواج والتعلم، وكذلك يُحسن توجيه الغضب فيجعله عند انتهاك محارم الله وعلى أعدائه. أما إذا ترك هذه القوى بدون توجيه فلا بد أن تتفرغ في المكان الخاطئ.
يعلم إبليس أن لكل إنسان مداخل تناسب طبيعته؛ فمن كان شديد الشهوة ضعيف الغضب يدخل عليه من باب الشهوات، ومن كان شديد الغضب يدخل عليه أيضاً من باب الشهوة لأن من لا يملك نفسه عند الغضب فهو بالأحرى لا يملكها عند الشهوة.
من عقوبات الذنوب أنها تُبعد عن العبد وليّه وأنفع الخلق له وهو الملك الموكل به، وتُدني منه عدوّه الشيطان. فالملك يتباعد من العبد بقدر معصيته، حتى إنه يتباعد منه بالكذبة الواحدة مسافةً بعيدة؛ وفي بعض الآثار إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلاً من نتن ريحه.
«العبد اذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصيه حتى انه تباعد منه بالكذبه الواحده مسافه بعيده وفي بعض الاثار اذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلا من نتن ريحه»
للملك لمّة في قلب ابن آدم وللشيطان لمّة؛ فلمة الملك هي ما يُلقيه في خاطر الإنسان من الأفكار والإرادات الداعية إلى الخير والتصديق بالحق، ولمة الشيطان هي ما يوسوس به من إيعاد بالشر وتكذيب بالحق. وإذا اشتد قرب الملك من العبد تكلّم على لسانه بالقول السديد.
«إن للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالوعد ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق»
الذنوب أمراض متى استحكمت قتلت ولا بد؛ فكما أن البدن لا يكون صحيحاً إلا بثلاثة أمور: غذاء يحفظ قوته، واستفراغ يُزيل المواد الفاسدة، وحمية تمنع المضر - فكذلك القلب لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة، واستفراغ بالتوبة النصوح، وحمية من المعاصي.
شبّه ابن القيم التوبة النصوح بالاستفراغ الذي يُخرج المواد الفاسدة من البدن؛ فالتوبة إلى الله النصوح هي التي تجعل الإنسان يتقيأ ذنوبه ومعاصيه المعشّشة في قلبه وتُخرجها، أما الإصرار على الذنوب فيمنع هذا الاستفراغ فتبقى الذنوب معشّشة في القلب تأكله.
مفسدة الزنا تتضاعف بتضاعف ما انتهك من الحقوق؛ فالزنا بامرأة ذات زوج أعظم إثماً من الزنا بغير المتزوجة، والزنا بزوجة الجار أشد بوائق وأعظم إثماً. وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يُوقف له يوم القيامة ويقال له: خذ من حسناته ما شئت.
قسّم ابن القيم العقوبات القدرية المترتبة على الذنوب إلى نوعين: النوع الأول عقوبات تقع على القلوب والنفوس، والنوع الثاني عقوبات تقع على الأبدان والأموال. وعقوبات القلوب بدورها نوعان: آلام وجودية حسّية يشعر بها الإنسان فعلًا، وانقطاع موادّ الإيمان عن القلب بحيث يُحرم من الأنس بالله ومعرفته والاعتماد عليه.
يرى ابن القيم أن قطع موادّ الإيمان عن القلب هو من أشدّ العقوبات القلبية، إذ تشمل هذه المواد: الأنس بالله، والاعتماد عليه، ومعرفته، والشعور بالتعلق به. فإذا قطع الله هذه الحبال عن قلب العبد، مات القلب موتًا معنويًا، ولا فائدة في قلب ينبض بالمعاصي والشهوات المحرمة.
قرّر الشيخ قاعدةً سلوكيةً مهمةً مفادها أن كل انقطاع عن الله هو إقبال على الشيطان بوجه من الوجوه، لأن القلب لا يخلو من أحد طرفين: إما الاتصال بالله، وإما الاتصال بالشيطان، فلا خيار ثالث.
يؤكد ابن القيم أن عقوبة القلب أشدّ من عقوبة البدن والمال لأسباب عدة: فالبدن يذهب ويأتي، أما القلب إذا مات فلن يعود بسهولة. وثانيًا: عقوبة القلب هي أصل عقوبة البدن، إذ إن البدن إنما يُعاقب بالأسقام تبعًا لعقوبة القلب أولًا.
يُقرّر ابن القيم قاعدةً جليلة: لا يوجد ذنبٌ بلا عقوبة البتة، مهما كان العبد وليًّا أو صالحًا. فأدنى عقوبة هي النكتة السوداء على القلب، وقد لا يشعر بها العبد لغفلته، لكن عدم الإحساس بالعقوبة هو نفسه نوعٌ من العقوبة.
«إذا أذنب الإنسان نكتت على قلبه نكتة سوداء»— كما ذكره الشيخ
يُشبّه ابن القيم عمل العقوبة في القلب بعمل السُّمّ في البدن؛ فإن العقوبة حتى لو لم تُحسّ بها في البداية فهي عاملةٌ في قلبك رويدًا رويدًا كالأرضة تأكل الخشب، حتى إذا انتبهت يومًا وجدتَ قلبك قد ضعف عن الطاعة والإقبال على الله.
يجمع ابن القيم المصطلحاتِ القرآنية الدالة على مرض القلب في مجموعة واحدة مترابطة: الختم، والطبع، والتقليب، والأكنّة، والرين، والأقفال، والغشاوة. وكلها تحوم حول معنى واحد وهو وجود حاجزٍ بين القلب وبين معاني الإيمان فلا تصل إليه.
﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ﴾
من أشد عقوبات القلب أن يُثبّط الله العبد عن الطاعة ويُقعده عنها جزاءً على معاصيه؛ فيجد نفسه فجأةً قد ترك حفظ القرآن، أو مجالس العلم، أو العمل التطوعي، أو قيام الليل لا لبديل خيرٍ أعلى، بل لا لشيء. وهذا علامةٌ خطيرة تستوجب المراجعة الفورية.
من عقوبات المعاصي أن يجعل الله القلب أصمّ لا يسمع الحق، أبكم لا ينطق به، أعمى لا يراه. فتصبح النسبة بين القلب والحق الذي لا ينفعه سواه كنسبة الأذن الصمّاء إلى الأصوات، لا فائدة ولا استجابة.
﴿ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾
يُقرّر ابن القيم أن الصمم والبكم والعمى الحقيقية إنما هي للقلب بالذات، وللجوارح بالعرض والتبعية. فإن الإنسان الفاقد للبصر الحسي وقلبه حيٌّ لا يُعدّ أعمى بالمعنى الشرعي الحقيقي، بينما صاحب القلب الميت أعمى حقًا وإن كان يرى.
﴿ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾
يستشهد الشيخ بحديث حذيفة بن اليمان الذي يُصنّف القلوب أربعةً: أولها القلب الأجرد المتجرد لله فيه سراج الإيمان وهو قلب المؤمن الصادق، وثانيها القلب الأغلف الذي غلّفته الذنوب فهو قلب الكافر، وثالثها القلب المنكوس الذي أقبل ثم انقلب وهو قلب المنافق، ورابعها القلب الذي تمدّه مادتان: مادة إيمان ومادة نفاق، ومآله بحسب ما يغلب.
«القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، وقلب أغلف، وقلب منكوس، وقلب تمده مادتان مادة إيمان ومادة نفاق»— ذكره الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه كما نقله الشيخ
يُركّز الشيخ على أن الحياة الحقيقية للقلب ليست في إشباع الشهوات والمال، بل في اتصاله بالله ومعرفته والأنس به والاعتماد عليه. وقد أشار القرآن إلى أهل الكفر بـ«الموتى» لأن قلوبهم ميتة، وإن كانت أجسادهم حية.
﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ﴾
من عقوبات الذنوب القلبية أن يخسف الله بالقلب إلى أسفل السافلين وصاحبه لا يشعر، وعلامة الخسف أن يبقى القلب جوّالاً حول الشهوات والقاذورات والرذائل؛ فمن وجد أفكاره تدور حول هذه الأمور فليعلم أن قلبه مخسوف به.
«ومنها الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه فيخسف به الى اسفل السافلين وصاحبه لا يشعر وعلامه الخسف به انه لا يزال جوالا حول السفليات والقاذورات والرذائل»
قال بعض السلف إن القلوب جوّالة، فمنها ما يجول حول العرش ومنها ما يجول حول الحُشّ القذر؛ وليس لأحد قلب ساكن لا يجول ما دام مستيقظاً، فإما أن تكون خواطره خواطر إيمانية نافعة وإما أن تكون خواطر المعاصي وسبل الوصول إليها.
من عقوبات الذنوب مسخ القلب بحيث يتحول من قلب إنساني إلى قلب حيواني شهواني لا يفكر إلا كما تفكر الدواب؛ فمن غلب عليه الحسد والمكر أو انعدمت غيرته قيل إن قلبه مُسخ على صورة حيوان يشابه تلك الخصلة.
﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ﴾
فسّر سفيان بن عيينة قوله تعالى «وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم» بأن البشر في أخلاقهم يشبهون مختلف الحيوانات: فمنهم من أخلاقه أخلاق الغنم بالبساطة، ومنهم من أخلاق الخنزير بانعدام الغيرة، ومنهم من أخلاق الحمار بالحُمق، ومنهم من يتبختر كالطاووس وهكذا.
﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ﴾
مسخ القلب يبتدئ باطناً وقد لا يظهر ابتداءً على الجوارح، لكنه مع المداومة وعدم المعالجة يبدأ يظهر على التصرفات والجوارح: أولاً خفياً لا يدركه إلا أصحاب الفراسة، ثم جلياً للجميع.
ينبغي لطالب العلم أن لا يُفتن بثناء الناس عليه، فقد يكون قلبه مخسوفاً أو ممسوخاً وهو لا يدري، فيستمر في المعاصي في الخلوات ثم يتضاعف بالصلاح في الجلوات، فيثني الناس عليه وهو في الاتجاه الخاطئ.
من أعظم عقوبات القلب نكسه حتى يرى الباطل حقاً والحق باطلاً والمعروف منكراً، فيُفسد وهو يرى أنه يُصلح، ويصدّ عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليها؛ وهذا يكثر فيمن ينسب إلى العلم ممن يؤلف على باطله يحسب أنه ينصر الهدى.
حجاب القلب عن الله في الدنيا يعني أن العبد لا يستأنس بذكر الله إذا خلا به، ولا يشعر بالراحة والخشوع في الصلاة والعبادة؛ وهذا يدل على وجود طبقة كثيفة من الذنوب والغفلة تحجبه عن مولاه.
يوصي الشيخ كل مسلم بأن يختبر قلبه عملياً: يجلس ساعة بعيداً عن الجوال ووسائل التواصل ويحاول مناجاة الله، فإن شعر بعد دقائق بالملل والضجر وأراد العودة إلى الجوال دلّ ذلك على أن الدنيا أخذته والذنوب صارت حجاباً كثيفاً بينه وبين الله.
الذنوب تمنع العبد من قطع المسافة بينه وبين قلبه فيرى ما يصلحه ويفسده، وتمنعه من قطع المسافة بين قلبه وبين ربه فتفوز قلوبهم بقُربه وكرامته؛ فصارت الذنوب حجابين: حجاباً بين العبد وقلبه، وحجاباً بين قلبه وربه.
القلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة، فسلم من كل آفة تبعده عن الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره، ومن كل إرادة تزاحم مراده، ومن كل قاطع يقطع عن الله.
من علامات القلب السليم أن يسلم من الشبهات التي تعارض نصوص الكتاب والسنة، فيتلقى النصوص بالتسليم والقبول؛ أما من لا يزال عنده شبهات تجاه الحجاب أو تحريم الربا أو نحوهما فقلبه لم يسلم بعدُ من هذا الباب.
لا تتم سلامة القلب حتى يسلم من خمسة حجب: (1) شرك يناقض التوحيد، (2) بدعة تخالف السنة، (3) شهوة تخالف أمر الله، (4) غفلة تناقض الذكر، (5) هوى يناقض التجريد والإخلاص؛ وهذه الخمسة هي الأغلفة التي تحرم صاحبها من الأنس بالله.
«ولا تتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسه اشياء قال من شرك يناقض التوحيد وبدعه تخالف السنه وشهوه تخالف الامر وغفله تناقض الذكر وهوا يناقض التجريد والاخلاص»
الذنوب الشيطانية هي تلك التي تشبه صفات إبليس وخصائصه كالحسد والبغي والغش والغل والخداع والمكر والأمر بمعاصي الله وتحسينها، والنهي عن طاعته وتقبيحها، والابتداع في الدين والدعوة إلى البدع والضلال.
أن يصبح حضور مجالس العلم عادةً راسخةً يألفها طالب العلم ويحبّها هي من أعظم النعم التي ينعم الله بها على الإنسان. ومن أكبر أخطاء بعض الطلاب الاندفاعُ إلى كل جديد ثم الفتور بعد مجلسين أو ثلاثة، فعلى طالب العلم أن يُوطّن نفسه على الديمومة حتى يُنجز الكتب من الجلدة إلى الجلدة.
الشيطان يُضعف همة طالب العلم بأن يُركّز نظره على الحاضر الثقيل ومدى الكتاب الطويل، فتحايل عليه بأن تنظر إلى المستقبل؛ فمن التزم بمجالس العلم خمس سنوات وجد نفسه قد أنجز عشرات المصنفات وشعر بفارق علمي وسلوكي وحياتي كبير.
لا يصح أن يطمئن المرء إلى كون الصلوات الخمس تكفّر ما بينها وهو يؤدّيها بلا خشوع ولا انتباه، لأن ابن القيم نصّ على أن التكفير مشروط بأداء الصلاة بتمام خشوعها والإنابة إلى الله والإقبال عليه واستحضار عظمته فيها؛ وإلا فالعمل الضعيف كالدواء الذي يُؤخذ بأقل من الجرعة الكافية فلا يُعالج الداء.
زعم المشركون أن اتخاذ الوسطاء والشفعاء تعظيمٌ لله لا استهانة به، بحجة أن مقامه عظيم فلا يُدخل عليه مباشرة، وهي نفس شبهة كفار قريش في قولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى). ردّ ابن القيم بأن هذا ظلمٌ لله إذ يُساوي العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات، وأن النهي عن الشرك واجب عقلًا وشرعًا وفطرةً معًا لا شرعًا فحسب.
﴿ ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾
وصف ابن القيم شركَ الإرادات والنيات بأنه «البحر الذي لا ساحل له وقلّ من ينجو منه»، لأن أن يعمل الإنسان عملًا خالصًا لله لا شائبة فيه لمخلوق يحتاج إلى مراقبة شديدة ومتابعة حثيثة لتفكيره وتوجهه وقلبه في كل كلمة يقولها.
الرياء شرك يُبطل ثواب العمل فيُنزّل المرائي منزلة من لم يعمل، وهو أول مشكلات الرياء إضاعة الثواب. وإن كان العمل واجبًا أُعيد الحساب أيضًا لأنه لم يؤدِّه كما طلبه الله، إذ الله إنما أمر بعبادته خالصة. قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء).
﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ﴾
«الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، قالوا: وكيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: قل اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم»— رواه ابن حبان في صحيحه
نبّه الشيخ على خطأ شائع في واقع الأمة: أن كثيرًا من الناس يستعظمون الزنا والفواحش أكثر مما يستعظمون الشرك بالله، فلا يجدون نفورًا كافيًا من عبادة القبور والأصنام. وهذا التهوين من عظم الشرك مشكلة كبيرة يجب معالجتها بتعليم الأسرة والمجتمع.
إذا كان الشرك تشبيه المخلوق بالخالق تشبيهًا خارجيًا، فإن تشبّه الإنسان بنفسه بالخالق هو أشد وأشنع؛ كمن يدعو الناس إلى تعظيمه وطاعته وتعليق القلوب به خوفًا ورجاءً، فقد نازع الله في ربوبيته وألوهيته وهو حقيق بأن يُهينه الله غاية الهوان.
«يقول الله عز وجل: العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدًا منهما عذّبته»— الصحيح
أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، لأن المسيء بالظن قد ظن به خلاف كماله المقدّس وما يناقض أسماءه وصفاته. والشرك في جوهره إساءة ظن بالله، إذ عبادة الغير تنبع من ضعف الثقة بالله والشك في كماله وغناه وقدرته.
﴿ وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ﴾
بعد الشرك تأتي المعصية الثانية في كبر المفسدة وهي القول على الله بغير علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، ووصفه بضد ما وصف به نفسه. وإن صدر ذلك عن علم ومعاندة فهو أقبح من الشرك عند الله.
﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾
البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن المعصية يُتاب منها ويُستغفر، بينما البدعة لا يتاب منها لأن صاحبها يحسب أنه يحسن صنعًا. وقال إبليس: أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك بثثتُ فيهم الأهواء.
«أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا»
المذنب ضرره يعود في الغالب على نفسه أو على من فعل معه المعصية، أما المبتدع فضرره يتعدى إلى النوع الإنساني كله لأنه يدعو إلى بدعته ويقيم المحاضرات ويكتب الكتب في نشرها، فتؤثر في مجتمعات وشعوب وعقول.
الفرق الجوهري بين العاصي والمبتدع: العاصي مؤمن موحد يسير إلى الله بسير بطيء متعثّر لكنه يسير لحاله. أما المبتدع فيقطع على الناس طريق الآخرة، يصدّهم ويدعوهم إلى أفكار منحرفة تقودهم إلى النار، ويقاتل لأن يكون الناس على عقيدته.
نبّه ابن القيم على نمط خطير: من يتقن في عمله ويخلص للمخلوقين في أداء الواجبات، ثم إذا قام بين يدي الله صلّى بغير خشوع وذكر بقلب غافل. هذا الإنسان أعطى ربّه الفُضلة والحواشي، وأعطى المخلوقين خيرة وقته وجهده.
لا يُكتفى بترك المعاصي دون إتقان العبادات؛ فإن المطلوب من العبد هو القيام بالواجبات وأداؤها بالشكل الذي يريده الرب. والغرض من هذه العبادات ليس انتفاع الله بها بل انتفاع العبد نفسه، فالصلاة تنهاه عن الفحشاء والذكر يحيي النفس والقرآن يوضح البوصلة.
الكبر نوع من أنواع الشرك لأن الكبرياء رداء الله الخاص به، فمن تكبّر على الناس فقد أعطى نفسه شيئًا من خصائص الله سبحانه. وقد لا يكون الكبر من الشرك الأكبر لكنه شكل من أشكال الشرك الأصغر لأن صاحبه يتشبّه بالله بما هو من خصائص صفاته.
الظلم ليس درجة واحدة، بل يتفاوت إلى مراتب بحسب المفاسد المترتبة عليه في دين الإنسان ودنياه؛ فأشد الظلم أشده مفسدةً وأخفه أقله مفسدةً. وقتل الولد خشية أن يشاركه في مطعمه ومشربه هو من أقبح الظلم وأشده، إذ جبل الله القلوب على محبة الأولاد والرحمة بهم.
«ان تجعل لله ندا وهو خلقك، ثم ان تقتل ولدك خشيه ان ياكل معك، ثم ان تزاني حليله جارك»— متفق عليه
مداخل الشيطان إلى قلب الإنسان أربعة: اللحظات وهي لحظ العين، والخطرات وهي أفكار القلب، والألفاظ وما ينطق به اللسان، والخطوات وإلى أين يمشي. ومن حفظ هذه الأربعة أحرز دينه، لأن الشيطان يبدأ باللحظات ثم ينتقل إلى الخطرات ثم إلى الألفاظ ثم إلى الخطوات في الحرام.
يُصوِّر ابن القيم تسلسل المعصية بدقة: نظرة تولد خطرة، ثم الخطرة تولد فكرة، ثم الفكرة تولد شهوة، ثم الشهوة تولد إرادة، ثم تقوى حتى تصير عزيمة جازمة فيقع الفعل لا محالة ما لم يمنعه مانع. وهذا التسلسل ينطبق على الزنا وينطبق عموماً على سائر المعاصي الكبرى.
الضعف أمام شهوة النساء أمر جُبل عليه الإنسان وهو ليس عيباً في نفسه؛ فالله يقول (زُيِّن للناس حب الشهوات من النساء) ويقول (وخُلق الإنسان ضعيفاً). العيب الحقيقي هو ألا يحترم الإنسان ضعفه ويقتحم أسوار الصور المحرمة والمشاهد المحرمة فيزلّ مرة بعد مرة ولا يتوقف.
الانشغال بإصلاح القلب والبحث عما يقرّب من الله ليس مجرد تعبئة لأوقات الفراغ بل هو واجب الوقت، لأن القلب الضعيف أو المريض يضعف أمام شدائد الفتن، وسقط من سقط وضلّ من ضلّ وقنط من قنط بسبب ضعف القلوب. والقلب المؤسَّس على التوحيد قلب لا يُقهر بخلاف القلب المشرَّب بالشركيات.
«فالانسان لما يحضر مثل هذه المجالس او يقرا مثل هذه الكتب او ينشغل بمثل هذه المواضيع هو حقيقه ليس مجرد تعبئه لاوقات الفراغ هذا ليس يعني جهد سهل بل هذا واجب الوقت»
من عجيب ما نبّه عليه ابن القيم أن لحظة الناظر سهمٌ لا يصل إلى المنظور إليه حتى يتبوأ مكاناً من قلب الناظر أولاً، فالجرح يقع في قلبك قبل أن تصل إلى ما تريد. وهذا يدل على أن المتضرر الأول من النظر المحرم هو صاحب البصر نفسه.
من أنواع التفكر لله التفكر في عيوب النفس وآفاتها وعيوب العمل، وهو تفكر عظيم النفع لأن تأثيره في كسر النفس الأمارة بالسوء، ومتى انكسرت عاشت النفس المطمئنة وانتعشت وصار الحكم لها. ومن الخطأ أن يعتقد أحدنا أنه لا عيوب فيه إذ إن ذلك أول درجات الخسران.
قاعدة مهمة: ورود الخاطر السيئ على القلب لا يضر صاحبه لأنه لا يملك منعه، وإنما يضره استدعاؤه ومحادثته. فالخاطر كالمار على الطريق إن تركته مرّ وانصرف، وإن استدعيته وأوقفته بدأت بينك وبينه علاقة أفضت إلى رحلة ألم مضنية.
ركّب الله في الإنسان نفسَين: نفساً أمارةً تحب الهوى وتكره العمل لله، ونفساً مطمئنةً تكره الهوى والباطل وتُحبّ الطاعة. وهما نفسٌ واحدة تتحول من حال إلى حال بحسب الزاد والعمل، والحرب بينهما مستمرة حتى آخر رمق، والنصر مع الصبر والمرابطة والتقوى.
﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ﴾
شبّه ابن القيم القلب باللوح: إن كان مكتوباً عليه بالخداع والنظر الحرام والتعلقات المحرمة فلن تجد معاني الإيمان موضعاً تستقر فيه. ولذلك من أراد أن تنقش في قلبه معاني الإيمان فعليه أن يمسح اللوح بترك الذنوب والمعاصي أولاً، إذ لا تستقر هذه المعاني إلا في محل فارغ.
قاعدة مستخلصة من قول أهل السلوك: أي شيء جاء على قلب فارغ تمكّن منه، فما هو أسبق إليك هو الأعمق أثراً. فإن سبق حب الله إلى قلبك تربّع على عرشه فلم تجد التعلقات المحرمة موضعاً، وإن سبقت التعلقات المحرمة ملأت القلب فلم يجد حب الله مكاناً.
قال ابن معاذ: القلوب كالقدور تغلي بما فيها، والألسنة مغارفها. فإذا أردت أن تعرف ما في قلب إنسان فانظر المواضيع التي يتطرق إليها لسانه، فمن دوام حديثه عن المال فقلبه ممتلئ بحبه، ومن دوام حديثه عن الله والآخرة فقلبه ممتلئ بحبهما.
في حديث أنس المرفوع: لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه. وهذا يدل على العلاقة التبادلية بين اللسان والقلب، إذ لكل منهما أثر في الآخر. فاللسان يغذي القلب وكذلك القلب يغذي اللسان، والصواب ملازمة الذكر باللسان ولو مع ضعف حضور القلب إذ لعل اللسان يفتح القلب.
«لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه»— حديث أنس المرفوع، ذكره الترمذي وقال حسن صحيح
للزنا مفاسد متعددة: فهو يُدخل العار على الأهل والزوج، وقد يُفضي إلى قتل الجنين أو إدخال نسب أجنبي على الأسرة، كما يوجب الفقر ويقصر العمر ويكسو صاحبه سواد الوجه ويورث المقت، ويشتت القلب ويجلب الهم والخوف ويُباعد من الملك ويُقرب من الشيطان.
أوضح ابن القيم سبب رحمة الناس للزاني أكثر من سائر أصحاب الجرائم: لأن هذا الذنب يقع في جميع طبقات المجتمع، وفي النفوس أقوى الدواعي إليه، والمشاركون فيه كثيرون، وكثيراً ما يكون عن عشق تميل القلوب لرحمة أصحابه؛ وهذا كله من ضعف الإيمان.
بيَّن ابن القيم أن المفعول به في اللواط يتأثر على كافة مستوياته: الجسدية والنفسية والاجتماعية، إذ تُمَصُّ من وجهه ماء الحياء، ولا يستحي بعد ذلك من الله ولا من خلقه، وتعمل نطفة الفاعل في قلبه وروحه كما يعمل السم في البدن، فيُصبح شخصية مهزوزة ضعيفة.
الابتلاء بعشق الصور المحرمة يشتّت الهمم ويضعف العزائم، ويجعل الإنسان غير منتج على الصعيدين الشخصي والديني؛ إذ يفقد لذة الخشوع والصلاة والتعبد، ويبقى دائماً في ارتباط ذهني بالمعشوق نوماً ويقظةً.
قرّر ابن القيم أن دواء داء العشق من طريقين: الأول حَسْم مادّته قبل حصولها بالوقاية، والثاني قلعها بعد نزولها بالعلاج، وكلاهما يسير على من يسّره الله عليه، وأساس ذلك كلّه طرق باب الله والتجاء إليه والندم بين يديه.
إطلاق البصر يفرّق القلب ويشتّته ويبعده عن الله، ويوقع الوحشة بينه وبين ربه؛ فمن يعاني من ضعف الهمة في طلب العلم والصلاة وقيام الليل فسبب ذلك إطلاق البصر إلى الحرام، لأن قلبه في وحشة من الله.
التعلق بالصور يوجب فساد العقل وعَمَه البصيرة وسُكر القلب؛ وقد وصف الله أهل اللواط بالعَمَه الذي هو التخبّط والضياع، لأن الفواحش والمعاصي وإدمانها سبب في حيرة الإنسان وضياعه.
غضّ البصر يسدّ على الشيطان مدخله إلى القلب، فإنه يدخل مع النظرة وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي. ثم يمثّل للقلب صورة المنظور إليه ويزيّنها ويجعلها صنماً يعكف عليه القلب، ويوقد نار الشهوة ويلقي عليها حطب المعاصي.
بين العين والقلب منفذٌ وطريق، يُوجب انفصال أحدهما عن الآخر، ويُصلح كلٌّ منهما بصلاح صاحبه ويفسد بفساده. فإذا فسد القلب فسد النظر، وإذا فسد النظر فسد القلب، وكذلك في جانب الصلاح.
«ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»— متفق عليه
أصل الشر من ضعف الإدراك وضعف النفس ودناءتها، وأصل الخير من كمال الإدراك وقوة النفس وشرفها وشجاعتها. فالحب والإرادة أصل كل شيء ومبدؤه، والبغض والكراهة أصل كل ترك ومبدؤه، وهاتان القوتان في القلب هما أصل سعادة العبد وشقاوته.
يغلط أكثر الناس غلطًا قبيحًا إذ يقصدون حصول اللذة بما يُعقب عليهم أعظم الألم. فمن ينظر إلى الصورة المحرمة يُظن أنه يشفي قلبه، لكنه في الحقيقة يزيد مرضه ويُضاعف ألمه وحسرته، ثم تتكرر الجولة كلما غالط نفسه برجاء اللذة من جديد.
أعقل الناس من آثر لذته وراحته الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة، وأسفه الخلق من باع نعيم الأبد بلذة مشوبة بالآلام سريعة الزوال. وطريق العقلاء جميعًا في دفع الهم والغم عنهم طريق واحد غايتُه السعادة، وإن اختلفت الطرق في الوصول إليها.
من رأيناه يحب ما يكرهه الله ويكره ما يحبه الله علمنا أن محبته لله ناقصة وفيه من معاداة الرب بحسب ذلك. وكمال الإيمان لا يتحقق بمجرد ترك المعصية خوفًا من الله، بل حتى يكره العبد المعصية من داخله؛ فمن تركها وهو يتمناها لم يبلغ أعلى المراتب.
شهادة التوحيد في قلوب الناس على مراتب: فمنهم من شهادته ميتة، ومنهم من هي نائمة قد تنتبه إذا نُبِّهت، ومنهم من هي مضجعة أقرب إلى القيام. وروح الشهادة في القلب كروح البدن: روح ميتة وروح مريضة وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن.
«إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحًا»— الصحيح
قد يُشكَّك في كون المعاصي توجب الألم بدليل أن كثيرًا من أهلها يبدون في غبطة. وجواب ابن القيم: هؤلاء في سكرة الشهوات كمريض الجسد الذي أخذ مسكِّنًا، فالمرض يشتد وهو لا يشعر؛ حتى إذا زالت السكرة وكشف عنه الغطاء وجد الألم قد تفشَّى أضعافًا مضاعفة.
من أعرض عن الله وتعلق قلبه بغيره عاش في ضنك ومعيشة متعبة، لأنه خرج عن النظام الإلهي الذي وُضع للإنسان؛ ولن يعود إلى الحياة الطيبة إلا بترتيب الأولويات القلبية كما أرادها الخالق.
﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾
إذا ارتكب الإنسان الحرام الذي يضره فإما أن يكون جاهلاً بضرره، أو عالماً لكن غلبت الشهوة عقله. وثمة صنف ثالث يعتمد على رحمة الله فيتجرأ على المعصية، وهو ما سماه ابن القيم الاغترار بستر الله.
كثيرًا ما يجتمع في الإنسان شهوة دافعة نحو الحرام وشبهة يختلقها لتبريره، فتتساند الشههوة والشبهة على جيش العقل والإيمان، والغلبة لأقواهما. ولهذا يصنع طالب الوصول إلى الحرام مئة مبرر ليبرر فعله.
عشق الصور يفسد القلب بالذات أولاً، فإذا فسد القلب فسدت الإرادات والأقوال والأعمال وفسد ثغر التوحيد. وقد حكى الله هذا المرض في القرآن عن طائفتين فقط: امرأة العزيز في عشقها ليوسف، وقوم لوط في عشقهم الشاذ.
فرّق ابن القيم بين العشق المحرم المستدام الذي يستحوذ على القلب فيُبعد محبة الله منه، وبين الزنا العابر الذي هو كبيرة لها حدّها لكن القلب فيها لا يزال يعبد الله. وقرر أن العشق المستدام أعظم إثماً لأنه يبلغ مراحل الشرك.
من أكبر مفاسد العشق المحرم أن العاشق يعيش في عذاب دائم من قلق وتوتر وانتظار وخوف من الفراق، فهو يظن نفسه سعيداً لكنه في حقيقته مسكين أسير لمخلوق لا ينفعه ولا يضره.
العشق يشغل صاحبه عن مصالح دينه ودنياه معًا؛ فمصالح الدين منوطة بجمع القلب وإقباله على الله، والعشق من أعظم ما يشتت هذا القلب. ولذلك كثيرًا ما يشكو العاشق من انعدام الخشوع في صلاته وقراءته وذكره.
كلما اقترب القلب من العشق ابتعد من الله، وكلما بعد من الله تسارعت إليه الآفات وتولاه الشيطان من كل ناحية. ومن استولى عليه عدوّه وتخلى عنه وليّه فلا خير في حاله.
إذا استحكم العشق في القلب أفسد الذهن وأحدث الوساوس، وربما ألحق صاحبه بالمجانين. والعشق أصعب شفاءً من الجنون؛ لأن المجنون قد يفيق بينما العاشق نادرًا ما يستيقظ إلا أن يشاء الله.
حب الشيء يعمي صاحبه عن رؤية عيوبه ويصمه عن سماع النقد فيه. ولا يدرك عيوب العشق حقاً إلا من دخل فيه ثم خرج منه بعناية الله، أما من هو داخل فيه أو لم يجربه فلن يدرك هذه العيوب بدقة.
عشق المردان والتعلق بهم لا يُبتلى به إلا من سقط من عين الله وطُرد عن بابه وبُعد قلبه عنه، وهو من أعظم الحجب القاطعة عن الله. وهذه المحبة هي التي جلبت على قوم لوط ما جلبت. ودواؤه الاستغاثة بمقلّب القلوب وصدق اللجأ إليه والاشتغال بذكره.
المطلوب من طالب العلم ليس مجرد ختم المصنفات وطيّ الصفحات، فما أسهل الختم وأيسر القراءة. إنما المطلوب هو التركيز على العمل وإصلاح الخلل وتدارك النفس ويقظة القلب. والكتب العلمية توضعك على الطريق لكن أنت من يسير وأنت من يبذل ويصبر.
«المطلوب ليس هو مجرد الختام وانما المطلوب ان يحسن الانسان العمل واما ختم المصنفات فما اسهل هذه العمليه ولكن الجهد الذي ينبغي على طالب العلم ان يركز على العمل وعلى اصلاح الخلل»